رأيفنون وآداب اخرى

حيدر الأسدي: أدب السجون ومآلات الفراغ والعزلة.

د.حيدر علي الأسدي ★

يُمَثِّل أدب السجون أحد أهم أوجه الأدب، الذي يُصَوِّر الحالات والنزعات الإنسانية بما هي ذوات منفردة معزولة تُعاني الاغتراب والفردانية والفراغ والعزلة، فهو أدب قائم على الأحداث الإنسانية والنفسية في آن واحد مِدادُها الكلمات الحرة والأجساد المنزوية بين الجدران والقيود وآليات القمع ، مسار ينحو إلى التلاشي والاغتراب، وآخر إلى المقاومة والبقاء ومحاولة خلق لغة تواصل (مع الذات والذاكرة أولاً) ومع الآخر (خلق الجدران الضيقة) تارة أخرى، يُشَكِّل هذا الأدب فضاء للعزلة، وفضاء لخلق عوالم افتراضية بديلة في محاولة لإحياء الذات والمخيلة للصمود إزاء (الجمود) والسكون والنمطية المستشري (وهي عكس تطلعات وطموحات الكاتب التي تجنح نحو الإبداع والتفكير خارج السرب) إذ تُمَثِّل النزعة الاغترابية، السمة البارزة في أدب السجون، وهو تمظهر لمشاعر وانفعالات ذات مسجونة تحاول أن تُحَلِّق بالمخيلة، وتسرح بالذات إلى مناطق وفضاءات جغرافية أبعد من هذه الجدران الأربعة.
يَتَمَثَّل أدب السجون في السِّيَر الذاتية، وفي الغيرية، ويُشَكِّل نزهة حقيقية في فضاءات وعوالم من النزهات القسرية ضمن فضاء الحقيقية والملخصات الإنسانية، فهي تجارب تُعَبِّر عن حقيقة الذات بلحظة تصالح وصفاء، غير مقيدة لحظة وجع حقيقية للفرد (الكاتب) ذلك أن تجربة السجن تفصح الذات الحقيقية للإنسان، وتُعَرِّفُه بما يجهل بهذه الذات (لحظات ضعفه، مشاعره، انفعالاته، صموده، صلابته) وفي الأدب العالمي لا يمكن نسيان الرواية القصيرة le dernier jour d’un condamné للكاتب الفرنسي “فيكتور هوغو” والتي كانت مناهضة لعقوبة الإعدام، وهي عبارة عن يوميات داخل زنزانة السجن في سجن بيسيتر، وهي تستعرض الساعات الأخيرة، التي تسبق حكم الإعدام. وأيضاً الكونت دي مونت كريستو رائعة الكاتب “ألكسندر دوما”، وهي إحدى كلاسيكيات الأدب العالمي التي استعرضت قصة هروب ملحمية من سجن إيف. وتتصدر المحاكمة لـ”كافكا” النمط عن فكرة السجن ورضوخ الإنسان نفسياً تحت طائلة البيروقراطية من خلال مقاضاة جوزيف واعتقاله. وهناك مسرحيات كذلك كُتِبَت داخل السجن، أو عن أدب السجن، ومنها ( حارس الموت) للكاتب الفرنسي “جان جينيه” وهي تُسَلِّط الضوء على الصراع بين نزلاء السجون من أجل تَصَدُّر وقيادة السجن ، وكذلك مسرحية (سجن النساء) للمصرية “فتحية العسال” وناقشت من خلاله حياة المعتقلات النساء ، وكذلك (السجين والسجان) للمصري “محمد عناني”، وعام 2016 على خشبة مسرح متواضع في سجن رومية المركزي ببيروت، عُرِضَت مسرحية (جوهر في مهب الريح) للمخرجة “زينة دكاش” لتسليط الأضواء على قضية السجناء وحياتهم اليومية، وعام 2020 وتحت مسمى “السنترا” قُدِّم عرض مسرحي من قِبَل 10 سجينات من السجن المدني بالمسعدين في إطار تأهيل السجينات عبر النشاط الثقافي، إذ قدَّم المسرحية سجينات من السجن المدني بمسعدين على ركح المسرح البلدي بسوسة، ومن أبرز ما كُتِب في أدب السجون ( شرق المتوسط) لـ”عبد الرحمن منيف” والتي صوَّرت قسوة التعذيب في السجون، و(شرف) لـ”صنع الله إبراهيم” وَثَّقَ خلالها السجون في مصر، وكذلك ( يسمعون حسيسها) لـ”أيمن العتوم” ينتمي إلى أدب السجون، وأيضاً رواية بيت خالتي للروائي “أحمد خيري العمري” وكذلك (عائد من جهنم: ذكريات من تدمر وأخواته) وهي شهادة حية للكاتب والمعتقل اللبناني السابق “علي أبو دهن” وأيضاً تلك العتمة الباهرة هي رواية من أدب السجون وهي من تأليف الأديب الفرنكفوني المغربي “طاهر بن جلون”، وهي مُستَلْهَمة من شهادة “عزيز بنبين”، أحد المعتقلين، وأيضا (البلاء الشديد والميلاد الجديد) للأسير الكويتي السابق في غوانتانامو “فايز الكندري” إذ يُمَثِّل تفاصيل رحلته طوال 14 عاماً قضاها في المعتقل، ويسرد خلاله يومياته ومعاناته منذ لحظة اعتقاله وما واجهه في السجن، وكتب الباحث والكاتب “علي حسين حسن الحجامي” كتابه البحثي المهم، وهو جزء من كدحه التوثيقي الأكاديمي “قصائد السجون في الشعر العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين” قَدَّم خلاله دراسة موضوعية وفنية لهذا الأدب ، فهناك العديد من الشعراء ذهبوا في غياهب السجون، وخرجت لهم العديد من النصوص الشعرية، وذلك لأن الشعر تجربة إنسانية ذاتية تتفاعل وتنصهر بهكذا ظروف يكون خلالها الشاعر في المعتقلات، وتحت سياط الظالمين والتعسف، فتخرج إرهاصاته على شكل شعر فهو اللغة التعبيرية الوحيدة عن الألم والحزن والمعاناة ، أما مسلسلات وأفلام السجون، فحدِّث ولا حرج.
تُخْرِج لنا الدراما والسينما العربية والعالمية سنوياً العديد من الأفلام، التي تتحدث عن أسرار وخفايا المعتقلين في السجون، وكيف يعيشون يومياتهم ، لذا تبقى جغرافيا المكان ( السجن) وإن كان معادياً ضمن النسق النقدي الأدبي للمفهوم، إلا أنه يُنْتِج العديد من النصوص والأعمال الأدبية والفنية، التي من شأنها أن تُشَكِّل تجارب حقيقية في خارطة الأدب العربي والعالمي، وهذا ما أثبتته التجارب المشار لها في أعلاه.
ذلك بما تمنحه العزلة ووقت الفراغ والألم والمعاناة من فسحة جيدة للكتابة والإنتاج والنقد والتعبير عن الذات بلغة حضارية مدادها الكلمات والحبر والورق، لِيُدَوّن ما هو تاريخي من مرحلة وحقبة تتقارب فيها السِّيَرية مع رحلة الوجع والمناهضة والمقاومة لأنظمة الاستبداد والتعسف، التي ترمي بالأدباء والمثقفين خلف القضبان، وهذا ما نُشاهِده في العديد من الأعمال، التي تندرج ضمن تصنيفات أدب السجون.


★ناقد وأكاديمي ـ العراق.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى