مسرح

نواف الربيع:مسرح طفل أم متحف لذكريات الكبار؟

نواف جمال الربيع

خلال السنوات التسع الماضية، شهد المسرح في الكويت ظهور نمط مسرحي غريب، نمط يحتفي بأمكنة شكّلت الوجدان والذاكرة الجمعية، محاولاً عبر هذه العروض “استعادة زمن مضى” وإحياء فضاءات ترفيهية تلاشت من أرض الواقع. والمفارقة هنا، أن هذه الأعمال تُقدّم بلا تصنيف عمري محدد، لنجد عرضًا يخاطب الجميع بلا استثناء، رسالته لا أصالة فيها ولا خصوصية. 

ولعل في ذلك تحولاً لافتاً يطال “مسرح الطفل” الذي طالما تمسك بسماته الفنية الصارمة: أبرزها استهداف فئة عمرية بعينها، وصناعة عوالم متخيلة أو واقعية يشتبك معها الطفل ويعيشها. غير أن ما نشهده اليوم يكسر هذه المعادلة؛ إذ يستعير بعض صناع المسرح الراهن ذاكرة الكبار ليحقنوها في وعي الصغار، أو بعبارة أكثر دقة: يعيدون تدوير الماضي والمسرح معاً ليصبحا متحفاً وجودياً للكبار، لا تنتج معنىً.. حتى وأن حاولت. 

من منظور إنتاجي رأسمالي خالص، يُعدّ هذا النمط المسرحي النوستالجي ناجحاً بامتياز؛ إذ يستهدف البالغين بوصفهم الجمهور الأساسي للعرض، في حين يتحول الطفل إلى “مرافق ثانوي” تقدم له متعة بصرية عابرة ومركزة، يتعرف خلالها على ذاكرة لا تشبه وعيه ولا تنتمي إلى عصره في شيء، لكن هذا الاغتراب يتم تسويقه بعناية فائقة.. لأن هذا المنتج الجديد – والذي يستهدف الكل- عليه مقاومة الفشل. 

إلا أننا -من داخل صالات العرض المكتظة بالجمهور – نغفل عن إثارة أسئلة وجودية وثقافية حتمية حول هذه العملية؛ أسئلة جوهرية كفيلة وحدها بتفكيك هذه الحالة الفنية الجديدة وتفسيرها، فلا ندري إذا كنا  أمام مسرح يقدم رسالته أم مسرح يُخدّر؟ ولا ندري إذا كنا نُقدّم للطفل عالماً يكتشفه، أم نقدم له حنينًا لا يعنيه ؟

تكمن أولى إشكاليات هذا النمط المسرحي في تغييب الواقع وبتر الصلة المشتركة بين خشبة المسرح والجمهور – سواء كان من الأطفال أو البالغين – وبالتالي يتحول ذاك الأمس “المثقل بالحنين” إلى مجموعة من القطع المسرحية التي تحاول استحضار الماضي لتصنع صورة مزيفة عنه. ولا يؤكد ذلك إلا ما كتبه جان بودريار في سياقه عن النوستالجيا ولعبة الحنين: حين تنهار العلاقة بين الصورة والواقع الذي ينغي تمثيله، لا يبقى سوى الوهم الذي يأتي كحقيقة مطلقة.. عندها لا يعود الواقع هو ما كان عليه، وتصبح النوستالجيا هي القيمة الأسمى.. نوستالجيا تُعرض مزيفة على خشبة المسرح، كبضاعة قابلة للبيع.

ومن بين هؤلاء الأطفال المتورطين في مشاهدة العرض أمامهم، لا يكترث طفل لمكان لم يحضره ومشاعر احتفائية لم يعايشها ولم يجربها قط، فينتقل إلى حالة أشبه بالاغتراب الطفولي الناجم عن متابعة فضاء مكاني لحكاية لا يفهمها كل الفهم؛ إذ يتقيد بذاكرة وبهجة من حوله من البالغين، يحضر جسدًا، لكن عقله لا ينتمي لتلك الحالة البائسة من حنين بكائي يرغب في استعادة فردوسه المفقود. 

تُكتب الحكايات المسرحية قاصدة الأطفال الجماهير، فتنزلق – بقصد، ومن دون قصد- إلى ذاكرة أجيال فقدت ثقتها بالواقع، وما عادت تملك سوى صور بالية من أمس مفقود.. ومن هذا الأمس، صارت هناك حالة مسرحية بالغت في وجودها، بالغت في تكرار ثيمتها… وأعرف حب العربي الفطري للأطلال والبكاء عليها، لكني لا أعرف كيف صارت أطلالنا وحشًا يبتلع الواقع ويلغي وجوده؟ وكيف وصل ذلك إلى مسرح يصنف “للطفل”؟


★ناقد ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى