مسرح

مريم الخشتي :”هاملت أو مأساة الإنسان خارج الزمن قراءة ظاهراتية في الوعي الزمني، والأزمة الأخلاقية للفعل .

مريم الخشتي

مقدمة
اِعتاد النقد الأدبي، على اختلاف مدارسه، أن يُقدّم (هاملت) بوصفها مأساة التردّد، أو صراعاً نفسياً بين الإرادة والواجب، حتى بات التردّد السمة الأكثر التصاقاً بالأمير، غير أنّ هذه القراءات، على أهميتها، تظلّ قاصرة عن تفسير الاِنهيار الشامل الذي يُصيب عالم المسرحية بأسره؛ حيث لا يقتصر العطب على الشخصية المركزية، بل يمتدّ ليطال العلاقات الإنسانية، ومعنى الفعل، وإمكان العدالة ذاتها.
تنطلق هذه المقالة من فرضية مغايرة، ترى أن مأساة (هاملت) لا تنبع من ضعف الإرادة ولا من الشكّ النفسي، بل من تصدّع إدراكه للزمن؛ ذلك التصدّع الذي يحول دون توحيد الماضي والحاضر والمستقبل في وعي متماسك، ويُعطّل القدرة على الفعل الأخلاقي.
وبهذا المعنى، لا تُقرأ (هاملت) بوصفها مأساة نفسية فحسب، بل بوصفها مأساة وجودية ناتجة عن انهيار الزمن الذاتي.
ولا تسعى هذه القراءة إلى نفي القراءات النفسية أو الأخلاقية السابقة، بل تقترح إطاراً تفسيرياً أعمق، يرى في التردّد والشكّ أعراضًا لأزمة زمنية وجودية أشمل.

أولاً: الزمن بوصفه أزمة وجودية
لا يتحرّك الزمن في هاملت بوصفه تعاقباً طبيعياً للأحداث، بل يظهر منذ المشهد الأول كقوة مختلّة، فالشبح القادم من الماضي، لا يحمل ذكرى مكتملة، بل يحمل جريمة لم تُحسم، وطلباً لم يتحوّل إلى عدالة، إنّه ماضٍ يرفض أن يُدفن، ويُصِرّ على اقتحام الحاضر.
أما الحاضر، فيبدو زمنًا فاسداً أخلاقياً، غير صالح للفعل؛ إذ تقوم السلطة على جريمة غير مُكفَّرة، ويغدو النظام السياسي قائماً على إنكار الزمن لا تصحيحه، وحين يقول (هاملت): «شيءٌ فاسد في دولة الدنمارك»، فهو لا يصف خللاً سياسياً فحسب، بل يعلن عن فساد الزمن نفسه؛ زمن لا يتقدّم، بل يتعفّن.
وفي المقابل، لا يظهر المستقبل بوصفه أفقاً مفتوحاً، بل وعداً مُؤجَّلاً، لا يتحقّق إلا بالموت.
وبين ماضٍ يرفض الانغلاق، وحاضر غير صالح، ومستقبل معطّل، يقف (هاملت) كائناً خارج الزمن، عاجزاً عن الانتماء إلى لحظة مكتملة.
ثانياً: المناجاة ولغة التعليق الزمني
تُقرأ مناجاة «أكون أو لا أكون» غالباً كسؤال عن الانتحار أو معنى الوجود، غير أنّها – في ضوء القراءة الزمنية – تُمثِّل لحظة تعليق زمني خالصة، فهاملت لا يختار الحياة ولا الموت، بل يقف عند الحدّ الفاصل بينهما؛ حيث يتوقّف الزمن عن المضي.
اللغة في هذه المناجاة لا تقود إلى الفعل، بل تؤجّله، إنها لغة تدور حول ذاتها، وتُنتج وعياً ممتداً بلا قرار، ويتجلّى هذا الانفصال بين اللغة والفعل بوضوح في عبارته الشهيرة حين يُسأل عمّا يقرأ، فيُجيب: «كلمات، كلمات، كلمات» لا تُحيل العبارة إلى فراغ دلالي فحسب، بل إلى فراغ زمني؛ إذ تتحوّل اللغة إلى تراكم عقيم، يُستهلك في القول دون أن يُترجم إلى فعل.
والمفارقة أن المناجاة، وهي تفكير في الفعل، تتحوّل بذاتها إلى فعل تأجيل، وكأن التفكير يحُلّ محلّ القرار، ويستنزف الزمن بدل أن يفتحه على الإمكان.
ثالثاً: الأخلاق في زمن مكسور
يُفترض النقد الأخلاقي أن الفعل الأخلاقي يتطلّب وعياً زمنياً متماسكاً: ماضياً مفهوماً، وحاضراً صالحاً للفعل، ومستقبلاً يمنح الفعل معناه، غير أنّ هاملت محروم من هذا التماسك؛ فالماضي يُطارده، والحاضر يُفسده، والمستقبل لا يُقدّم له أفقاً واضحاً.
من هنا، لا يعود الانتقام فعلاً أخلاقياً ممكناً، بل يتحوّل إلى عبء وجودي، فهاملت لا يعجز عن القتل، بل يعجز عن تحمّل مسؤولية القتل داخل زمن لا يمنح الفعل شرعيته، وهكذا يصبح التردّد نتيجة لانهيار الزمن الذاتي، لا سبباً مباشراً للمأساة.

رابعاً: الآخر بوصفه ضحية للأزمة الزمنية
لا يدفع هاملت وحده ثمن هذا التصدّع الزمني، بل تمتدّ آثاره إلى الشخصيات المحيطة به، (فأوفيليا)، التي تنتمي إلى زمن البراءة والآن، تُسحق لأنها لا تستطيع العيش في عالم معلّق بين ماضٍ ملوّث ومستقبل غامض، إنّ جنونها ليس مرآة لجنون (هاملت)، بل نتيجة اصطدام زمنها البسيط بزمنه المتشظي.
كما تمتدّ الأزمة إلى (جيرترود)، التي تعيش في حاضر بلا مساءلة، وإلى (كلوديوس)، الذي يحاول تثبيت سلطته عبر تسريع النسيان وطمس الماضي كليهما، وإن اختلف موقعه الأخلاقي، يتحرّك داخل زمن مختلّ يُنتج أفعالًا فاقدة للرسوخ.
خامساً: المأساة بوصفها فشلاً سردياً
ووفقاً لما يذهب إليه (بول ريكور) في كتابه «الزمن والسرد»، فإن الفعل الإنساني لا يكتسب معناه إلا حين يُدمَج داخل سردية قادرة على تنظيم الزمن ومنح التجربة تماسكها، غير أن هاملت يفشل في صياغة سردية متماسكة لانتقامه؛ فالمسرحية داخل المسرحية لا تُمثِّل حسماً، بل محاولة لتمثيل الجريمة بدل تجاوزها، وكأن السرد يحُلّ محلّ الفعل.
وهنا تتجلّى المأساة في أعمق صورها: فشل الإنسان في أن يروي حياته بوصفها قصة قابلة للفهم، وبالتالي قابلة للفعل.
خاتمة
لا تُقدِّم (هاملت) مأساة أمير متردّد، بل مأساة إنسان فقد زمنه، إنها مسرحية عن وعيٍ مكسور، وعن أخلاق تنهار حين ينفصل الإنسان عن تدفّق الزمن الطبيعي.
وبهذا المعنى، لا تبدو (هاملت) نصاً تاريخياً فحسب، بل مرآة معاصرة لإنسان اليوم، الذي يعيش في زمن مُتشظٍّ، مُثقل بذاكرة لا تُهضم، ومشدود إلى حاضر مُتسارع يُفتّت الانتباه ويؤجّل الفعل؛ إنسان يعرف الكثير، ويفعل القليل، ويقف – مثل هاملت – عالقاً بين وعي متخم وزمن لا ينتظر.


★خريجة كلية الآداب ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى