سليمان عبد الدايم:حين يضحك الجسد في وجه السلطة.. الكوميديا السوداء في المسرح الإفريقي المعاصر.


سليمان عبد الدايم★
ثمة ضحك لا ينتهي بانتهاء النكتة، ولا يغادر الذاكرة مع انطفاء أضواء المسرح. ضحك يترك في الحلق شيئًا من المرارة، ويجعل المتفرج يتساءل عمّا إذا كان قد ضحك من غرابة ما شاهده، أم من ألفة ما رآه في حياته اليومية. في هذا النوع من المسرح، لا تكون الكوميديا نقيضًا للمأساة، بل إحدى الطرق التي تستطيع بها المأساة أن تكشف عن نفسها دون أن تتحول إلى خطاب مباشر. وحين تدخل السلطة إلى خشبة المسرح، محاطة بخطاباتها الرسمية ووعودها الكبيرة وصورتها التي تحرص على حمايتها، قد لا يكون أكثر ما يهددها مشهد مأساوي أو خطاب غاضب، بل شخصية مضحكة تكشف التناقض بين ما تقوله السلطة وما تفعله.
في المسرح الأفريقي، تكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة عند النظر إلى الأعمال التي واجهت الاستعمار، أو مساءلتها لممارسات الدولة بعد الاستقلال، أو نقدها للفساد والتفاوت الاجتماعي واستغلال الدين. غير أن الحديث عن المسرح الأفريقي لا ينبغي أن يتحول إلى تعميم يختزل قارة كاملة في تجربة سياسية واحدة؛ فالتقاليد المسرحية في نيجيريا وجنوب أفريقيا والسنغال وغيرها تتشكل في سياقات تاريخية ولغوية واجتماعية متباينة. وما يهم هنا ليس افتراض وجود صوت أفريقي موحد، بل تتبع طرائق مختلفة استخدم بها المسرحيون السخرية والأداء الجسدي لكشف علاقات القوة.
تنبع أهمية الكوميديا السوداء من قدرتها على وضع المألوف موضع الشك. فهي لا تكتفي بتقديم شخص فاسد أو مسؤول متناقض، بل تجعل المتفرج يرى عبثية النظام الذي يسمح باستمرار هذه التناقضات. أما الجسد، فلا يقتصر دوره على تجسيد الشخصية أو تنفيذ الحركة المكتوبة، بل قد يتحول إلى مساحة للصراع بين الطاعة والرفض، وبين الصورة الرسمية التي يريد صاحب السلطة فرضها والحقيقة التي تكشفها الممارسة. ومن هنا يتشكل السؤال المركزي:
كيف يستطيع المسرح أن يجعلنا نضحك من السلطة، وأن يكشف في الوقت نفسه ما تتركه هذه السلطة من آثار على أجساد الناس وحياتهم؟
أولًا: حين يصبح الضحك محاكمة للسلطة
في مسرحية The Trials of Brother Jero للكاتب النيجيري وول سوينكا، تتحول شخصية جيرو، الواعظ الذي يسعى إلى استثمار مكانته الدينية لمصلحته الخاصة، إلى نموذج ساخر لاستغلال الثقة العامة. لا تقوم المفارقة على التناقض بين التدين والسلوك الفردي فحسب، بل على قدرة الشخصية على استخدام اللغة التي تمنحها سلطة أخلاقية لتغطية مصالح تناقض ما تعلنه. فبدلًا من أن يكون الخطاب الديني وسيلة لخدمة الآخرين، يصبح أداة لإدارة توقعاتهم ومخاوفهم، ولتعزيز مكانة المتحدث نفسه.
تكمن أهمية هذه الشخصية في أن سوينكا لا يقدمها باعتبارها حالة منفصلة عن المجتمع. إن جيرو يحتاج إلى جمهور يصدقه، وإلى أشخاص يجدون في وعوده ما يتطلعون إليه، وإلى بيئة تستطيع فيها البلاغة أن تحجب التناقض بين القول والفعل. ولذلك تتجاوز السخرية نقد الواعظ المخادع إلى مساءلة الظروف التي تمنحه القدرة على التأثير في الآخرين. فالسلطة هنا لا تقوم على الإكراه وحده؛ إنها تعتمد أيضًا على اللغة، وعلى الرغبة في التصديق، وعلى استعداد الأفراد لمنح بعض الشخصيات مكانة تتجاوز ما تستحقه أفعالها.
تساعدنا دراسة باتريشيا بياتريس ميريكو-جيماه، Soyinka as Satirist: A Study of The Trials» «of Brother Jeroالمنشورة عام 2013، على فهم هذا البناء؛ إذ تتناول استخدام سوينكا للمفارقة والمبالغة واللغة اللاذعة في نقد الانتهازية الدينية والعيوب الاجتماعية والسياسية. وتكشف هذه الأدوات كيف يمكن للضحك أن يؤدي وظيفة نقدية، حين يدفع الجمهور إلى رؤية التناقض بدلًا من الاكتفاء بالتعاطف مع الشخصية أو رفضها أخلاقيًا.
لكن السخرية لا تحقق غايتها بمجرد أن تجعل الشخصية مثيرة للضحك. فقد يضحك الجمهور من المحتال ثم ينسى ما وراءه، وقد تتحول الشخصية الفاسدة إلى مادة للترفيه دون أن يتغير شيء في فهم المتفرج للمؤسسة التي تتحرك داخلها. لذلك تتوقف قوة الكوميديا على قدرتها على الانتقال من كشف العيب الفردي إلى إظهار علاقته بالبنية الاجتماعية. وعندما تنجح في ذلك، تصبح الضحكة شكلًا من أشكال المحاكمة الرمزية: تُستدعى الشخصية إلى الخشبة، لا لكي تُدان وحدها، بل لكي تُكشف الآليات التي تمنحها نفوذها.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: السلطة تحتاج إلى أن تؤخذ على محمل الجد، بينما تسعى السخرية إلى كشف المسافة بين صورتها المعلنة وممارستها الفعلية. فحين يبدو المسؤول متناقضًا، أو الواعظ انتهازيًا، أو صاحب النفوذ أسيرًا لمخاوفه، تفقد الهيبة شيئًا من صلابتها. ولا يعني ذلك أن الضحك يسقط السلطة في الواقع، لكنه قد يسقط عنها ادعاءها بأنها فوق المساءلة.
ثانيًا: الجسد الذي يفضح ما تخفيه اللغة
إذا كانت اللغة إحدى وسائل إنتاج السلطة، فإن الجسد يكشف حدودها. فالخضوع لا يظهر في الأفكار وحدها؛ إنه يتجلى في طريقة الوقوف، وفي الحركة المحسوبة أمام صاحب المنصب، وفي التردد قبل الاعتراض، وفي الصمت الذي يفرضه الخوف على الإنسان. ولهذا لا يمكن التعامل مع الجسد المسرحي بوصفه أداة محايدة لتنفيذ الحوار، إذ يستطيع أن يحمل معنى يناقض الكلمات، أو يكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه.
قد يقول الممثل إنه واثق، بينما تكشف حركة يده عن اضطرابه. وقد يؤدي شخصية مسؤول يتحدث عن النظام، لكن مبالغة أدائه تجعل النظام نفسه يبدو مسرحية عبثية. وقد يتحول الانحناء المتكرر أمام صاحب السلطة إلى حركة آلية تفقد معناها الاحترامي وتكشف ما تنطوي عليه من إذلال. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الحركة مجرد زينة بصرية، بل تصبح جزءًا من الحجة النقدية التي يقدمها العرض.
ويظهر هذا بوضوح في مسرحية Woza Albert!، التي ابتكرها وقدّمها بيرسي متوا ومبونغيني نغيما، بمساهمة المخرج بارني سيمون، وعُرضت للمرة الأولى عام 1981 في سياق مقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. تنطلق المسرحية من فرضية تخيلية جريئة: ماذا لو عاد المسيح إلى جنوب أفريقيا في ظل نظام يقوم على التمييز العنصري؟ ومن خلال إعادة تخيل الحكاية الدينية في واقع سياسي محدد، تضع المسرحية وعود الخلاص والعدالة في مواجهة مجتمع يعيش فيه السود تحت القمع والإقصاء.
لا تنحصر قوة العمل في فكرته السياسية، بل تظهر أيضًا في أسلوب أدائه. يعتمد العرض على ممثلين يقدمان شخصيات متعددة، مستخدمين الحركة والمحاكاة والإيماءة والتحولات السريعة بين الأدوار، مع اعتماد محدود على العناصر المسرحية التقليدية. وبهذا يصبح جسد الممثل قادرًا على الانتقال بين مواقع اجتماعية مختلفة، وعلى تجسيد علاقات القوة دون الحاجة إلى بناء واقعي كامل لكل شخصية أو مكان.
تكشف هذه التقنية أن الجسد ليس مجرد وسيلة لتصوير القمع؛ إنه أيضًا أداة لإعادة تنظيم المشهد المسرحي. فالممثل الذي ينتقل من شخصية إلى أخرى يوضح كيف يمكن لمجموعة محدودة من الأجساد أن تكشف عالمًا اجتماعيًا واسعًا، وكيف يمكن للحركة أن تختصر المسافة بين الحاكم والمحكوم، أو بين خطاب السلطة وتجربة من يخضعون لها. وقد تناول مارتينوس يوهانس هافينغا هذه الأبعاد في دراسته «Woza Albert! Performing Christ in Apartheid South Africa» المنشورة عام 2020، محللًا علاقة المسرحية بالسياق السياسي والأخلاقي لنظام الفصل العنصري.
في هذا المثال، لا يعود الجسد الثائر بالضرورة جسدًا يرفع قبضته أو يصرخ في وجه الحاكم. قد تتمثل مقاومته في قدرته على تبديل الأقنعة، وإعادة تقديم الشخصيات التي تفرضها السلطة، وكشف عبث القواعد التي تنظم حياتها. فالجسد الذي كان يُراد له أن يظل محصورًا في موقع اجتماعي محدد يستطيع، داخل الأداء، أن ينتقل بين المواقع وأن يعيد تمثيلها على نحو يفضح تناقضاتها.
ومن هنا يصبح السؤال عن الجسد سؤالًا عن حق الإنسان في الظهور والتعبير. من يُسمح له بأن يتكلم؟ ومن يُجبر على الصمت؟ من يملك حق تعريف الآخر؟ ومن يستطيع أن يعيد تعريف نفسه على الخشبة؟ لا تقدم هذه الأسئلة إجابات جاهزة، لكنها تجعل الأداء المسرحي مساحة لإظهار ما تحاول علاقات القوة تثبيته في الحياة اليومية.
ثالثًا: من الدولة الوطنية إلى عبث الوعود السياسية
لا ينتهي الصراع على الحرية بمجرد انتهاء الاستعمار. فقد واجهت مجتمعات أفريقية عديدة، بعد الاستقلال، تحديات تتعلق ببناء الدولة وتوزيع الموارد والفساد والتفاوت الاجتماعي، إلى جانب تجارب الحكم العسكري والصراعات السياسية. وقد دفع ذلك بعض المسرحيين إلى مساءلة الفجوة بين وعود التحرر وممارسات السلطة، لا بهدف إنكار قيمة الاستقلال، بل لفحص ما حدث للآمال التي ارتبطت به.
في هذا السياق، تبرز مسرحية Once Upon Four Robbers للكاتب النيجيري فيمي أوسوفيسان، التي توظف حكاية اللصوص والواقع الاجتماعي المحيط بهم لطرح أسئلة عن الجريمة والعدالة والفقر والسلطة. وتتيح المسرحية قراءة تتجاوز إدانة الأفراد إلى النظر في التناقضات التي تحيط بهم، وفي العلاقة بين السلوك الشخصي والظروف الاجتماعية. فالجريمة لا يمكن تبريرها تلقائيًا بسبب الفقر، لكن إدانة مرتكبيها لا تفسر وحدها الشروط التي تجعلها ممكنة أو متكررة.
وتتجلى أهمية هذا المنظور في أن السخرية لا تمنح المتفرج راحة الحكم الأخلاقي السريع. فبدلًا من الفصل المريح بين شخصيات شريرة وأخرى بريئة، تدفعه إلى التفكير في العلاقات التي تنتج الظلم وتعيد إنتاجه. ومن خلال هذا التعقيد، يستطيع المسرح أن يطرح أسئلة سياسية دون أن يتحول إلى محاضرة، وأن يجعل التناقض الاجتماعي حاضرًا في مصائر الشخصيات وفي إيقاع العرض وبنيته.
ومع ذلك، فإن مقارنة هذا العمل بمسرحية Woza Albert! تكشف اختلافًا مهمًا في السياق والهدف الفني. فالمسرحية الجنوب أفريقية ترتبط مباشرة بمقاومة نظام الفصل العنصري، بينما تتيح أعمال أوسوفيسان قراءة مشكلات اجتماعية وسياسية في سياق نيجيري مختلف. ولا ينبغي دمج التجربتين في رواية واحدة عن «المسرح الأفريقي المقاوم»، بل فهم ما تكشفانه من طرائق متعددة لتوظيف السخرية في مواجهة علاقات القوة.
إن قيمة المقارنة هنا ليست إثبات أن المسرح في القارة يتبع وصفة واحدة، وإنما إظهار أن السخرية تستطيع أن تتخذ أشكالًا مختلفة تبعًا للسياق: فقد تستهدف استغلال الدين، أو عبث النظام السياسي، أو التفاوت الاجتماعي، أو التناقض بين الشعارات والواقع. وما يجمع هذه المسارات هو قدرتها على جعل ما يبدو طبيعيًا أو حتميًا قابلًا للسؤال والمراجعة.
رابعًا: الجمهور بين الضحك والتواطؤ
لا يكتمل المعنى السياسي للعرض عند حدود النص أو أداء الممثل؛ فالجمهور شريك في إنتاجه. والضحكة التي ترتفع في القاعة ليست استجابة بسيطة يمكن فصلها عن السياق، بل قد تكون لحظة يتعرف فيها المتفرجون إلى خبرة مشتركة، أو يكتشفون أن ما اعتادوا قبوله يستحق إعادة النظر.
حين يضحك الجمهور من شخصية تستعرض سلطتها، تتغير مؤقتًا علاقته بها. فالشخصية التي أرادت أن تبدو مهيبة تصبح موضوعًا للتأويل، وربما للسخرية. وما كان يُقدَّم باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش يتحول إلى مشهد يمكن تفكيكه. بهذا المعنى، لا يلغي الضحك السلطة من الواقع، لكنه ينزع عنها شيئًا من حصانتها الرمزية، ويمنح المتفرج فرصة لرؤية ما وراء الصورة التي تحرص على تقديمها.
لكن ينبغي الحذر من اعتبار كل ضحك فعل مقاومة. فقد تتحول السخرية إلى وسيلة للتنفيس عن الغضب، فيخرج المتفرج مرتاحًا لأنه ضحك من المشكلة دون أن يقترب من أسبابها. وقد تختزل النكتة أزمة معقدة في صورة مضحكة، فتجعلها أسهل استهلاكًا وأقل قدرة على إزعاج الجمهور. وقد يضحك المتفرج من شخصية مقهورة بدلًا من أن يضحك من النظام الذي قهرها.
لذلك تتحدد القيمة النقدية للكوميديا السوداء في السؤال الذي تتركه بعد الضحكة. هل جعلت الجمهور يرى التناقض الذي كان يتجاهله؟ هل كشفت عن آليات إنتاج الخوف أو الفساد أو الإقصاء؟ هل منحت الشخصيات المهمشة قدرة على الظهور والتعبير، أم جعلت معاناتها مادة للفرجة؟ هذه الأسئلة ضرورية حتى لا يتحول الحديث عن المقاومة إلى وصف جاهز لكل عرض ساخر.
وتشير الدراسات التي تجمع بين الفنون الأدائية والسياسة في السياقات الأفريقية إلى أن المعنى السياسي للأداء لا يتشكل في الخشبة وحدها، بل في علاقته بالمجتمعات التي يظهر داخلها، وبالفضاءات التي تستقبله، وبالطرق التي يتفاعل بها الجمهور مع الحركة والكلام والصورة. ومن ثم فإن قراءة العرض تقتضي الانتباه إلى عناصره الفنية، لا إلى موضوعه السياسي وحده.
خامسًا: حين تصبح السخرية فعلًا فنيًا لا شعارًا
إن التعامل مع الكوميديا السوداء باعتبارها سلاحًا سياسيًا لا يعني أن نجاحها يقاس بوضوح رسالتها أو بعدد الشعارات التي ترفضها. فقد يكون العمل مباشرًا في نقده لكنه ضعيف فنيًا، وقد يكون شديد التعقيد دون أن يفقد قدرته على الوصول إلى الجمهور. إن المسألة تتعلق بكيفية تحويل الفكرة السياسية إلى بنية مسرحية: إلى شخصية تتناقض أقوالها مع أفعالها، أو حركة تكشف الخضوع، أو إيقاع يفضح عبث الإجراءات، أو مشهد يجعل الجمهور يرى ما كان يمر عليه دون انتباه.
في The Trials of Brother Jero، تتولد السخرية من التناقض بين الصورة الدينية المعلنة والمصلحة الشخصية. وفي Woza Albert!، تصبح إعادة تمثيل الواقع السياسي من خلال الحكاية الدينية والأداء الجسدي وسيلة لكشف قسوة الفصل العنصري وعبثه. أما Once Upon Four Robbers، فتتيح مساءلة العلاقة بين الجريمة والعدالة والظروف الاجتماعية. هذه الأعمال لا تقدم تجربة واحدة متطابقة، لكنها توضح أن السياسة يمكن أن تتجسد في بناء الشخصية، وفي طريقة استخدام الجسد، وفي العلاقة بين المتفرج وما يشاهده.
ومن هنا ينبغي أن نميز بين مسرح يتحدث عن المقاومة ومسرح يجعل المقاومة جزءًا من شكله الفني. ففي الحالة الثانية، لا تقتصر المقاومة على مضمون الحوار؛ بل تظهر في كسر التوقعات، وإعادة توزيع الأدوار، وتغيير علاقة الجمهور بالشخصيات، وإظهار أن النظام الذي يبدو ثابتًا يمكن إعادة تمثيله وكشف تناقضاته. وقد تكون الحركة الصغيرة، أو المبالغة الكوميدية، أو التحول المفاجئ بين الشخصيات، أكثر تأثيرًا من خطاب طويل يشرح للمتفرج ما ينبغي أن يفكر فيه.
ولا يعني ذلك أن المسرح قادر وحده على تغيير الواقع السياسي، أو أن الضحك يؤدي بالضرورة إلى فعل جماعي. فالفن يعمل ضمن شروط اجتماعية ومؤسسية أوسع، وقد يواجه الرقابة أو التهميش أو سوء الفهم، كما قد يتحول إلى سلعة منفصلة عن الأسئلة التي انطلق منها. لكن قدرته على إعادة ترتيب ما نراه، وعلى جعل المألوف موضعًا للشك، تظل إحدى إمكاناته المهمة.
خاتمة: ما الذي يبقى بعد الضحكة؟
ربما تكمن قوة الكوميديا السوداء في أنها لا تعد الجمهور بنهاية سعيدة، ولا تقدم له بطلًا قادرًا على تغيير العالم بمفرده. إنها تكشف التناقض، وتضع الهيبة موضع السؤال، وتجعل الشخصيات تواجه ما تحاول إخفاءه. وفي هذا المسار، لا يكون الجسد مجرد أداة لتنفيذ الحركة، بل سجلًا لما تتركه السلطة من آثار، ومساحة يمكن من خلالها اختبار حدود الطاعة وإمكانات الرفض.
وتكشف النماذج المسرحية التي تناولناها أن السخرية في المسرح الأفريقي لا تتخذ شكلًا واحدًا، ولا تستهدف موضوعًا واحدًا. فهي قد تفضح استغلال الدين، أو تسائل عنف الدولة، أو تكشف التناقضات الاجتماعية التي تحيط بالجريمة والعدالة. وتختلف هذه الأعمال في سياقاتها وأساليبها، لكنها تشترك في قدرتها على تحويل التناقض إلى تجربة مرئية، يستطيع الجمهور أن يضحك منها ثم يعود إلى التفكير فيها.
وحين تنطفئ الأضواء، لا يبقى بالضرورة جواب واضح، لكن قد تبقى صورة السلطة بعد أن فقدت شيئًا من هيبتها، وصورة الجسد بعد أن تجاوز الدور الذي أُريد له أن يؤديه. وربما يكتشف المتفرج أن ما أضحكه لم يكن بعيدًا عن حياته، وأن الضحكة التي ظنها هروبًا من الواقع قد تصبح بداية لرؤيته على نحو مختلف.
فالمسرح لا يغيّر العالم بمجرد أن يضحك الناس، لكنه يستطيع أن يجعلهم يرون ما اعتادوا ألا يروه. وحين يصبح الجسد قادرًا على فضح السلطة بدلًا من تجسيد طاعتها، لا يعود الضحك مجرد استجابة لمشهد كوميدي؛ بل يصبح سؤالًا مفتوحًا عن الحرية، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يُطلب منه أن يؤدي دورًا لا يشبهه.
★كاتب وباحث ـ مصر.




