مسرح

حسام الدين مسعد:طريقة عمل صحن التطرف، في العرض الكردي “خلف الأبواب الموصدة”.

حسام الدين مسعد

كيف يمكن للعرض أن يحوّل فرضية النص الفكرية إلى وصفة عملية أمام أعين الجمهور؟ هذه هي الإشكالية التي يطرحها العرض الذي قدّمته فرقة هوار المسرحية الكردية من إخراج المخرج الكردي العراقي نجاة نجم بعنوان “خلف الأبواب الموصدة”، مستندًا إلى نص “دائرة” لملاك أحمد،إذ يحمل عنوان النص “دائرة” دلالتين أساسيتين:الأولى فلسفية: تعكس التكرار والانغلاق، حيث تعيد المراحل الخمس للتطرف نفسها (العزلة → الأيديولوجيا → الكراهية → التجريد → العنف) بشكل متكرر، مؤكدًا على حتمية التكرار وصعوبة الخروج من هذه الحلقة.

أما الثانية تعمد إلى التحليل النفسي والاجتماعي: إذ يقدّم التطرف كمسار داخلي مغلق، يركز على تراكم الحالة النفسية والاجتماعية أكثر من طرح آلياتها العملية، فالنص الذي كتبته ملاك أحمد، ينتمي إلى الكتابة الرمزية والتجريبية ذات الطابع التعليمي، حيث الشخصيات تجريدية،فالشاب،هو:الكائن الإنساني الوحيد، أو نقطة الانطلاق والتحول أو الذات القابلة للتشكيل موضوع التجربة، فهو ليس فردًا بعينه بل :كل إنسان في لحظة هشاشة،او كل ذات تبحث عن معنى أما المُشكِّلون الخمسة ليسو أشخاصًا بل:قوى وآليات،مراحل،فهم يمثلون البنية التي تُنتج التطرّف، وهذا الاختيار يخرج النص من الواقعية إلى:المسرح الرمزي،فاللغة مختزلة، تركز على الحركة والفضاء أكثر من الحوار، مع هدف توعوي وتحذيري من مسار التطرف.

في المقابل، انطلق نجاة نجم بعنوان العرض “خلف الأبواب الموصدة” والذي يضيف بعدًا اجتماعيًا وفضائيًا،فالمكان المغلق: يرمز إلى عملية إنتاج التطرف التي تحدث بعيدًا عن أعين المجتمع، في البيوت،المدارس والمؤسسات.
أما الفضح البصري الذي يكشف ما يحدث خلف هذه الأبواب، محوّلًا العملية النظرية إلى تجربة تطبيقية ملموسة.
بهذا، ينجح المخرج في الدمج بين البعد الرمزي للنص والبُعد الواقعي للعرض، ليحوّل المشهد المسرحي إلى فضاء يربط الفرضية بالواقع الاجتماعي،فكان اختيار فضاء غير تقليدي يخلق مسافات حميمية واجتماعية بين المتلقين والمؤدين أثناء تنفيذ العرض هو الفرضية التي قدمت رؤية بصرية مغايرة لهذا العالم،فالمخرج أضاف عناصر جديدة لتحقيق هذه الرؤية:
كتحويل شخصية الشاب إلى فتاة قامت بدورها المؤدية الكردية (هاوسر إدريس)،لكن ماذا غيّر هذا التحول،وما دلالته ؟

رغم أن صناع العرض أكراد إلا أنهم اختاروا اللغة العربية أداة اتصال بينهم وبين جمهور العرض، فالفتاة في السياق العربي تحديدًا تحمل دلالات الهشاشة الاجتماعية والقابلية للوصاية والتعرض للتحكم وبالتالي لم يعد التطرف مجرد مسار فكري بل أصبح آلية للسيطرة على الجسد، لذا وفق نجاة نجم في تحويل شخصية الشاب إلى فتاة ليصير التحول من “الإنسان العام” إلى “الجسد المُستهدف” هذا فضلًا عن قلب الصورة النمطية للمتطرف الذكر؛ لتكون الضحية الأداة الهشة أنثى،وهذا يفتح سؤالًا مهمًا: هل المرأة خارج دائرة التطرف؟ أم أنها جزء من بنيته إنتاجًا أو توظيفًا؟

ولقد نجح المخرج بهذا التحول من تكثيف البعد التراجيدي،فتحول الشخصية إلى فتاة:
ضاعف الإحساس بالانتهاك،وجعل التحول أكثر قسوةخاصة في مرحلة:التجريد (نزع الهوية)
والعنف (الانفجار)، فأصبح العنف جسدي/وجودي .
كما أن إدخال شخصيتي الطهاة (دارا عزالدين – طاهي ١، وسلام زنكنة – طاهي ٢) لتمثيل “صنّاع العنف”، وجعل العملية قابلة للرصد البصري المحمل بالعلامات السيميولوجية، فاستخدام استعارات الطهي كالقفازات الحمراء، الكاتشب أو معجون البندورة (الطماطم) الذي يتحوّل إلى دم،في خطوط الدم الممتدة على الأرض،وبتشكيل جمالي للنجمة الخماسية على أرض الفضاء المنتخب للعرض وكتمثيل لمراحل التطرف الخمس يصل إلى اقدام المتلقين القابعين على مقاعد باتت على رؤس النجمة الخماسية تحدد خطوات الفتاة ومسارها الحركي المضطرب، ومحولة هذا الفضاء غير التقليدي إلى مكان متورط ومباشر، وتشاركي لتجسيد مراحل صناعة التطرف بطريقة ملموسة أمام الجمهور.
لكن هل ما صممه برهم ياسين من موتيڤة ديكورية خشبية مغطاة بالأقمشة وكأنها عربة تحمل قدر الطعام ثم تخرج منها الفتاة،وبعض شرائط القماش الأبيض وضعت أمام المتلقين الجالسين على أرضية الفضاء المنتخب للعرض،فهل يعد ديكورًا مسرحيًا؟ نعم، هذا يُصنَّف كديكورمسرحي، لكنه ديكور وظيفي وعلاماتي (Significant/FunctionalSet)

وظيفته مزدوجة: تحديد الفضاء المادي للعرض من خلال شرائط القماش الأبيض التي وضعت كمائدة طعام أمام المتلقين، ولتفعيل الدلالة الرمزية من من خلال العربة التي تحمل قدر الطعام (عملية “طهي التطرف” وانفجار العنف).

ويمكننا القول إن المخرج استثمر الديكور كمؤثر درامي مباشر، مما يعكس براعة في المزج بين الفضاء، والرمز.
الموسيقى المصاحبة لحركة الطهاة كانت أقرب إلى الموسيقى الغربية الحديثة أو الإيقاعية، تتميز بـ:
إيقاعات متكررة ومنظمة، تشبه إيقاع العمل الميكانيكي، ما يعكس الضبط والانضباط والسيطرة،مما عزز شعور الجمهور بأن العملية مدروسة ومنظمة، وأن العنف يُحضّر بطريقة منهجية.
المزج بين الإيقاع الثابت والهدوء النسبي قبل التصاعد خلق توترًا متدرجًا، يمهد للانفجار النهائي في مرحلة العنف.

أما الموسيقى الكردية الشرقية مع أداء الفتاة عندما تتحرك الفتاة (هاوسر إدريس) على المسرح، كانت الموسيقى المصاحبة مستمدة من التراث الكردي الشرقي، وتتميز بـ: نغمات حرة وميلودية متدفقة، تحاكي الجانب الإنساني والنفسي للفتاة.
إن تباين الإيقاع مع الموسيقى الغربية للطهاة، عكس التوتر بين الفطرة الإنسانية والآلة الاجتماعية.

هذه المقارنة السمعية بصوت الموسيقى جعل المتلقي يشعر بالفارق النفسي بين الضحية والمنظومة دون الحاجة إلى حوار إضافي.
الانفجار النهائي للعنف (صرخة الفتاة وهجومها على المركز) مصحوب بانهيار تدريجي للنغمات المتداخلة، ما يعكس ذوبان الحدود بين التحكم والسيطرة والانفجار العاطفي المتحرر.

لاشك أن هاوسر إدريس (الفتاة): جسدت الانتقال النفسي والجسدي من الهشاشة إلى الانفجار العاطفي،وكانت على وعى تام بإشكاليات الفضاء غير التقليدي واستثمرت طاقتها كممثلة في ضبط إيقاع العرض وسط الحميمية بينها وبين المتلقين .
دارا عزالدين (الطاهي ١) وسلام زنكنة (الطاهي ٢): جسدوا المنظومة المنظمة، متحكمين بالإيقاع والتحكم في عملية صناعة العنف، مع هدوء مخيف يبرز السلطة الرمزية،ولقد أسرتني لغة دارا عزالدين ؛ فبالرغم من أنه لم يمارس العربية كلغته اليومية ككردي، إلا أن مخارج ألفاظه، ونبرة صوته، كانت صحيحة ودقيقة، محكمة الصياغة، حاملة للمعنى بوضوح وبلاغة استثنائية.

العرض كشف أن التطرف ليس فكرة مجردة، بل عملية منظمة يمكن رؤيتها وفهمها. الأداء التمثيلي كان عنصرًا أساسيًا لنقل التجربة، حيث أصبح الجسد والهيئة والوجه أدوات دلالية. كما أن امتداد الدم إلى الجمهور يربط بين العملية والمجتمع، ويظهر كيف يمكن لأي منظومة تنظيمية أن تصنع التطرف باستخدام أدوات مألوفة.


الخاتمة
العرض تجاوز النص الرمزي وحوّله إلى وصفة صحن التطرف واضحة المعالم، تجعلك ترى عملية تصنيع التطرف خطوة بخطوة.
العرض حوّل المشاهد السلبي إلى مشارك واعٍ، مدركًا آلية إنتاج العنف في مجتمعاتنا، لتبقى الرسالة واضحة: التطرف ليس وليد اللحظة، بل طبق يُحضّر أمامنا، وإذا أردنا كشف المستور خلف الأبواب الموصدة، علينا أن نرى العملية كاملة ونواجهها.


★ناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى