مسرح

سارة وليد : “كارمن” .. الحرية في مقابل القمع!

سارة وليد


“جميلة جداً لتموت…قاسية جداً لتعيش”
تلك هي كارمن كما وصفها عشيقها الضابط خوسيه، وقد بدأت المسرحية بهذه الجملة مسرحية “كارمن” المأخوذة عن الرواية العالمية كارمن للكاتب العالمي “بروسبير مرميه ” ،وقام بإخراجها المخرج ناصر عبد المنعم علي مسرح الطليعة بالعتبة ،لا يمكن وصفها بعملية إخراجية بل هي إعادة وصف جديدة لقصة عالمية تم عرضها بأكثر من طريقة على مستوى العالم و قد أعاد ناصر عبد المنعم صياغتها بأسلوب جديد ومختلف؛ ليبرز جوانب القصة برؤية جديدة ومعاصرة ، ولطرح أسئلة مختلفة تثير فكر الجمهور ،ويوضح من خلال العرض الصراع بين الحرية المطلقة والنظام ، وأنه لا توجد حرية بلا ثمن.

يوضح العرض قصة كارمن الغجرية التي تحب الحرية وتسعى  إليها ولا تقبل بالسلب وتصفها العرافة بـ “روح شريفة بجسد عاهر ” ، وخوسيه الضابط الذي يقع في حبها دون وعي أو شعور ويبدأ في ارتكاب جريمة تلو الأخرى حتى يرضيها ويفوز بقلبها بدءًا من تهريبها وحتى قتلها .
إن كارمن رمز للحرية المطلقة التي لا يستطيع أحد أن يجمحها ،يبدأ العرض بفلاش باك بمشهد النبوءة الخاص بموت كارمن ثم المشدة التي تتحول لاستعراض بين كارمن وخوسيه ولذي ينتهي بقتلها ثم نذهب بالمشهد مع خوسيه الجالس في السجن ويدخل عليه مصارع الثيران(أحد عشاق كارمن)، فيبدأ في سؤاله لماذا قتلها؟وأين دفنها؟ ومن هنا يبدأ خوسيه في سرد القصة من البداية .

التمثيل في العرض عبارة عن لوحة فنية تعتمد على الحركة والرقص فقد امتلأ العرض بالرقصات الإسبانية و كان التنقل بين المشاهد أيضاً بفواصل موسيقية وراقصة ،وقد تم تدريب الممثلين بشكل ممتاز على القيام بتلك الرقصات، وعلى أدائهم التمثيلي ، وهنا نشيد بأداء الفنانة ريم أحمد التي قامت بدور كارمن  ومهارتها  ، وقدرتها على إبراز حالة الشخصية ، وحتى على مستوى الرقص والتدرج الصوتي .ولا يمكن أيضاً تجاهل الفنان ميدو عبد القادر الذي قام بدور خوسيه حيث أنه نجح في تقديم دوره، حين قدم الشخصية بكل ما تحتويه من صراعات و تطورات على مدار العرض المسرحي ؛ وقد كان الممثلين جميعا عبارة عن تركيبة فنية متكاملة .
العناصر المرئية في العرض متنوعة وملائمة للحدث فالديكور كان عبارة عن خلفية ثابتة للحانة، ومثبت بها جزء شفاف عند تسليط الضوء عليه تظهر مشاهد خلفه ،ويوجد بعض الكراسي والطاولات التي توضع في مشاهد الحانة ،في مشاهد السجن يصبح المسرح مظلم و في يسار المسرح قضبان لممثل السجن ، وقاموا باستخدام الإسقاط الضوئي أو البروجيكشن مابينج لتغير الديكور فمثلاً المشهد الذي في الصحراء بين كارمن وزوجها كان المسرح فارغاً من الديكورات وكانت الخلفية ترمز للصحراء من رمال وتلال عن طريق الإسقاط الضوئي .
أكملت الإضاءة حالة العرض فالحانة كانت ألوانها بين البرتقالي والأحمر وبعض الإضاءات الصفراء لترمز لحالة الفرح والنشوة و دالحب ، الإضاءة في أغلب مشاهد خوسيه زرقاء حيث تجعل المشاهد يشعر بوحدته وأزمته النفسية مثل مشاهده في السجن ،الإضاءة بشكل عام تكمل الجو النفسي والحالة العتمة للعرض .
أما بالنسبة للملابس فكانت ملائمة للعرض فهي  مصنوعة بشكل متقن حيث ارتدى العساكر والضباط  ملابس العساكر والضباط الأسبان في تلك الفترة ،وقد تميزت ملابس كارمن في الألوان بين الأحمر ودرجاته والأسود مما يرمز للإثارة والشهوة والجنس والشر حيث قالت لخوسيه “أنا الشيطان..لكن سأحاول أن أكون طيبة معك الليلة “.

الموسيقى في العرض مقسومة بين الموسيقى الإسبانية الخاصة بالرقصات والاستعراضات و مقاطع موسيقية أخرى لتبرز الحالة الشعورية من توتر وقلق وخوف وهروب و قتل ،  كما استعملت أيضاً في الفواصل الانتقالية بين المشاهد وبعضها وهي طريقة ذكية للتنقل بين المشاهد ،كما تم أستخدام خاصية الفويس أوفر في أكثر من مكان في العرض فأغلب المشاهد التي تكون في السجن بين خوسيه ومصارع الثيران ننتقل بينها وبين المشاهد الأخرى بالفويس أوفر وهو يروي القصة ، وعندما أخبروه عن زوج كارمن كانت الحكاية بفويس أوفر لشخصة باستيا، والاستعراض الأخير الخاص بالقتل كان هو أيضاً بفويس أوفر لكل من كارمن و خوسيه .
عندما نقارن هذه المسرحية بالأخرى الخاصة بالفنان محمد صبحي نجد أنهم بعاد كل البعد حيث بدأ الفنان والمخرج محمد صبحي العرض بأنه يبحث عن قناة لتقوم بدور كارمن في المسرحية و قام بكسر الإيهام وهو مايعرف بالتقريب البريختي لأنه كان يريد الإشارة لبعض القضايا السياسية ،في مقابل عرض كارمن للمخرج ناصر عبد المنعم فكانت التيمة الرئيسية في العرض هي الحرية المطلقة .

يشير العرض للحرية المطلقة المتمثلة في كارمن التي لا يستطيع أحد أن يكبح حريتها إذ يجعلها تتنازل عن أهوائها في مقابل القوانين والسلطة ، وكيف كانت التضحية الخاصة بخوسيه ثمينة ،ولكن السؤال هنا هل الحرية فعلاً لها ثمن أم لا؟ومن يكسر القواعد هل هو من يحصل على الحرية أم هو الذي يعاقب علي تلك الحرية؟يقال على لسان ماريا زوج كارمن “لكل حرية ثمن” وتعاد مرة أخرى على لسان خوسيه في السجن بعد إدراكه لخداع كارمن له ، فهل دفعت كارمن ثمن حريتها حقاً ؟وهل الحرية لها ثمن في منظورها؟أم أنه من دفع الثمن هو خوسيه الذي كان مجرد لعبة في يديها لتنال هي الحرية ويراقب هو .
ينتهي العرض بقتل كارمن على يد الضابط خوسيه و هو يلقي كلماته الأخيرة “جميلة جداً لتموت.. قاسية جداً لتعيش” ليكون قد لخص لنا شخصية كارمن في هذه الجملة البسيطة في نهاية العرض .
تعتبر مسرحية كارمن رؤية جديدة ومعاصرة لقضايا مثل الحرية في مقابل القمع والتضحية كما قدمت بطريقة جريئة ومبتكرة ، كما أنها تعتبر عمل فني متميز .


★طالبة بقسم الدراما والنقد المسرحي ـ جامعة عين شمس ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى