مسرح

محمد القلاف: من اللؤلؤ إلى الأضواء: بدايات المسرح الكويتي وصعود المرأة إلى الخشبة.

محمد علي القلاف

لم يكن المسرح في دولة الكويت مجرّد وسيلة للترفيه، بل شكّل أحد الأعمدة الأساسية في بناء الحركة المسرحية والثقافية. فقد بدأ داخل أسوار المدرسة، حيث كانت أولى المحاولات ذات الطابع المسرحي التي مزجت بين الفن والتربية والتعليم، لتكون الشرارة الأولى للتعبير عن الرأي وصناعة المسرحيين، وتنشئة أجيال تعي أهمية هذا اللون من الفنون وتبرع فيه.
ظهرت البدايات الفعلية للمسرح الكويتي في ثلاثينيات القرن الماضي مع قدوم البعثة الفلسطينية عام 1936، حيث قُدّمت عروض مستلهمة من التاريخ الإسلامي على يد الرائدين محمد محمود نجم – أحد أعضاء البعثة – وحمد الرجيب، وذلك في مدرسة المباركية. ومنذ ذلك الحين، لم يُروَ المسرح الكويتي بوصفه سردًا فنّيًا فحسب، بل بوصفه وثيقةً حيةً لرحلة مجتمع في مواجهة ذاته، في بلد وُلد فيه المسرح من رحم التعليم، لا من ترف الفرجة.

ورغم العادات الاجتماعية التي حالت دون مشاركة المرأة على الخشبة، فقد كانت حاضرة مضمونًا وغائبة شكلاً، مما اضطر المؤسسين الرواد إلى إسناد أدوارها للرجال. كان ظهور المرأة على المسرح لاحقًا بمثابة فعل اجتماعي وتاريخي لا فني فقط؛ إذ زعزع يقينًا سائدًا، وفتح أفقًا جديدًا لفهم الذات والآخر. وبالرغم من حداثة التجربة الكويتية مقارنة بسوريا ولبنان ومصر، إلا أنها سرعان ما تشكّلت بهوية ثقافية خاصة، رافقت تحوّلات البلاد من اقتصاد البحّارة كصناعة السفن وتجارة اللؤلؤة إلى الدولة الحديثة المعتمدة على النفط، فتطوّر المسرح توازيًا مع هذا التحوّل، ليصبح عصب الفن الخليجي والعربي.

خشبة تولد من جديد


استمر المسرح الكويتي بعد الثلاثينيات بجهود تربويين وطنيين ووافدين، فكان وسيلة للتنوير الثقافي وبناء الهوية. ثم ازدهرت الحركة المسرحية مع رموزها الأوائل: محمد النشمي، عبد الله خريبط، عبد الله حسين، حسين الحداد، قبل أن تأتي النقلة النوعية مع الفنان المبدع الشامل حمد الرجيب حين دعا زكي طليمات إلى الكويت لوضع اللبنات الأكاديمية الأولى للمسرح في الكويت. وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تأسست الفرق المسرحية الكبرى: فرقة المسرح الشعبي (1957)، المسرح العربي (1961)، مسرح الخليج العربي (1963)، والمسرح الكويتي (1964). قدمت هذه الفرق عروضًا مزجت بين الفصحى واللهجة المحلية، وعبّرت عن قضايا المجتمع بمتعة وفكر.
صرخة نسائية على الخشبة
لم تكن مشاركة المرأة في المسرح بالأمر الميسور في بداياته، فقد كانت العادات والتقاليد تحول دون ذلك، مما اضطر الرجال إلى تقمّص أدوار النساء على مدى سنوات. إلا أن البعثة الفلسطينية النسائية – التي قدمت بعد البعثة الرجالية في الثلاثينيات – لعبت دورًا حيويًا في كسر هذا الحاجز. فمع قدوم الناظرة ضياء السعيد القلعاوي، التي جاءت إلى الكويت عام 1952، وأسّست المسرح المدرسي للبنات، وكانت من أوائل من منح الفتيات فرصة للتعبير المسرحي.في هذه المرحلة، بدأ النشاط المسرحي المدرسي في الظهور والتطور، وامتد هذا التنامي حتى ستينيات القرن الماضي، أي بعد مرور سنوات على وجود الناظرة الفلسطينية، وبعد تقديم عرض “الوحدة الكبرى” الذي شكّل نقطة تحوّل سمحت لمدارس البنات بالمشاركة في الغناء والرقص والاستعراض. وتُعدّ لميس طحاوي المصرية والتي كانت تعمل بالإعارة في دائرة الشئون الاجتماعية
أول امرأة تقف رسميًا على خشبة المسرح في الكويت، من خلال مشاركتها في احتفال دولي، وليس ضمن عرض عابر أو مجهول.
حيث كانت بطلة عرض المسرحية الاستعراضية (الوحدة الكبرى) التي تم عرضها على مسرح- ثانوية الشويخ في فبراير 1958 ضمن احتفال الكويت بالموسم الثقافي العربي .. وشاركت في الاستعراض تلميذات من المدرسة القبلية

وفي مقابلة نُشرت في صحيفة الأنباء بتاريخ 30 نوفمبر 2013، تروي الأستاذة بدرية التويتان أنها درست في مدرسة الوسطى، تحت إشراف الناظرة ضياء السعيد والوكيلة فاطمة الصالح، حيث كانت تشارك في الأنشطة الثقافية والرسم والقراءة.

مع بداية الستينيات، بدأت المرأة الكويتية تخطو بثقة نحو الخشبة، وبرزت الرائدتان مريم الصالح ومريم الغضبان، اللتان كانتا من أولى الكويتيات اللاتي اعتلين المسرح متحديات القيود المجتمعية، وأسهمتا في ترسيخ الحضور النسائي. ولم يكن حضور المرأة مقتصرًا على التمثيل، بل امتد إلى التأليف والإخراج والمساهمة في قضايا المرأة والمجتمع، فكانت صوتًا نوعيًا عبّر عن صدق شعوري ووعي فني، وأسهمت في تشكيل هوية المسرح الكويتي.

خاتمة: المسرح مرآة مجتمع ونهضة أمة
المسرح الكويتي لم يكن يومًا مجرّد عرض فني، بل هو صوت مجتمع ونهضة وطن، انطلقت من المدرسة لتصل إلى المسارح الشعبية. شكّل أداة للتنوير وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وخاض مغامرة التجريب مع تحوّلات المجتمع. في قلب هذا المسرح، لم تكن المرأة زينة أو ديكورًا، بل قوة دافعة للتغيير الثقافي، جسّدت من خلال خشبة المسرح كينونتها وهمومها، وأسهمت في بلورة مسرح يعكس واقع الناس وينبض بالحياة.
المراجع:
ـ النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت” ، د.شفيق الغبرا
ـ قراءة في تاريخ المسرح الكويتي ، أ.د.سيد علي إسماعيل
ـ جريدة الأنباء


★ باحث مسرحي وناقد فني ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى