بدر الأستاد:”أنا والمهرج” ..ماذا يمكن أن تفعل الألعاب الإلكترونية بأطفالنا !؟


بدر الأستاد★
وسط بريق عيون الأطفال الأبرياء، وطاقة المسرح التي ترسل موجات مكونة من مشاعر الاطفال، عُرضت مسرحية “أنا والمهرج” للكاتبة والمخرجة د. زينب عبد الأمير، لمؤسسة أرض بابل الثقافية، بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح في جمهورية العراق ، ضمن مهرجان الطفل العربي في دورته الثامنة 2025.
قام بالتمثيل في العرض : “أحمد إبراهيم، إسراء رفعت ، داليا طلال هادي ، سجاد الأوسي ، كاترين تبارك”.

دقة البروشور:
لا أحد يختلف على مدى جمالية وإبداع ما يقدمه الشعب العراقي، منذ بداية الحضارات المتمثلة في حضارة بابل، وأول ما لفت انتباهي في هذا العرض، البروشور، الذي يعبر عن مدى دقة ومسؤولية طاقم العمل ، خاصة في تحديد الفئة العمرية؛ حيث أشار البروشور إلى أن العمل مُقدَّم للفئة العمرية (٦ سنوات إلى ١٢سنة)، وقد تعتبر هذه الإشارة المهمة سلاحاً ذا حدين، لأن الفكرة المُقدَّمة يجب ان تكون موجهة فعلاً إلى الفئة العمرية المذكورة، وليس العكس.
في عرض (أنا والمهرج) اِستطاع العمل أن يبين مدى استيعاب طاقم العمل للفئة المستهدفة؛ حيث ناقش واحدة من أهم القضايا التي تعرض الصراع ما بين رغبات الطفولة البريئة، والسلوك البشري المدمر عبر الألعاب القتالية، التي تعمل على صناعة إنسان عنيف في المستقبل.

نص العرض:
اِبتدأ العرض بأغنية استعراضية عن شخصيتين متناقضتين، وهما (فدعوس) و(مدعوس) فهما مُهرجان، أحدهما شخصية طيبة ومسالمة، تساعد الطفل في تطويرأفكاره، أما الآخر فهو شخصية شريرة مدمرة ، كلاهما كانا يقدمان المشاهد وسط استعراضيين مرتدين ملابس مهرجين، ومن ثَمَّ تفتح الستارة الخلفية، وكأنها عبارة عن لوحة لنرى غرفة آدم وهو يلعب (بلاي ستيشن)، لعبة قتالية تمنعه من التواصل مع العالم الخارجي، ومن ثَمَّ تدخل والدته، لنتعرف على مدى خطورة اللعبة، التي قد منعت التواصل بينهما ، ومن ثَمَّ محاولة والدته إنقاذ فلذة كبدها من الألعاب القتالية.
هنا تظهر لنا شخصية الجنية، التي كانت تعتبر محركاً للأحداث بمشاركة الأطفال، وهي حركة ذكية من المؤلفة المخرجة، بأن تجعل الطفل مساهماً في تحريك الأحداث، ليكون عاملاً مشتركاً داخل العرض، لمساعدة آدم.

السينوغرافيا ورمزية العرض:
تختلف السينوغرافيا لمسرح الطفل، عن مسرح الكبار فالسينوغرافيا تعتبر مهمة للطفل أكثر من الكبار، لأنها تساهم في لفت انتباه الطفل، فيجب أن تكون ألوانها مبهجة وغير ثابتة، حتى لا تسبب الملل للطفل ، وهنا نشيد بالاختيار الموفق في استخدام المهرج لسببين أولهما يتعلق بأزياء المهرج ذات الألوان الجميلة المتعددة، وأيضاً كونها شخصية حركية غير ثابتة كما أنها ترمز للتناقض الإنساني، فهو كما هو معروف شخصية مرحة، ولكن بداخله العكس، وهذا يعكس تناقض السلوك الإنساني الداخلي مابين الخير والشر، كمثال شخصية الجوكر، الذي يراه البعض شخصيه خيرة، والبعض الآخر يراها العكس.
اِستخدام الشاشة مكان الشباك في العرض، كان ذكياً كونه يرسل للمتلقي انطباعاً بأن الألعاب قد حجبت آدم عن التواصل مع العالم الخارجي، ويعطي أيضاً بُعداً آخر، وهو نظرة الطفل العنيفة تجاه العالم الخارجي بأن العالم الخارجي عالم يسوده العنف والقتل بمساعدة (مدعوس) وهو الجانب الشرير لشخصية الطفل.

الإضاءة:
كانت عاملاً مهماً، فهي متحركة لا تعتمد فقط على الفرش أو الإنارة للعرض بالكامل، فكانت ألوانها عبارة عن الزهري، أو البنفسجي، مما يدخلها في عالم الأحلام، أو العالم غير الواقعي مع دخول شخصية الجنية، و تارة أخرى نجدها باللون الأخضر والأحمر والأبيض، التي تعطي دلالة على الحياة والحب، أو العنف، والخير لون السلام وهي ما تشكل صراع الطفل العادي.

لافت للانتباه!
أكثر الأشياء التي تشد المتفرج في هذا العمل، أن العرض ليس مسجلاً (بلاي باك) فهذا يعتبر من أهم العوامل في مسرح الطفل، ليصنع تواصلاً حيأً مع الطفل، كما أنه أنقذ العرض حينما كانت الجنية تحرك الأحداث مع الطفل، فحينما سألت الطفل أحد الأسئلة، أجاب الأطفال بنعم، فمن ذكاء الممثلة، اِستطاعت أن تخاطب الجمهور من أجل أخذ الأحداث بالشكل السليم.
ومن حسنات العرض أيضاً أنه يعتمد على الفعل أكثر من الحوار، ففي الفصل الثاني كان يعتمد على الفعل بنسبة ٧٠٪ عن طريق الصندوق السحري، وفعلاً كانت اللوحة عبارة عن سحر وعالم غير واقعي عن طريق (البلاك لايت) فنجد أشكالاً هندسية وكأننا داخل اللعبة، والأشكال الهندسية هي بالواقع موجودة عن طريق مضرب اللعبة المربع والمثلث والدائرة والإكس وما لفت انتباهنا أن الممثل كان يرسم الشخصيات، ويحولها إلى الواقع، فنجد المكان المظلم مع حركة الممثل، ثم تحويل الصورة إلى شيء متحرك واقعي، ومن ثَمَّ انتقلنا إلى لوحة أخرى في المنطاد مما أعطى الفصل الثاني طابعاً جمالياً، ولفت انتباه الكبار أيضاً بجانب الصغار.

طغيان اللهجة:
رغم أن العرض كان باللغة العربية، لكنه كان بحاجة إلى تدريب الممثلين بشكل أكبر على اللغة العربية؛ حيث كانت اللهجة العراقية طاغية على اللغة العربية أكثر.
أما أداء الممثلين، فشخصية “آدم” كانت حركاتها مستفزة نوعاً ما، وهذا يعطي للطفل أن يشاهد نفسه، إذا اتبع سلوك “آدم” فمن الوارد أن يكون يتبع نفس السلوك.
أما شخصية “الأم” فكانت واقعية، ولكنها كانت بحاجة إلى تطوير الشخصية بشكل أكبر، فنجدها تريد مساعدة الابن، لكنها لم تتخذ القرار الحاسم، فرغم أنها كانت تريد أن تساعده، ولكن دون أي جدية، إلا في نهاية العرض، حينما أزالت اللعبة من يد ابنها.

عرض ممتع:
العرض أمتع الكبار قبل الصغار، وناقش قضية من أهم القضايا التي يعاني منها الطفل والمنزل، فكأن القضية تُطرح للوصول إلى حل يناسب الطرفين، عن طريق الطفل المتمسك بهذه الألعاب، مما يؤثر عليه بشكل سلبي، ولا يستطيع أن يطور مهاراته، وهنا يتبين أن الكاتبة حينما كتبت النص، اِستطاعت أن تصل إلى رغبات الطفل بكيفية منعه، وأيضاً استطاعت أن توصل فكرة دور الأسرة بمساعدة طفلها بعدم التأثر بمثل تلك الألعاب وإدمانها.

لو تم الاختصار!
كنا نتمنى أن يتم تقليص بعض المشاهد الطويلة، التي كانت سبباً في هبوط الإيقاع في بعض المناطق، ليستطيع الطفل استيعاب العرض بالكامل.
بادرة “ميس گمر”، وغياب المكرمين!
بادرة جميلة من الفنانة “ميس گمر” تُشكَرُ عليها، وتتمثل في حضورها هذا العرض لدعم صُنّاعِهِ، وللممثلين، فأعطى حضورها دعماً كبيراً لأبناء بلدها “العراق” فجميل جدًا هذا الموقف، وأتمنى حقيقة بعض الفنانين أن يقوموا بهذا الفعل، فللأسف رغم أن هذا المهرجان كرَّم بعض الفنانين وشخصيات المهرجان، ومع ذلك لم نشاهدهم بالعروض ، أو قد نجدهم فقط بالختام كما كانوا بالافتتاح .
★ناقد ـ الكويت.




