سيف الأمير: “عريس البحر”.. لـ “وليد طلعت” .. حين يُراقص المسرح الوجدان الشعبي، وينسج الأسطورة بصوت معاصر.


سيف الأمير★
وسط أجواء المهرجان القومي للمسرح المصري، شهد مسرح ميامي، واحدة من أكثر العروض إثارة وجرأة، حين قدّم المخرج الشاب “وليد طلعت” مسرحيته الغنائية الاستعراضية “عريس البحر” العرض الذي استند إلى موال شعبي صعيدي للفنان الراحل “محمد طه”، اِستطاع أن يُحلِّق بعيدًا عن التقليدية، لينقل جمهوره إلى عالم من الأسطورة، والدراما، والتقنية، والانفعالات المتداخلة.

أدار”وليد طلعت” العرض برؤية إخراجية تجمع بين الفلكلور البصري والدراما النفسية، مستخدماً التكوينات الحركية ببراعة؛ لإعطاء كل مشهد دلالته الخاصة، دامجاً بين بلاغة الصورة وانسياب الحكاية؛ حيث كانت الانتقالات ناعمة، مكثفة، تعتمد على إيقاع داخلي، يعكس نبض الشخصيات وتوتراتها، والإضاءة كانت رفيقة لكل إحساس، وكل ظل على المسرح حمل دلالة، وكل صمت كان رسالة.

بدت القصة التي تتناول صراعاً وجودياً بين شقيقين بسبب الميراث، للوهلة الأولى مألوفة، لكنها تحوَّلت بفضل الدراماتورج “محمد عادل” إلى نص متعدد الطبقات، يحمل إسقاطات اجتماعية ونفسية، اِتَّسَمَ الحوار بالعمق دون تعقيد، وبالبساطة دون سطحية،الجمع بين الموروث الشعبي والحس الحداثي، أضفى نكهة خاصة على النص، جعلته قريباً من القلب والعقل معاً، ليكن بمثابة استنطاقٍ للتراث بلغة اليوم.

تميَّزَ الأداء الجماعي بدرجة عالية من التناغم، خاصة في اللوحات الحركية، التي عكست الصراعات الداخلية بين الحب والميراث، وبين الشرف والسلطة.

وتألقت “سارة حامد” في مشهد الانكسار الأخير؛ حيث مزجت بين الانفعال الصامت والاحتراق الداخلي بحرفية عالية، ولقد جَسَّد “شريف غانم” الشخصية القاسية الممزقة باحتراف وتمكن ، بينما منح باقي فريق العمل طاقة جماعية تُحترم في تكوين المشهد.
برع جميع فريق التمثيل المختارون بعناية فى الدراما والكوميديا، على نحو أشبه بانصهار الروح فى الجسد للشخصيات المؤداة.

وبثت الاستعراضات والموسيقى، الروح الشعبية في جسد مسرحي؛ حيث أوجدت مصممة الاستعراضات “شيرين حجازي” حالة من الغنائية الراقصة، التي لم تكن للزينة، بل كانت جزءاً من سردية العرض، أما الموسيقى والألحان، التي قدّمها “محمد الصاوي”، فقد تنقلت بانسياب بين الحزن والتمرد، ورافقتها كلمات “أحمد شاهين” التي جاءت كأنها تحاكي وجع الناس بصوت ملحمي.

وجاء الديكور من تصميم د. “حمدي عطية”، محمّلاً بالدلالات (بوابة مهجورة، سور رملي)، واستخدام الاستعراضات خاصة الحاملة للطفل أثناء شروعه فى الزواج من أخته، أضافت بعداً زمنياً للمسرحية في لحظات تذويب للزمن داخل المشهد المسرحي الحي.
لقد أثبت العرض قدرة عالية على إدارة الوقت، وتوازن الطاقة داخل الفضاء المسرحي.

التنقل بين الاستعراض والغناء والحوار كان محسوباً بدقة، في إشارة إلى إدارة بروفة منظمة ومهنية من الطراز الرفيع، فكانت الإدارة المسرحية مثالاً لضبط الإيقاع وتناسق العناصر.

إن مسرحية “عريس البحر” ليست فقط استعراضاً غنائياً، بل تجربة فنية متكاملة، تمزج بين الحكمة الشعبية، والبُعد البصري، والتقنية، والعاطفة.

العرض يُثبت أن المسرح المصري قادر على استلهام تراثه دون أن يتحوَّل إلى ماضوية (أي استعادة الماضي ومحاولة إعادته في الحاضر)، بل يصنع منه لغة درامية تُحاور الحاضر، وتحاكي المستقبل، أي يمكننا القول بأن “عريس البحر” هو حين يُولد الموال من رحم الأسطورة، بلغة شبابية فنية متطورة، فائقة التوازن الجمالي بين التراث والمعاصرة.

★كاتب صحفي ـ مصر.




