منة الله حازم : “حب من طرف حامد”…لعبة الحب والإهمال.


منة الله حازم★
عند سماعي للمرة الأولى عن عنوان العرض، توقعت تيمة بسيطة تدور حول قصة حب من طرف واحد، مُطعّمة ببعض الأحداث والقضايا الجانبية، لكن ما شاهدته كان أعمق بكثير؛ مع أن الحب من طرف واحد يكون مؤلماً، إلا أن هناك ألماً آخر يكون أشد، وهو ألم الفقد والإهمال الأسري، ما الذي يحدث إن كان الحب من طرف واحد بين الأب وأحد أبنائه؟ أو كما يتخيل أحد الأطراف، بينما تكون الحقيقة على غير ما يظنه أحد الأطراف.
عُرض (حب من طرف حامد) على مسرح السامر، وهو عرض كوميدي اجتماعي استعراضي، مأخوذ عن مسرحية لعبة الحب والمصادفة للكاتب الفرنسي “بيير دي ماريفو”، ومن إخراج “سهى العزبي” وتأليف “محمد جمال”.
تدور الأحداث حول “حامد” ابن رجل الأعمال المتصابي “بسيوني الشواكيشي”، الذي يعاني من عقد نفسية تجاه الحب والعلاقات، وهذا بسبب والده الذي كان سبباً في موت والدته، هرب حامد إلى عالم التواصل الاجتماعي، ليعيش قصة حب وهمية مع فتاة لا يعرف شيئاً عنها، حتى أسماؤهما الحقيقية كانت وهمية، حتى أنه كان يتهرّب من مقابلتها، إلى أن يجبره والده على الزواج من ابنة صديقه رجل الأعمال “الصاوي”، وهذا من أجل مصلحة العمل دون أي مراعاة لمشاعره.

في الوقت نفسه؛ نتعرف على “أميرة”، وهى فتاة جميلة باحثة في عالم الحيوان، اِختارت الهروب من الواقع المليء بالكذب والخداع إلى أبحاثها، لتبني لنفسها عالمً آخر موازياً، وهي أيضاً ضحية طريقة حب أبوية خاطئة؛ والدها يؤكد أن لغة الحب الوحيدة هي لغة المال، فلا يهتم بشيء آخر سوى أسهم البورصة، يعتقد أن الهدايا الباهظة يمكن أن تعوض غيابه، لكنه في حقيقة الأمر لا يعرف شيئاً عنها، وعند إجبار أميرة على هذا الزواج، هنا تقرر أن تستبدل نفسها بصديقتها، في الوقت نفسه يفكر حامد في الفكرة نفسها، يُقدِّم كل منهما صديقه بدلاً عنه في اللقاء الأول، ظناً أنهما بذلك سيفسدان الزواج.
لكن ما حدث هو العكس؛ فقد وقع حامد في حب أميرة دون أن يعلم كل منهما حقيقة الآخر، لنكتشف في النهاية أن والديهما كانا على علم بالعلاقة الافتراضية بين الاثنين منذ البداية، فقاما بالتخطيط لكل ذلك، حتى يتم اللقاء بينهما ويواجها مشاعرهما.
العرض قدَّم تمصيراً رائعاً لمسرحية الكاتب الفرنسي، مع إضافة قضايا متغلغلة في مجتمعنا، فالصراع الأبدي بين الآباء والأبناء حاضر بوضوح؛ حيث يرى كل طرف أن الآخر مقصّر في حقه، حامد يتهم والده بأنه السبب في موت أمه، مما خلق داخله عقدة وخوفاً من الارتباط، علماً بأن هذه النقطة لم يتم توضيحها بشكل كافٍ إلا أن الإشارات كانت واضحة، أما والده على الرغم من طبيعته المتصابية وعلاقاته العاطفية المتعددة، إلا أنه يهتم بابنه ويحاول مساعدته للعثور على الحب الحقيقي بعيداً عن الوهم.

الأمر نفسه مع أميرة، فهي تحاول طوال الوقت أن تلفت انتباه والدها إلى أن طريقته في الحب خاطئة، فهو لم يكن حاضراً في أهم لحظات حياتها مثل تخرجها، أو نجاح أبحاثها، وأكتفى فقط بالهدايا الثمينة، لم يتذكر حتى عيد ميلادها، وعند علمه أنها تهرب من الواقع بالبحث عن الحب خلف الشاشات، قرَّر مساعدتها لإيجاد الحب الحقيقي.
كل ثنائي في العرض سواء (أميرة وحامد) أو (بسيوني والصاوي)، كلاهما وجهان لعملة واحدة، لأن طرق الحب الخاطئة، التي يتبعها الآباء تخلق فجوة بينهم وبين الأبناء، وكلما تأخر إدراكهم لذلك زاد الفراغ الذي يحاول الأبناء ملأه بطرق أخرى لا ترضيهم.

الإهمال يُخلِّف فراغاً… والفراغ يبحث عن الحب، علماً بأن الحب الحقيقي يكون في الواقع وليس خلف الشاشات، وهذه إحدى كوارث العصر في ظل التطور التكنوولجي ووسائل التواصل الاجتماعي؛ هناك الكثير ممن يقع في فخ العلاقات الافتراضية مع أشخاص لا يعرفون شيئاً عنهم غير بعضٍ من الصور، وقد تكون غير حقيقية، وغالباً ما تكون النهايات غير سعيدة.

كما أشار العرض إلى قيمة الصداقة الحقيقية من خلال شخصية “مرسي” صديق حامد، الذي حاول مساعدته للتعرُّف على الفتاة في الواقع ودعمه كي يجد الحب الحقيقي، تناول أيضاً مشكلة زواج الصالونات؛ حيث وضح العرض أن هذا النوع من الزواج دائماً لا ينجح، إلا إذا تم خلق نقاط التقاء حقيقية بين الطرفين تمنحهما فرصة جادّة لمشاعر حقيقية، علماً أن العلاقات لا تُبنى على المصلحة فقط، بل على الحب والمودة والرحمة.
أما عن العناصر الفنية للعرض، فلقد جاء الديكور من تصميم “محمد جابر” مكوناً من أربعة مناظر: – الأول شاشة تعرض رسائل الشات بين حامد وأميرة، لتعكس طبيعة شخصيته.

الثاني غرفة في المستشفى التي يتواجد بها والد حامد، صُمِّمت ببساطة مع سرير وستارة طبية ومعدات تمريض كافية لمحاكاة الواقع.ثالث وهو المنظر الأساسي: هو منزل أميرة الذي جاء بتقسيم هندسي يشبه الأحجية، مع فراغات ممتدة للسقف وجدران مزيَّنة ببورتريهات يحمل طابعاً أنثوياً، في دلالة رمزية على الفجوة التي بينها وبين والدها.

-الربع تميز بديكور مطعم راقٍ، الذي شهد على أول اعتراف ضمني بانجذاب أميرة وحامد لبعضهما البعض، فقد صُمِّم المطعم بأجواء دافئة وهادئة، تعكس بداية تحوُّل مشاعرهما من الارتباك إلى الألفة؛ حيث استُخدِمت الألوان الدافئة والإضاءة الخافتة، لخلق إحساس حميمي يقرِّب الشخصيتين من بعضهما.
أما عن الإضاءة، فكانت من تصميم “أحمد أمين”؛ حيث لعبت دوراً بارزاً في التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات؛ من خلال تركيز البؤر الضوئية المصحوبة بإضاءة زرقاء على أميرة وحامد، لإبراز عزلتهما العاطفية، واستخدام تقنية الإضاءة والإظلام المتتالية، لعرض خططهما المتشابهة في مشاهد مختلفة.

الثالث وهو المنظر الأساسي: هو منزل أميرة الذي جاء بتقسيم هندسي يشبه الأحجية، مع فراغات ممتدة للسقف وجدران مزيَّنة ببورتريهات يحمل طابعاً أنثوياً، في دلالة رمزية على الفجوة التي بينها وبين والدها.
-الربع تميز بديكور مطعم راقٍ، الذي شهد على أول اعتراف ضمني بانجذاب أميرة وحامد لبعضهما البعض، فقد صُمِّم المطعم بأجواء دافئة وهادئة، تعكس بداية تحوُّل مشاعرهما من الارتباك إلى الألفة؛ حيث استُخدِمت الألوان الدافئة والإضاءة الخافتة، لخلق إحساس حميمي يقرِّب الشخصيتين من بعضهما.
أما عن الإضاءة، فكانت من تصميم “أحمد أمين”؛ حيث لعبت دوراً بارزاً في التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات؛ من خلال تركيز البؤر الضوئية المصحوبة بإضاءة زرقاء على أميرة وحامد، لإبراز عزلتهما العاطفية، واستخدام تقنية الإضاءة والإظلام المتتالية، لعرض خططهما المتشابهة في مشاهد مختلفة.

الموسيقى تنوّعت بين مقاطع من أغانٍ قديمة للفنان “محمد فوزي”، لتكون رمزاً يُعبِّر عن تشابه أرواح الأبطال وحبهم لزمن الفن الجميل، وبين أشعار وألحان “محمد مصطفى” التي صاحبت الاستعراضات وهى من تصميم” رضا كامبا”، والتي أضافت بهجة وروحاً مبهجة رغم حاجتها إلى بعض الإتقان في بعض اللحظات.
أما عن الأداء التمثيلي، فجاء مميزاً من جميع الأبطال، “خالد محروس” أبدع في دور الأب المتصابي بكوميديا صادقة غير مبالغ فيها، وقدَّمت “أميرة عبد الرحمن” شخصية أميرة برقي وهدوء واضح، كذلك الثنائي “ميرال شفيق” و”مصطفى حمزة” اللذان جسَّدا دور الصديقين بواقعية مما جعلهما إحدى نقاط قوة العرض، أما عن “ميدو عادل” فقد قدّم شخصية حامد بإتقان كبير، وقام بإيصال مشاعر الحيرة والخوف للجمهور بشكل متميز، وإن كانت بعض المشاهد الكوميدية تحتاج منه لمزيد من الجهد والتحكم.

في النهاية…؛ نجحت المخرجة “سهى العزبي” في تحقيق تجانس بين جميع عناصر العرض، على الرغم من وجود بعض الملاحظات على الإطالة غير المبررة في بعض المشاهد، وتكرار بعض الجمل بشكل أفقدها بريقها، كما أن اختيار اسم العرض لم يكن الأنسب للأحداث، وإن كان الهدف منه هو التشويق، إلا أنه ترك تساؤلات كثيرة دون إجابة، ومع ذلك، يظل العرض تجربة ممتعة تستحق التقدير والانتظار لمزيد من الأعمال القادمة.
★ناقدة ـ مصر.




