بدر الأستاد: حين “ذاب الثلج”.. واكتشفنا جواهر «عبدالله بالخير»!


بدر الأستاد★
فوجئت قبل أسابيع بالجوهرة الثمينة التي كانت تختبئ في حنجرة الفنان الإماراتي «عبدالله بالخير» طوال السنوات الماضية، وذلك بعد أن ذاب ثلج الأغاني التقليدية التراثية التي كان لا يُغنّي غيرها.
هذا بالضبط ما حصل مع الفنان «عبدالله بالخير»، الذي حجّم من صوته عندما قرر الاكتفاء بغناء التراث الشعبي. ورغم أنه غنّى هذا التراث بأسلوبه الخاص منذ أول مرة سمعته فيها، إلا أن ذلك الأسلوب تحوّل إلى نمط ثابت خلال كل تلك السنوات، فلم أسمع له أغنية بغير ذلك الأسلوب، على مستوى الشكل والمضمون أيضًا. فظلّت موهبته الفنية مجهولة للمتلقي، الذي عرف الفنان «عبدالله بالخير» عبر أعمال مكررة ومتطابقة في كثير من الأحيان، بل إنه أوحى للجمهور بأنه لا يملك إلا هذا الأسلوب، وهذا النوع من الأعمال، خاصة أنه يقدم أغانيه في كثير من المناسبات بطريقة خفيفة وكوميدية أحيانًا.
بعد كل هذه السنوات الطويلة، اكتشفت اليوم بالصدفة كيف يمكن أن يظلم الفنان نفسه. فالفنان «عبدالله بالخير» درس الفن في معهد الموسيقى العربية بالقاهرة، بل إنه، كما ذكرت بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، حاز على إعجاب ملك الألحان، الملحن الكبير الراحل «بليغ حمدي»، الذي كان معجبًا بصوت «عبدالله بالخير». ولم أستوعب حينها سبب ذلك الإعجاب لفنان كنت أعتقد، من وجهة نظري في ذلك الوقت، أنه لا يملك المقومات الفنية والجمالية التي تجعل اسمًا كبيرًا بحجم «بليغ حمدي» يُبدي إعجابه بصوته!

لكن اليوم، وبشكل مفاجئ، تغيّرت تلك القناعة لديّ، حين كسر هذا الفنان أفق توقعاتي حرفيًا، من خلال ما قدمه في أغنية «ذوب الثلج» التي صدرت عام 2024، ولم أسمعها إلا هذا العام. جاءت الأغنية كقفزة فنية في تاريخه. وقد يقول قائل إن «بالخير» لم يستطع الخروج من الأسلوب التراثي كليًا، فهو من قام بتقديم توليفة للكلمات التراثية، ولكن الأغنية، من حيث اللحن والتوزيع والأداء، مختلفة تمامًا؛ حيث قام الملحن «إحسان صادق» بإضافة إيقاعات غربية لتكسر حدة التراث، وتعطي لمسة جديدة للفنان عما اعتاد عليه، كما أتاح له مساحة مناسبة لإبراز إمكانياته الفنية. وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث استطاع «بالخير» أن يثبت للجمهور بأنه قادر على الغناء بعدة طبقات صوتية بشكل فني جميل، دون أي نشاز، مع تلاعبه بالعُرَب بشكل احترافي، ومحاولاته الدائمة للتغلب على نمطيته التي ظهرت في بعض اللحظات، لكنه سرعان ما قاومها بثبات وتميّز.
صدرت أغنية «ذوب الثلج» منذ عامين تقريبًا، إلا أننا، مع الأسف، لم نجد لـ«عبدالله بالخير» عملًا فنيًا آخر مثل هذا العمل، الذي نال إعجاب الجماهير من خلال الآراء العديدة التي شهدت هذا التحول الرائع وأثنت عليه.
لذلك قمت بعملية بحث لسماع آخر إصداراته الفنية، ليتضح لي أن الفنان «عبدالله بالخير» عاد، كما كان في السابق، إلى الكلمات والألحان الشعبية أو التراثية، التي لها مكانتها في تاريخنا الفني بالتأكيد. وأنا شخصيًا لا أرفضها كفن عظيم ارتبط بالعديد من الأسماء الفنية الكبيرة والمؤثرة، ولكني ضد انغلاق الفنان على ذاته، وعدم تجديده للونه الفني، وعدم اكتسابه جمهورًا مختلفًا عن الجمهور الذي اعتاد عليه.
وهنا يكمن السؤال: لماذا عاد «عبدالله بالخير» إلى أسلوبه القديم في الغناء، رغم نجاح تجربة أغنية «ذوب الثلج» واتفاق نسبة كبيرة من الجمهور العربي على تميّزها؟ هل النجاح الكبير للأغنية شكّل له مصدر خوف؟ أم أن لديه أسبابًا أخرى لا نعرفها؟
★ناقد ـ الكويت.




