شعر

هند محسن: أحمد إمام و”مرثيّةُ الطفلِ الأخير”.. مقاربة نقديّة وبلاغيّة في جماليات الفقد واغتراب الذات داخل القصيدة.


هند محسن ★

يقول الشاعر:

على ظَهرِ دَرّاجَةٍ
مثلَ طَيرٍ
فَضاءُ سَماواتِه لا يُحَدُّ
ويَبْحَثُ عَنْ مَسْلَكٍ للهروبْ

له مِنْ مَلامحِ وَجْهي القديم:
التَّفَرُّسُ في كلِّ شَيءٍ رآهْ
وزمُّ الشفاهْ
وإطراقَةُ الحُزنِ
قبلَ البُكاءِ
ويَضْحَكُ لكنّه يَستريبْ…

تَأَخَّرَ عَنْ كلِّ شَيءٍ
وغابَ
وراوغَ
حتى انسكابِ الحليبْ

وسابقَ سِربَ العصافيرِ
نحو الشموسِ التي
نَسِيَتْ أن تغيبْ

وفي اللَّيلِ
باغَتَهُ الخوفُ
راحَ يُعَمِّدُ صَلْصالَه
في المياه
لِكَيما يَدينَ له بالوَلاءِ
ويَدْخُلَ ما يَرْتَئي
مِنْ حروبْ

هو الآنَ مُسْتَسْلِمٌ أو يكاد
رَهينُ الإطارِ الزُجاجيّ
نَهْبٌ لهذا الغبارِ
الذي خَلَّفَتْهُ
على غَفْلَةٍ منه
تلكَ السنينْ

هو الآنَ مُسْتَسْلِمٌ أو يكاد..
على أنني
بينَ حينٍ وحينْ

أقاسمُهُ حصَّتي في السؤالِ:
أكانَ على الجَسَدِ المُتداعي
التَّمَزُّقُ ما بيننا هكذا؟!
ويَمْنَحُني حظَّه في الندوبْ

أُحَدِّثُهُ عَنْ زَمانٍ يَجيء
وعَنْ وَخْزَةِ الشِّعرِ بَيْنَ الضُلوعِ
وعَنْ شَمْعِ أحلامِه
أنْ يَذوبْ

وعَمّا تَقولُ الفتاةُ التي
أَخْلَفَتْني المواعيدَ

ذاتَ انتظارٍ

إذا كانَ في وِسْعِها أنْ تؤوبْ

وعَنْ لَوْعَةٍ
في عواءِ القطارِ
بَريقِ العواصمِ في أولِ الأمرِ
ليلِ الشتاء
زوايا المقاهي التي بَدَّدَتْني
حَنيني إلى بَلْدَةٍ في الشمالِ
وإنْ قيلَ :
كلُّ
الجهاتِ
الجنوبْ

وطفلينِ في موحِشِ الليلِ ناما
على جانبيَّ
هما الآنَ تَعْويذَتي للنجاةِ
وخَدْشي بوَجهِ الزمان الكذوبْ

وعَنّي..
رَكَضْتُ ثَلاثينَ عامًا
لكي ألتقيني
ولكننا فرقتنا الدروبْ

وَقَفْتُ
كَأَنْ طَلَلٌ ما أراهْ
كَأَنْ طَلَلٌ
لا أراني سواهْ
لكي يلتقي بالغريب الغريبْ

أخافُ
على صورةِ الطفل
مِنْ عقربِ الوَقْتِ
فوقَ
الجِدار

بدايةً أقول: ليست كلُّ القصائد نصوصًا تُقرأ؛ بعضُها يشبه حفرةً خفيّة في الطريق، نسقط فيها فجأة فنكتشف أنّنا كنّا نحمل داخلنا تعبًا أقدم ممّا نظن. وهذه القصيدة تحديدًا لا تستدعي الطفولة بوصفها زمنًا مضى، بل بوصفها كائنًا ما يزال حيًّا في مكانٍ معتم داخل الروح، يراقبنا بصمتٍ جارح بينما نبتعد عنه عامًا بعد آخر.
فمنذ الأسطر الأولى، يبني الشاعر أحمد إمام صورة الطفل لا باعتباره شخصيةً عابرة، بل بوصفه رمزًا للاتّساع الأول، للكائن الذي لم يكن يعرف بعدُ معنى الحدود:
“على ظهرِ درّاجةٍ
مثلَ طيرٍ
فضاءُ سماواتِه لا يُحدُّ”
فالصورة هنا تتجاوز الوصف البصري إلى بناء حالةٍ كاملة من الخفّة والانطلاق. فالطفل لا يتحرّك داخل العالم، بل يتحرّك فوقه، كما لو أنّه ينتمي إلى فضاءٍ أكثر صفاءً من هذا الواقع الثقيل. ولهذا تبدو “الدراجة” أقلّ حضورًا من فكرة الطيران ذاتها؛ إذ تتحوّل الحركة إلى استعارةٍ عن الحلم الإنساني الأول: أن نعيش بلا خوف.
ويبدو واضحًا أنّ الشاعر يكتب الطفولة من زاوية الفقد، لا من زاوية الحنين التقليدي. لذلك لا يسمح للنص أن يغرق في البراءة الكاملة، بل يزرع داخله مبكرًا بذرة القلق:
“ويضحكُ لكنّه يستريب”
هذه الجملة القصيرة تحمل توتّرًا نفسيًا هائلًا؛ إذ يتحوّل الضحك إلى قناعٍ هشّ يخفي خلفه حدسًا مبكرًا بالخطر. وكأنّ الطفل يشعر — دون أن يفهم — أنّ العالم ليس بالرحابة التي يتخيّلها. وهنا تتجلّى حساسية النص في تصوير الخوف لا كحادثة طارئة، بل كظلٍّ يرافق الإنسان منذ بداياته الأولى.
ولعلّ هذا ما يجعل القصيدة أقرب إلى التأمل الوجودي منها إلى الاستعادة العاطفية؛ فالطفولة لا تظهر بوصفها زمنًا سعيدًا فقط، بل بوصفها المرحلة التي بدأ فيها الشرخ الأول بين الإنسان والعالم.
ثم تأتي الصورة الأكثر إدهاشًا على المستوى الرمزي:
“راحَ يُعمِّدُ صلصالَهُ في المياه”
في هذا المشهد يخلط الشاعر بين أسطورة الخلق وفكرة التطهير، فيمنح الطفولة بعدًا كونيًا يتجاوز الفرديّ واليوميّ. فالصلصال ليس مجرد مادةٍ رخوة، بل تمثيلٌ للكائن البشري في هشاشته الأولى، فيما يصبح الماء رمزًا لمحاولة النجاة أو إعادة التكوين.
إنّ الطفل هنا لا يلعب، بل يمارس طقسًا غامضًا لصناعة ذاته، وكأنّه يدرك بالفطرة أنّ العالم القادم يحتاج روحًا أصلب من البراءة وحدها.
لكن اللحظة الأكثر إيلامًا تأتي عندما يتحوّل النص من مراقبة الطفل إلى مطاردة الذات:
“ركضتُ ثلاثين عامًا
لكي ألتقيني
ولكننا فرّقتنا الدروب”
لذا تكمن قسوة هذه الأسطر في أنّها تُسقط الوهم الأكبر الذي يعيشه الإنسان: وهم الوصول إلى نفسه. فالعمر كلّه يتحوّل إلى رحلة مطاردة عبثية، والنتيجة ليست اللقاء، بل مزيد من المسافة.
كما أنّ “الدروب” هنا ليست طرقًا حقيقية، بل استعارة عن التحوّلات التي تصنعها الحياة داخلنا؛ الخيبات، النضج القاسي، الخسارات الصغيرة التي تغيّر ملامح الروح ببطء حتى نصبح غرباء عن صورتنا الأولى.
وهذا ما يمنح القصيدة بعدها الفلسفي العميق؛ فهي لا تتحدّث عن الزمن بوصفه مرورًا للأيام، بل بوصفه قوّة تفكيك داخلية تعيد تشكيل الإنسان حتى يفقد علاقته بنفسه القديمة.
حتى الأمكنة التي يمرّ بها النص — القطارات، المقاهي، العواصم، ليالي الشتاء — لا تبدو أماكن حقيقية بقدر ما تبدو محطات اغتراب. فكلُّ مدينةٍ تُضاف إلى العمر، تقابلها قطعةٌ تُنتزع من الداخل، حتى يصبح الإنسان أخفّ من ماضيه، وأكثر وحدةً من ذاكرته.
وحين يصل النص إلى صورة:
“رهينُ الإطارِ الزجاجيّ”
تتحوّل الصورة الفوتوغرافية من وسيلة حفظ إلى شكلٍ من أشكال العزل. فالطفل لم يعد حيًّا داخل الذاكرة، بل صار محبوسًا داخل إطار، معزولًا عن الزمن وعن النسخة الحالية من صاحبه.
وهنا تتجلّى براعة القصيدة في تحويل التفاصيل البسيطة إلى رموز وجودية كبرى؛ فالإطار ليس إطار صورة فقط، بل حدودًا فاصلة بين ما كنّاه وما أصبحنا عليه.
أما النهاية، فتأتي بهدوءٍ أكثر فتكًا من الصراخ:
“أخافُ
على صورةِ الطفل
من عقربِ الوقتِ فوقَ الجدار”
إنّها خاتمة تُشبه ارتعاشةً داخلية طويلة؛ فالرعب الحقيقي ليس في الشيخوخة، بل في احتمال اختفاء آخر أثرٍ يدلّ على أنّ هذا القلب كان يومًا نقيًّا وخفيفًا ومندهشًا بالعالم.
يتحوّل “عقرب الوقت” هنا إلى صورة مكثّفة للزمن بوصفه كائنًا مفترسًا، يلتهم الملامح والدهشة والبراءة ببطءٍ لا يُرى، حتى يترك الإنسان واقفًا أمام نفسه كما يقف غريبٌ أمام بيتٍ قديم لم يعد يعرفه.
في جوهرها، تبدو هذه القصيدة كتابةً عن الاستحالة الكبرى: استحالة العودة إلى الذات الأولى. فالإنسان قد يعود إلى المدن، وإلى الذكريات، وحتى إلى الوجوه القديمة… لكنه لا يعود أبدًا إلى ذلك الطفل الذي كان يظنّ أنّ العالم يتّسع لحلمه بالكامل.


★ناقدة وباحثة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى