مسرح

محمد القلاف:بدايات المسرح المدرسي في الكويت -3.

محمد علي القلاف

يُعتبر المسرح المدرسي في دولة الكويت إحدى اللبنات الأساسية في بناء الحركة المسرحية والثقافية، إذ كان منبعاً لاكتشاف المواهب وصقلها منذ بدايات التعليم النظامي.
ففي المدرسة كانت أولى المحاولات ذات الملامح المسرحية، التي جمعت بين الفن والتربية والتعليم، وكانت الشرارة لانطلاق التعبير عن الرأي وصناعة المسرحيين، وتنشئة أجيال تهتم وتُبرز هذا اللون من الفنون.
لذا؛ في الحلقة الأخيرة من سلسلة “المسرح المدرسي”، نعود إلى البدايات، نتتبع الخطوات الأولى، ونرصد التحولات التي شكّلت ملامح هذا الفن داخل المؤسسات التعليمية.
أولى بوادر المسرح الكويتي بشكل عام، والمدرسي بشكل خاص، ظهرت في ثلاثينيات القرن الماضي مع قدوم البعثة الفلسطينية إلى الكويت، على الرغم من أن بعض المصادر تعيد بدايات المسرح إلى عام 1924 في عهد المؤرخ الشيخ عبد العزيز الرشيد، الذي جمع مجموعة من الخطابات الشعرية والحوارات المتنوعة في نص بعنوان (محاورة إصلاحية) يحمل طابعاً حوارياً، فإن هذا العمل لا يُعدّ عرضاً مسرحياً بالمعنى الفني، إذ افتقر إلى عناصر التمثيل المسرحي المتعارف عليها. أما البذور الفعلية فقد ظهرت في عام 1936 من خلال مسرحيات مستمدة من التاريخ الإسلامي، قُدِّمت بحضور أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح، والمعتمد البريطاني (ديكوري)، وأعضاء مجلس المعارف، وقد نُظّمت هذه العروض داخل المدارس على يد الرائدين الكبيرين: محمد محمود نجم، مع قدوم بعثته الفلسطينية، وحمد الرجيب من الكويت، وذلك في مدرسة المباركية.

وفي الأربعينيات، اِستمرت جهود المسرح المدرسي من خلال عروض قُدِّمت في مدرسة القبلية مستوحاة من تاريخ الحروب مثل حرب البسوس، وكذلك في المدرسة الشرقية التي استمرت فيها العروض المسرحية، مما خلق تنافساً بين المدارس الأربع. وتُعدّ المدرسة الشرقية أول مسرح مدرسي ثابت، أي مكاناً مؤهلاً لإقامة العروض المسرحية، الأمر الذي شجع البعض على تقديم مقترحات وتوصيات بأهمية وجود مثل هذه المسارح في المدارس.

ثم في عام 1957، تواصلت الجهود من خلال “محمد النشمي” و”عبد الله خريبط”، اللذين أخرجا كُتّاباً كباراً وقدَّما مسرحيات ذات قيمة، تناولت قضايا مجتمعية مهمة.
وفي الخمسينيات، تأسس نادي المعلمين الذي ضم أربع جمعيات تحت إشراف “حمد الرجيب”، من بينها جمعية التمثيل التي قدمت مسرحيات متنوعة، عالمية ومحلية.
وفي تلك الفترة الزمنية، تألّق المسرح المدرسي، وتزايدت العروض في مدارس متعددة، أبدع فيها المعلمون والطلاب، خاصة في المدرسة الثانوية، مثل: فريق التمثيل بمدرسة المعلمين، وفريق مدرسة التجارة، وفريق مدرسة الفنطاس، بل قُدِّمت مسرحية هزلية، تتناول قضية شح المياه على مسرح مدرسة الصباح.
ومن اللافت أن إذاعة دولة الكويت الرسمية نقلت عروضاً مدرسية منذ ذلك الحين، قُدِّمت على مسرح المدرسة الشرقية، من بطولة “محمد النشمي” و”عقاب الخطيب”.

واستمر المسرح المدرسي منذ انطلاقته حتى اليوم، مروراً بفترات الستينيات، والسبعينيات، والثمانينيات، والتسعينيات، والألفينيات؛ حيث ظلت المسابقات قائمة على مستوى المدارس النظامية، مع مشاركات خارجية ومساهمات للكويت في المحافل الدولية.
ويلاحظ أن غالبية الممثلين، في حواراتهم ومقابلاتهم المتلفزة، يشيرون إلى بداياتهم في النشاط المسرحي المدرسي، مؤكدين أهمية هذا الفن في صقل مواهب الطلبة، ذكوراً وإناثاً، من النواحي الفنية والعلمية والتربوية.
ختاماً، يُعدّ المسرح المدرسي ركيزة أساسية في تنمية الطالب معرفياً وتربوياً، وله دور بارز في تشكيل وعي الأجيال، وتولي الدول، كل بحسب خصوصية مجتمعها، اِهتماماً بالغاً بهذا الفن التربوي.
ففي اليونان – مهد المسرح – كان التعليم المسرحي جزءاً من النظام التربوي؛ حيث اعتُمِدَ المسرح وسيلة لغرس القيم وتعزيز التفكير النقدي منذ العصر الكلاسيكي، كما في استخدامهم لمآسي “سوفوكليس” وكوميديات “أريستوفانيس” داخل إطار تعليمي، مثل برنامج “ميلينا: التعليم والثقافة” وبرنامج “أوديسيباه” المسرحي لهم اهتمام كبير في المبادرة والدعم للتعليم المسرحي في المدارس، وادخالها بالمناهج، وتدريب المعلمين وتوفير المواد لهم.
ثم امتد هذا الاهتمام إلى دول الغرب الحديثة، التي دمجت المسرح المدرسي ضمن المناهج، وصولاً إلى العالم العربي؛ حيث بات المسرح المدرسي، أحد أبرز أدوات التنشئة الثقافية والتربوية.


★باحث مسرحي وناقد فني.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى