مسرح

سيف الأمير: “جسم وأسنان وشعر مستعار”.. الغرباوي يُعرّي الجمال الزائف على خشبة الهناجر.


سيف الأمير

يتمرَّد عرض “جسم وأسنان وشعر مستعار” لـ “مازن الغرباوي” على الصورة، ويُعيد رسم ملامح الإنسان المسرحي، ففي واحد من أكثر عروض المهرجان القومي للمسرح المصري إثارة وجدلاً، قدّم المخرج “الغرباوي” عملاً فنياً مختلفاً يجمع بين الشعر، والأداء الجسدي، والتقنيات البصرية الحديثة، في محاولة جريئة لتفكيك مفاهيم الجمال والهوية، وتسليط الضوء على الإنسان، بوصفه مادة خاماً للعرض المسرحي، لا مجرد شكل أو صورة.

اِعتمد “الغرباوي” على لغة إخراجية غير تقليدية، وإخراج بصري متمرّد ، مزج خلالها بين الأداء الحركي، والموسيقى، والصورة المسرحية، مُقَدِّماً مسرحاً تجريبياً، ينطق بالجسد، ويرفض الأحكام الخارجية على الشكل والمظهر.

ظهر ذلك جلياً في حركة الممثلين، وتداخل المشاهد الشعرية مع الإسقاطات الضوئية، ما جعل العرض أقرب إلى تجربة حسية لا تُروى بالكلمات.
اِستند العرض إلى أشعار “أمل دنقل” بالإضافة إلى نصوص كتبها “الغرباوي” بنفسه، ما أضفى طابعاً تأملياً على المُشاهد. رغم غياب الحبكة التقليدية، اِستطاع “عز الدين حافظ” أن يُعيد صياغة المشاهد في تكوين بصري ودرامي متماسك، يُعبّر عن صراع الإنسان مع صورته وصوت المجتمع، لنصبح أمام نص شعري وتكوين درامي غير خطي.

ولقد نجح فريق الممثلين في توصيل رسائل العرض العميقة من خلال أداء جسدي مركّز، من خلال “نغم صالح سعد”، و”نهال
فهمي”، و”عزة حسن”، و”علياء هاشم”، و”محمود عز الدين” (زاكو)؛ حيث ابتعد التمثيل عن الحوار المباشر، واعتمد على تعبيرات الجسد والانفعالات الداخلية، مما استدعى من الجمهور اليقظة والانخراط العاطفى؛ حيث التمثيل يعتمد على التعبير الجسدي المكثف.

أضفى “محمود شعراوي ومحمود عز الدين” (زاكو) بصوتيهما وموسيقاهما طاقة خاصة للعرض، بموسيقى حية وأغاني تؤدي وظيفة درامية؛ حيث جاءت الأغاني كجزء عضوي من البناء الدرامي، تُعبِّر عن التمزقات النفسية والمجتمعية، التي يعيشها الإنسان المعاصر.
الألحان اختلطت بروح الشعر، فخلقت موجة شعورية متصلة.

جاء تصميم الديكور والإضاءة والفيديو؛ ليخدم الرسالة الفكرية للعرض؛ حيث استخدام تقنية 3D Mapping بإشراف “رضا صلاح” خلق لوحات بصرية، تعكس تشوهات الجمال، وقلق الهوية.

وإضاءة “أحمد أمين” جاءت حادَّة ومدروسة، تُركّز على ملامح الانفعالات وأبعاد الخشبة، وفريق الفيديو والمونتاج (أحمد فرحات، إبراهيم عرابي، نغم عادل) قدّم مشاهد رقمية تكميلية أغنت العرض بصرياً ودرامياً، لنصبح أمام سينوغرافيا رمزية، وذكاء تكنولوجي تم توظيفهما على أفضل ما يكون.
وكانت الإدارة المسرحية دقيقة رغم تعقيد العناصر البصرية؛ حيث كانت الإدارة المسرحية منضبطة ومحكمة، ساهم فيها طاقم تنفيذي ماهر بقيادة “نور السيد وندى عزيز”.

تم التنسيق بانسيابية بين الفرق الفنية من تمثيل، وموسيقى، وفيديو وأداء، مما خلق تجربة مسرحية متكاملة ومتماسكة.

“جسم وأسنان وشعر مستعار” ليس عرضاً تقليدياً، بل هو رحلة فلسفية داخل الذات والصورة؛ يرفض التنميط ، وينتصر للصدق الداخلي، عرض يصلح ليُدرَس كنموذج لمسرح ما بعد الدراما؛ حيث لا تُهم الحكاية بقدر ما يُهم السؤال: (من نحن حين تُسلب منا ملامحنا؟)


★ كاتب صحفي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى