رأيفنون وآداب اخرى

شيماء مصطفى:”لغز السيد/ س ..فن اقتناص الخيال في الكتابة” ترويض أم ترويج؟

شيماء مصطفى

“ياللا بينا تعالوا نسيب اليوم فى حاله..
وكل واحد مننا يركب حصان خياله

لطالما رددنا كلمات سيد حجاب التي تغنى بها الشيخ حسني / محمود عبد العزيز بطل فيلم الكيت كات والفاقد بصره، ليؤكد لنا على أن الخيال محلق جامح، وليدعونا إلى التحرر من قيود الواقع التي تحصرنا في زوايا ضيقة لا تتسع لبراح الكون ومعجزاته.
وعلى خطى الشيخ حسني صاغ السيد /س لغزه فيما عرف بـ ” فن اقتناص الخيال في الكتابة” للكاتب والروائي وليد علاء الدين والصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع بغلاف طريف لوليد طاهر لرجل  جالس على كرسي يقرأ لا يكتب وبقدمين إحداهما بها حذاء والأخرى تشابهت وقدم خيل، ليعود ويذكرنا بحصان الشيخ حسني الذي دعانا أن نمتطيه.

اختيار عنوان جذاب لعمل غير روائي ليس بالهين، إذ يلجأ الأغلبية إلى تصدر أداة استفهام إلى العنوان، كأن يقول لماذا…..؟ كيف …..؟ ولكن وليد علاء الدين لم يفعل ذلك ، ولم يجر إلى هذه البؤرة الضيقة التي لا تدل إلى على الاستسهال، إذ لجأ إلى البدء بـ (لغز) السيد/ س ليهيئ القارىء فكريًا ونفسيًّا أن الطرح رغم وضوح عبارته التي صيغت بها يتجاوز المباشرة، وليؤكد على أن الحقائق تتسع للعديد من التأويلات.

وعلى ما يبدو أنه يؤمن بعبارة الشيف جوستو في فيلم “Ratatouille” حين قال : الطبخ للجميع ” مع استبدال الخيال بالطبخ، ولهذا جاءت عبارة عميد الأدب العربي طه حسين متصدرة للمحتوى “من الذي يملك أن يُكره إنسانًا على الصمت أو يحجر عليه في الكتابة؟”

تعامل وليد علاء الدين مع الكتابة باعتبارها مشاركة للخيال وقد عبر عن ذلك من خلال روايته لنص أقرب للميثولوجي منه للواقع عبر سرده لحكاية” الأسعد بن المحظوظ” ليمرر من خلالها معتقده عن الكتابة والخيال.
” يصعب عليّ أن أتخيل نفسي صامتًا”
واستكمالًا للدعابة ولدفع الملل عن القارىء استهل الفصل الثاني بالسؤال الفلسفي الأشهر” الدجاجة أم البيضة” وبالقياس في الفصل نفسه بدأ يتساءل وكأنه مثله مثل قارئه سيكتشف فيما بعد :الخيال أم الكتابة..من منهما يسبق الآخر؟
ثم يعود ليؤكد على أن الخيال الداخلي الذي لا يعرفه سوى صاحبه يمكن أن يتحول إلى إبداع.
وما يميز الطرح في هذه الجزئية هو انتقال الكاتب من الاستنباط إلى الاستقراء والعكس بسلاسة ولتنظيم التفكير وإثراء مهارات التفكير إلى القارىء ليخرج بخياله من غرفته الذهنية لواقعه المجسد.

وقد انتبه السيد /س في تجميعه إلى المصادر التي استند عليها لخطورة الاعتماد الزائد على النقل وفخ الوقوع فى التجميع، ولم يقتصر على ذكر آرائه الشخصية التي تشكلت عبر خبرات وتجارب في ورش الكتابة وغيرها
إذ انتقل بسلاسة بين آرائه هذه وبين آراء الآخرين من أدباء ومفكرين فيما يخص الكتابة بين المشروع والإلهام، وسطوة النموذج وخطورته ، والخلط بين المفاهيم دون الوقوف على ماهيتها.
لم يقتصر استخدام السيد س لتقنية طرح التساؤلات كوسيلة فنية لإضفاء عمقًا على نصه، ولا لإبراز وعيه وقدرته على التواصل مع القارئ بحيلة متعارف عليها من خلال مشاركته في العملية الفكرية، ولكن تعامل معها كأداة نقدية فاضحة لخلل بعض المفاهيم والمسلمات، ولتكون بمثابة دعوة مباشرة لإعمال العقل وللتحرر بقدر ما يملك المرء من خيال.

وقد تمكن من بناء علاقة وطيدة بينه وبين قارئه من خلال الوضوح والمباشرة في فصل ( الكتابة القهرية) حين افتتح الفصل بالتأكيد على أن الرغبة الملحة لا تعني غياب العوائق، ولهذا قدم نصيحتين للقارىء المشحون بالرغبة في فصل (لا تنشغل باللغة ولكن انتبه لها) وفي الفصل الأخير (دع القلق وابدأ الكتابة).

وبخصوص فصل (لا تنشغل باللغة ولكن انتبه لها ) قد يعتقد القارىء أن ثمة تناقض بين ذلك وبين عودة الكاتب بين الحين والآخر لأصل المفاهيم وجذورها اللغوية، ولهذا..ذيل عنوان فصله بـ ( ولكن انتبه لها)
صحيح أن الاعتماد على الأصل اللغوي يمنح الفكرة مشروعية لغوية ويرسخ دلالتها الفكرية، باعتبار اللغة وسيلة يستخدمها الكاتب لاقتناص الخيال.

الكتاب خلاصة تجارب وخبرات في ورش الكتابة التي قدمها وليد علاء الدين فيما يخص الخيال ، باعتباره البذرة الأولى في حقول الإبداع، فضلًا عن الموازنات المباشرة والضمنية فيما يخص الكتابة  كصناعة باتت بين الترويض والترويج.


★سكـرتيرة التحـريـر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى