نواف الربيع :”سوق شرق” لعبد العزيز المسلم هيمنة الهوية الأحادية على المجتمعات.

نواف الربيع★
ربما، ليس من أدوار المسرح استشراف المستقبل دائمًا، إنما عليه بالضرورة صناعة حالة من الشك وعدم الارتياح تجاه واقع قائم أو متخيل، وفي كلتي الحالتين يتطلب ذلك من المتلقي/ المتفرج اتخاذ ردة فعل فكرية، أو تكوين موقف إزاء النص/ العرض المسرحي، دون أن يكون للمتلقي/ المتفرج شغفه بالقضية المطروحة، أو إحساسه العميق بها إنما شعوره بمسؤوليته اتجاه ما يحدث حوله، والتعاطي معه برأي يؤكد حضوره الإنساني المفترض.
تتحقق تلك الفكرة بشكل واضح في نص مسرحية “سوق شرق” عام 2000 لمؤلفها عبدالعزيز المسلم، الذي كتب عن افتتاح المجمع التجاري الأشهر والأكبر في المنطقة آنذاك، محاولًا تدقيق النظر في إشكاليات عانى منها المجتمع ولعل أبرزها إشكاليات الهوية الأحادية والاستهلاكية والصورة النمطية للمرأة والرجل، وصولاً إلى أكثر الجهات سوداوية وهي الاستعمار الثقافي والإفلاس الاقتصادي لبعض المجتمعات في المستقبل.
إذ بدأ الانفتاح في دولة الكويت منذ زمن يعود إلى تجارة الكويتيين إلى دول الشرق مثل الهند وإيران؛ سعيًا في التجارة والرزق، واستكملت مسيرة الانفتاح على الآخر بوصول البعثات التعليمية إلى الكويت، والبعثات الدراسية بعد اكتشاف النفط، وكان أوج الانفتاح في افتتاح المجمعات التجارية ودخول الإنترنت إلى البلاد، لكن مؤلف المسرحية يرتكز في نصه المسرحي (سوق شرق) على هوية المجتمع المحلي بعد وصول الانفتاح في أوجه آنذاك بافتتاح المجمع الأشهر، حيث يتتبع المسلم في المسرحية هوية المجتمع الكويتي وتعرضه لمتغيرات عدة بدءًا من بيوت الطين ، ثم النقلة النوعية بعد استخراج النفط وبداية الألفية في افتتاح مجمع (سوق شرق) وصولًا إلى المستقبل حيث عام 2020 وهي الحقبة التي تنتهي بها المسرحية المكتوبة في 2000، مقوضًا حالة نمطية الهوية المجتمعية الكويتية، والنظر إلى تقلباتها ومعاييرها التي أكسبتها الظروف الراهنة شيئًا من التحرر والتغيير، فلم يكن المجتمع الكويتي في زمن بيوت الطين ذاته في زمن افتتاح مجمع سوق شرق مثلًا، ولن يكون ذاته بعد عشرين عامًا، فثمة تغييرات يجب أن تكون نظرًا لتفاعل المجتمع مع الظروف المتغيرة محليًا وعالميًا كذلك.

أولى تلك المتغيرات التي ركز عليها النص المسرحي هي التحول الثقافي والاستهلاكي لمجتمع متمسك بعاداته وتقاليده، إذ يعود النص المسرحي إلى حقب زمنية ما بين بيوت الطين في الماضي، ثم التسعينات بشكل عابر وبلوحات غنائية وصولًا إلى افتتاح مجمع سوق شرق الشهير، ملتقطًا الانفتاح الذي مر به المجتمع، مناقشًا القضايا الثقافية الاستهلاكية التي طرأت على المجتمع مثل علاقات الشباب والبنات، وتهافت البعض على اقتناء قطع الموضة باهظة الثمن رغم قلة مصدر الدخل كاقتناء حقيبة “جوني” الصغيرة بمبلغ 500 دينار كويتي لسيدة بسيطة الدخل المادي، وهي مشاهد مرت على المجتمع الكويتي والخليجي والعربي كذلك نتيجة للانفتاح المجتمع على السوق العالمي، وهيمنة الماركات الغربية على الأسواق المحلية في الكويت والخليج العربي.

تقترن الاستهلاكية في النص المسرحي بثيمة السوق، إلا أن المؤلف المسرحي سرعان ما يتجاوزها بملاحظة متغيرات هوياتية جديدة للمجتمع، حيث علاقات أسرية ضعيفة تطغى عليها صراعات بين القديم والجديد، فالجد في المسرحية لم يتمكن من السيطرة على انفلات أحفاده الناتج عن نمط جديد للباس العالمي الذي وجدوا أنفسهم يرتدونه دون تفكير ويطرح المؤلف على لسان شخصيات العمل وصف للباس ضيق وغير محتشم ومتعري في بعض الأحيان، وهو لباس خارج عن نطاق الأعراف والتقاليد للمجتمع، ويفضي هذا الحوار الطويل بين الجد وأحفاده إلى صراع بين قناعات الأجيال القديمة المتمسكة باللباس التقليدي والأجيال اللاحقة المؤمنة باللباس الغربي المتماشي مع الموضة العالمية والنظام العالمي المهمين، مما يحيل إلى سيولة الإنسان كما وصفها زيجمونت باومن الذي يؤكد بإن الإنسان الذي يفقد هويته سيظل مجبرًا على التماشي مع السوق المهيمن حتى يستشعر بقيمته، ولكن.. بعد 25 عامًا من عرض المسرحية، إلى أي حد فقدنا هويتنا؟

في رؤيا مستقبلية، يصل المؤلف عبدالعزيز المسلم إلى عام 2000 إذ يغدو المجمع التجاري مساحة تجارية مفتوحة على العالم، يجد فيه التاجر المحلي “بوخالد” نفسه غريبًا عن بيئته ومجتمعه الذي انجرف نحو توقيع اتفاقيات مع الغرب تتضمن الانفتاح والملكية الفكرية وغيرها، مما أدى إلى تراجع السوق المحلي وركوده تزامنًا مع التحول للطاقات البديلة عوضًا عن النفط، بمعنى الركود الاقتصادي وانحسار ميزانية الدول الخليجية المعتمدة على النفط دون غيره باعتباره مصدرًا للدخل. بينما يرى التاجر الآخر “بوعبدالله” أن اتفاقيات الانفتاح على الغرب والحقوق هي الحل الأنسب للخلاص من الأزمات الاقتصادية وتبعاتها. كما طرح العمل فكرة التطبيع الاقتصادي مع “كوهين” الذي سرق تراث الأمم وماضيها بمقابل مادي، وصارت المجتمعات المحلية منفتحة على آخر يرسم سياسات الدول ، ويقيدها ويغير من عاداتها وتقاليدها كيفما شاء.
كما أن كاتب المسرحية قد أخذ المستقبل من أكثر الجهات استشرافًا وسوداوية كذلك، حيث تمثل المستقبل بعام 2020، حينما يجد التاجر الكويتي نفسه محاصرًا بعلامات تجارية عالمية أفقدت – بملابسها وأزيائها- هوية المجتمع، وحولته إلى مجتمع عالمي آلف الغرب في لباسهم بل وحتى في أنماط حياتهم، فصار السهر في البارات والديسكوات حالة لازمة للمجتمع المتخيل الذي يتصوره المؤلف في 2020، مما يعني جثوم النظام العالمي أحادي البعد على المجتمعات المحلية، وتغريبها ثقافيًا عن أنماطها السلوكية الراسخة، لينتج عنها حالة مشوهة التداخل، لا ينتمي إليها أفرادها إنما جبروا عليها بفضل سيطرة النظام العالمي الغربي على المجتمعات الشرقية بما يشبه الاستعمار الثقافي والسلوكي كذلك، وهو استعمار تحقق في العمل المسرحي بوجود شرطة أجنبية تحبس أحد أصحاب الأنشطة التجارية لتخلفه عن دفع الضرائب.

إضافة إلى تلك النظرة التشاؤمية، يتطرق عبدالعزيز المسلم – مؤلف العمل – إلى إشكالية سيطرة رأس المال العالمي على السوق المحلي، بل العبث بالذائقة المحلية لتتحول إلى ذائقة غربية لا تشبه المجتمع بشيء، إنما ينجر إليها الناس بفضل الاتفاقيات التجارية، والتطبيع الثقافي العالمي مع رؤوس المال العالمية وتحديدًا (كوهين) الذي ترأس النظام الرأسمالي وسرقة الأزياء الشعبية المحلية محولًا إياها لأزياء عصرية، دون استطاعة التاجر المحلي مجاراتها نظرًا للاتفاقيات التجارية العالمية وتردي الحالة الاقتصادية – المتخيلة في العمل المسرحي.
ولا تقتصر النظرة المأساوية في ذلك، إنما يجد المجتمع المحلي – المتخيل في العمل المسرحي- في مهب التطبيع السياحي والثقافي والاقتصادي مع الكيان المحتل، رغم انعدام البوادر الحكومية والشعبية المؤيدة للتطبيع مع الكيان والصهيوني، فما يزال الموقف الرسمي والشعبي لدولة الكويت في كل السنوات واقفًا بجانب القضية الفلسطينية، وهو موقف ثابت وراسخ في وجودان الكويت حكومةً وشعبًا. إلا أن النص المسرحي يتخيل وجود السياح الصهاينة في الأسواق الكويتية حالة طبيعية لا تستدعي الاستنكار أو الاستغراب، لفرض النظام العالمي – المتخيل- التطبيع، كأن النص المسرحي يرغب بتحويل ماهو حساس وأحمر إلى يومي ومتداول، يمنع الصمت عن ستار المستقبل إلى حث على التفكير بما هو موحش، والحديث عن القضية الفلسطينية والتطبيع مع الكيان المحتل بدرجة من الوعي الذي لا يأتي إلا بمعايشته متخيلًا عبر النص المسرحي والخشبة، وخلق ما يشبه ردة فعل مبكرة تجاه قضايا الأمة.

الذاكرة الجمعية.. أن تقاوم الهيمنة
يستحضر النص المسرحي لسوق شرق ثلاث حقب زمنية (الماضي، الحاضر، المستقبل) كاشفًا عن التغييرات التي طرأت لهوية المجتمع الكويتي، منذ كان محافظًا قبل النفط متمسكًا بعاداته وتقاليده، إلى مجتمع متماسك يعاني من عصاب الصدمة الناتجة عن التحول العالمي والاتصال مع الآخر وصولاً إلى المستقبل، حيث التماهي مع الآخر تمامًا والانسلاخ عن الهوية المحلية الأم للمجتمع الكويتي، مقدمًا نقدًا لكل حقبة من الحقب الزمنية، ومعاينًا في الوقت ذاته علاقات المجتمع الإنسانية.
يكشف استحضار الحقب الزمنية الثلاث في النص المسرحي عن دور التاريخ في مقاومة الهمينة الثقافية العالمية للمجتمعات، ودور التاريخ في التذكير عن أصل المجتمع وهويته. أما اليوم وبعد مرور 25 سنة على النص المسرحي (سوق شرق) لمؤلفها عبدالعزيز المسلم، وانفتاح المجتمعات بفضل وسائل التواصل الاجتماعي مازال الوعي حاضرًا في المجتمعات، إذ كلما انجرف البعض لموجة ترغب في الهمينة علت أصوات الوعي التي تطالب بالتفكير والتمسك بالهوية المحلية، فالخطر الأكبر ليس العولمة ولا هيمنة البعد الواحد على العالم إنما غياب الوعي وطمس التاريخ الحضاري للأمم وإرثها الذي يقاوم ويتماسك في كل لحظة تهمين ثقافة واحدة على العالم.
★باحث مسرحي ـ الكويت.




