رأي

علاء الجابر: في رسالته الصوتية الأخيرة لي…”أبو منقذ” يفتقد رفيقة دربه!

علاء الجابر

لم يكن “أبو منقذ” مجرد كاتب مسرحي كبير بالنسبة لي، بل كان أباً وصديقاً رافقتُه لسنوات طِوال بشكل مباشر حينما كان مديراً للثقافة والفنون في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، وأنا في أول عهدي بالعمل باحثاً في مراقبة الطفل في المجلس.
تعلّمت من “عبد العزيز السريع” فترة العمل، الكثيرَ من التفاصيل الإدارية والفنية والإنسانية، وتبادلنا جلسات كثيرة كنت فيها أسأله سؤال المتلهف لمعرفة كل ما مَرَّ عليه في حياته الفنية الطويلة العامرة بالإنجازات ، وخاصة علاقته بأحد أحبِّ الفنانين إلى قلبي، رفيق دربه المخرج الذي رحل شاباً “صقر الرشود”.

لم يبخلْ يوماً
خلال ارتباطنا الدائم و جلساتنا الكثيرة، عرفت كثيراً من الأسرار والمعلومات، التي أعتقد بأنه لم يكن كثير من مجايليه يعرفونها ، وخاصة تلك التي تربطه بصقر.
أحببت” أبو منقذ” أكثر لأنه لم يبخل عليَّ بمعلومة ولم يتضايق يوماً من كثرة تساؤلاتي، بل ظل دائماً محاوراً، منصتاً، معلماً، يُطَعِّمُ الجِدَّ بالهزل، ويُعَلِّمُ دون أن يجرح .

وما يُميز الرائع “أبو منقذ”، تقديره للآخر، فكان كثيراً ما يُقَدِّرُ الجُهد البسيط الذي قدَّمتُه في المجلس تلك الفترة، وأيقنت أنه قد ترك أثراً كبيراً على نفسه الكريمة حين أصبح الأمين العام لجائزة البابطين فاختارني لأكون من أوائل المشاركين رفقته في التجهيز لمعجم البابطين للشعراء العرب، الذي انطلق من الكويت، ووصل إلى كل شعراء العرب في جميع أقطار العالم.
فسعِدتُ بهذا الاختيار الذي يدل على المحبة والرعاية الأبوية أولاً، بالإضافة للثقة في أن أكون رفقته ومعه وتحت إدارته في هذا المشروع الأدبي الكبير .

سجَّلَ لنا دون أي مقابل!
اِستمرت علاقتي الإنسانية والعملية مع الأب والمربي والفنان “أبو منقذ” لسنوات طويلة ، لم نختلف يوماً ولم نبتعد كثيراً عن بعضنا البعض حتى في فترات سفري، أو ارتباطي في أعمال عديدة أخرى ، ولا زلت أذكر بكل فخر واعتزاز أنه في أحد اللقاءات الصحفية حين سئل عن مسرح الطفل، أشاد بي شخصياً وبموقعي فيه.
ولا أستطيع أبداً أن أُنكِرَ له قبل سنوات طِوال فضل قبوله التسجيل التلفزيوني في بيته العامر بمشرف لساعات طويلة محبةً ودون أي مقابل في الحلقات، التي كتبتُها لقناة الجزيرة الثقافية عن المسرح في الكويت والخليج العربي ضمن برنامج مهم أنتَجَتْه القناة عن المسرح في الوطن العربي.

غيابه المفاجئ عن” الصقر”!
وحين قدَّمتُ قبل سنوات برعاية أخوية واهتمام كبير من الصديق الأخ “علي العنزي” إبَّان عمادته للمعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت ،
مشروع مسرحية لإعادة التذكير بمبدع الإخراج المسرحي “صقر الرشود” والتي حملت عنوان “الصقر ” ، فكان“لأبو منقذ” دورٌ أساسيٌّ في هذا النص كونه الرفيق الأقرب “لصقر” ، لذلك حين دعوته كان في غاية السعادة، ولبّى الدعوة دون أي نقاش، لكن إرادة الله شاءت أن يتم نقله للمستشفى الأميري في نفس اليوم ، وحين زرته بعدها كان في قمة الحزن من عدم تمكنه حضور المسرحية ، وأصَرَّ أن أرسل له تسجيلاً تلفزيونياً لها ، فكلمني بعد مشاهدتها وصوته مُغَلَّفاً بالألم لعدم حضورها، وشكرني بلا حدود لتذكُّري “صقر” وله في هذا العمل رغم أن ذلك استحقاق فني وتاريخي لا فضل لي فيه.

وحين أرادت فرقة مسرح الخليج أن يتولى الأخ “أمجد زكي” إعداد كتابٍ عن العزيز “أبو منقذ” اِتصل بي “أمجد” وقال لي إن ” أبو منقذ” طلبك شخصياً لتكتب عنه في هذا الكتاب، وقد كان.
ظل التواصل مع “أبو منقذ” الغالي بشكل دائم يكاد يكون أسبوعياً ، وإن منعه المرض أو سفر العلاج المتكرر للخارج من الحوار معي، أو التواصل يكون مع ابنه الصديق العزيز “منقذ” الذي يُوصِل له ما أريد، ويُوصِل لي ما يبعثه لي من محبة أبوية دائمة.

الرسالة الأخيرة!
كان آخر عهدي بصوت الراحل الغالي “أبو منقذ” قبل أن يعزله سرير المستشفى عني وعن محبيه منذ مدة قريبة ، رسالة صوتية إنسانية مؤثرة كانت الأخيرة منه لي، وكأنه يودعني فيها ويُعَبِّر لي فيها عن كل أحاسيسه، ويتوقَّع لقاءً قريباً برفيقة دربه “أم منقذ” التي رحلت قبل عام، والتي ذكرها بشكل خاص في الرسالة الصوتية، لذا سمعتها مراراً وأنا أشعر بالفرح لِما يخصني به من محبة ، وتوَجَّستُ خيفة حين ذكر لي عن “أم منقذ” بشوق وتفصيل بهذه الصورة، و لأول مرة في أحاديثنا؛ حيث قال لي فيها حرفياً:
” عزيزي أستاذ علاء ،الله يحييك ويبارك فيك، ودائماً تخجلنا بتهذيبك واحترامك للآخر ، عسى الله يبارك فيك يا أخي، زميل عزيز وأخ كريم وأرجو أن تكون في أحسن حال، أنا الحمد لله أطمنك، أموري طيبة والحمد لله، صحيح مافي زود بس هذا حكم السن ما عدت في أوج نشاطي ولا صحتي البدنية التي تتراجع قليلاً قليلاً ، فكما تعرف أن الإنسان حين يتعدى الستين مشكلة، وأنا الآن ستة وثمانين عاماً يعني كل سنة وأنت طيب، فالحمد لله نحن بخير فهناك كثيرون لم يتمتعوا بما تمتَّعنا به وجيلنا من نِعَم كثيرة، فالحمد لله والشكر أنا قانع وراضي مهما كان ، ولكنه البدن على رأي الشاعر “ممدوح عدوان” حين يقول” بدأت خيانات الجسد ” فعلاً الجسد يلبي طلبات الروح والفكر والرغبة، لكنه يقول لك دائماً تأنّى وتمهّل.
في كل الأحوال أنا بخير والحمد لله متوازن نفسياً ولا عندي مشاكل ، صحيح أنني أفتقد “أم منقذ” الله يرحمها ، وأُحِسُّ بالفقد لأنني قضيت معها عشرة عمر حوالي سبعين عاماً من حياتنا معاً كابنة عمي وحبيبة قلبي، وكانت هي البيت بالنسبة لي ..والبيت هي ، أنا وبناتها وأولادها نُحِسُّ بالفقد لها لأنها كانت كلها حيوية وإنسانة طيبة وكريمة والناس عندها في البيت بشكل يومي…
والعائلة أيضاً تزورها دائماً كونها كبيرة العائلة من ناحية النساء ، وأنا كبير العائلة من ناحية الرجال ، واحنا كأسرة تعدادنا أكثر من ألف فرد.
لذلك كانت الحياة صاخبة بحضورها، وفي غيابها أصبح هناك هدوء مزعج هل سمعت بهذا التعبير هدوء مزعج بالفعل.
على كل حال بس حبيبت أحطك بالصورة لأنك عزيز وقريب من القلب، وليس هناك فرق بينك وبين “منقذ” أخيك .

أشكرك على السؤال وعلى الاهتمام وسلامي للسيدة الراقية الدكتورة “سعداء” عسى الله يحفظها و يخليكم لبعض ويسعد أيامكم”
تلك كانت رسالة الوداع الصوتية من “أبو منقذ” لي.

رحمك الله الصديق الأب ورفيق رحلة جميلة “أبو منقذ” الغالي ،وعزائي أن ما تركه لنا ولأولاده من محبة وذكريات وإبداع باق إلى الأبد.
إلى جنة الخلد نَمْ قرير العين “أبو منقذ” العزيز.


★رئيس التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى