مسرح

بسمة أحمد : “في يوم وليلة”… بين ما نريد وما يجب.

 

بسمة أحمد

“وفي يوم لقيته، لقيته هو……. هو اللي كنت بتمنى أشوفه”.. كلمات من أغنية في يوم وليلة لوردة الجزائرية_ في ليلة واحدة، وفي لحظة تبدوعابرة، يجد “أكرم” نفسه أمام مفترق طرق لم يكن يتوقعه، بين حياة رتيبة آمن بها طويلاً، وبين نداء داخلي، يبحث عن الحب، عن الحرية، عن شيء حقيقي وسط الزيف اليومي.
بهذه الروح، يأخذنا عرض “في يوم وليلة” في رحلة لا تسير فقط عبر الزمان، أو المكان، بل تنفذ إلى عمق النفس البشرية، فليست كل رحلات السفر نحو مدينة جديدة، أحياناً تكون الرحلة الحقيقية داخل القلب والعقل، حين يُجبَر الإنسان على مواجهة حياته، والاختيار بين ما اعتاده، وما يتمناه.
“في يوم وليلة” هي مسرحية كوميديا رومانسية من تأليف وإخراج (محمد عبد الستار)، يقدمها المسرح الكوميدي على خشبة مسرح ميامي.
لا تكتفي المسرحية بأن تُضحك جمهورها، بل تضعهم وجهاً لوجه أمام السؤال الأهم: هل يمكن للكوميديا أن تكون وسيلة للتعبيرعن أزمات الإنسان، واختياراته المصيرية؟
تدور المسرحية حول “أكرم”، مهندس بترول يعيش حياة يمكن اختصارها في سطر واحد، فهو يعمل في الصحراء طوال العام، ويقضي شهر إجازته ما بين صديقه “عوادلي”، وزوج أمه “معاطي”، داخل لوكاندة بسيطة في الإسكندرية، تبدأ أحداث المسرحية داخل محطة لحجز تذاكر الباص المتجه إلى الإسكندرية؛ حيث يستعد “أكرم” للسفر لحضور حفل زفافه من ابنة مديره في العمل، كل شيء يبدو مرتباً، والزواج مُخطط له مسبقاً، كجزء من المسار المتوقع لحياته الرتيبة، لكن، ومن أول لحظة على خشبة المسرح، يظهر أن “أكرم” غير سعيد، ولا متحمس، وكأن داخله يتحدث ( أهي جوازة والسلام) .
في ظل التردد والروتين، الذي يسيطرعلى حياة “أكرم”، تظهر “يارا” فتاة تعمل في شركة لإنتاج المربى، جاءت مع فريقها المسرحي؛ لتقديم عرض ارتجالي ضمن مهرجان غرب ووسط الدلتا للشركات، يرى فيها “أكرم” ملامح الحياة، التي لطالما تاقت إليها روحه هي الحب، والحرية، والشغف، لكن عوضاً عن المواجهة، يقع “أكرم” في فخ من نسج يده، حين يُخفي عنهم هويته الحقيقية، ويُعرّف نفسه باسم “رامي”، متجاهلاً أن حفل زفافه سيُقام في اليوم ذاته، لا يطول الأمر؛ حتى تنكشف الكذبة، بسبب تدخل زوج أمه “معاطي”، فتُكشف الحقيقة أمام “يارا” والفريق بأكمله عند هذه النقطة، تتصاعد حدة التوتر، ليجد “أكرم” نفسه أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يستمر في حياة لم يخترها، أو أن يمتلك شجاعة التغيير، وهنا يتخذ قراره الأهم، فهو يرفض الزواج التقليدي، ويختار أن يلحق بـ”يارا”، معترفاً بحبه، وساعياً لأن يبدأ معها حياة تحمل معنى، لا واجباً مفروضاً.
جاء العرض بإيقاع حيوي ومترابط، فلم نشعر بمرور الوقت؛ فبعد بداية العرض، سرعان ما نفاجأ بانتهاء الفصل الأول، لتبدأ استراحة قصيرة، يعقبها الفصل الثاني، وكأن ساعتين قد سُرقتا منّا في تخفيف صخب الحياة.
اِمتلأت القاعة بالضحك، إذ حافظ العرض على مستوى راقٍ من الكوميديا، دون ابتذال أو إسفاف، تلك الكوميديا، التي تلامس القلب والعقل في آنٍ واحد، لتُقدَّم المتعةُ في قالب فني يحترم جمهوره.
الكوميديا في “في يوم وليلة” لم تكن هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة ذكية لطرح أسئلة عميقة عن الحياة، والاختيارات، والحرية والفرص.
اِعتمد العرض على كوميديا الموقف والمفارقة، دون اللجوء إلى النكت السطحية، أو الإفيهات الجاهزة، مما جعل الضحك يأتي تلقائياً من تفاعل الجمهور مع الشخصيات والمواقف، ورغم الطابع الرومانسي للعمل، فإن الكوميديا جاءت متناغمة مع السياق؛ حيث تسلّلت بخفة بين مشاهد الحياة اليومية، كاشفة في الوقت نفسه عن هشاشة العلاقات، وتناقضات الشخصيات، والضغوط الاجتماعية المفروضة عليها.
يُعدّ عرض في يوم وليلة ثاني تجربة كوميدية يقدّمها (محمد عبد الستار) من تأليفه وإخراجه، بعد عرضه السابق “بعيد عنك”، ويبدو من خلال العملين أن عبد الستار يسعى لتكوين بصمة إخراجية خاصة به داخل المسرح الكوميدي، فهو يعتمد على رسم شخصيات إنسانية مبالغ في ملامحها بشكل مقصود يخدم الكوميديا، كما يوظف الأغاني والموسيقى كجزء من العالم الدرامي، لا كفواصل ترفيهية. وفي “في يوم وليلة” تحديداً، اِختار أغنيات مرتبطة بالإسكندرية، لتدعم الجو العام للمكان، وتُشعر المتفرج بأنه داخل القصة، تماماً كما فعل في “بعيد عنك”، حين استخدم الموسيقى للتعبيرعن الحالة الشعورية.
هذه العناصر، إلى جانب الكوميديا القائمة على المفارقة والموقف، تؤكد أن عبد الستار يسير بخطى واضحة نحو بناء عالم مسرحي خاص، يمزج بين الترفيه والرسالة، وبين الضحك والتأمل.

لم يكتفِ العرض بصناعة الكوميديا من المواقف وحدها، بل نسجها أيضاً من ملامح شخصياته المبالغ فيها عمداً، بشكل يخدم الطابع الكوميدي، دون أن يُفْقِدَ الشخصيات صدقها الإنساني، فعلى سبيل المثال، تُعد شخصية “عوادلي” صديق البطل، واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في العرض، ليس فقط لدورها الداعم لبطل الحكاية، بل لما تحمله من طابع شعبي طريف، قدّم الفنان (محمد الدمراوي) الدور ببراعة لافتة؛ حيث خرج عن إطار أدواره السابقة؛ ليُجسّد هذه الشخصية بخفة ظل وصدق، ينتمي “عوادلي” إلى طبقة شعبية، وهو ما انعكس بوضوح من الملابس(مها عبد الرحمن) فكان يرتدي قميص لامع ملون بالوان “الديسكو”،وجاكيت وبنطلون جينز، وأكسسوارات تُعبّر عن ذوقه الشعبي ، كما شكّلت الموسيقى المصاحبة لدخوله وخاصة موسيقى “الوايلي مناطق” طابع لذوقه، وطبقته الشعبية.
كما تظهر شخصية “فرحانة”(نجلاء فوزي) وعلى ملامحها الغضب والحزن لأول مرة وهي تحمل طاجناَ فوق رأسها، في تجسيد حيّ وساخر للمثل الشعبي”شايلة طاجن ستها”، وكأن العرض يقدّم الكوميديا كأداة تعبير لا كسلاح سخرية، ليمرّر من خلالها مشاعر الحزن والكبت، التي تعانيها الشخصية، والتي تقدمها بمبالغة ، ويحوّلها بلطافة إلى لحظة ضحك ذكية، وساعد على ذلك المؤثرات الصوتية المصاحبة لها التي توحي بالخوف، الذي يولد داخل باقي الشخصيات منها، فاكانت المبالغة في تقديم صفات شخصيات باقي ، مثل شخصية المخرج (كريم يحيى) المفتقر للعلم والموهبة، ويحاول تصنعها، و”حازم”(إسماعيل السيد) خطيب “يارا” في غيرته وغضبه، والذي جعل “يارا” تنهي علاقتها به ، وأخيراً تصنع “صفاء” (أحلام الرفاعي)أو كما يقولون “صافي” فهي تبالغ في رقتها ودلعها؛ لتجذب الانتباه، كل هذه الصفات المختلفة، شكلت توليفة نتج منها كوميديا وضحك عفوي من الجمهور، وهي منافية تماماً لشخصية “أكرم” فهو الشخصية الأقرب للواقع؛ حتى في رده على أفعال باقي الشخصيات، تماثل ردنا تقريباً، وكان “أكرم” يمثل كل شخص فينا.
التباين بين شخصيتي “عوادلي” و”أكرم” يُعد من أبرز مفاتيح الفهم الدرامي للعمل.
“أكرم”، الذي يجسّده الفنان(محمد علي رزق)، مهندس بترول يعيش حياة رتيبة ومنظّمة، تتسم بطابع رسمي، ينعكس في مظهره المُهندم وملابسه، التي يغلب عليها الطابع الكلاسيكي من البدل الرسمية، كما في سلوكياته المتحفظة، وطيبته الزائدة، التي تصل حدّ السذاجة، في المقابل، يظهر”عوادلي” كنقيض درامي له؛ شخصية شعبية عفوية، تميل إلى التلقائية والاندفاع، تتحدث بصراحة، وتُعبّر عن نفسها بحرية؛ حتى في مظهرها الخارجي، وموسيقاها الخاصة.
هذا التناقض لا يصنع فقط لحظات كوميدية، بل يُستخدم أيضًا ليبرز الصراع الداخلي عند “أكرم”، ويُضيء رحلته نحو التحرر من القيود، التي فرضها على نفسه.
“عوادلي” يُمثّل الصوت الداخلي الذي يشجعه، بطريقته العفوية، على خوض تجربة مختلفة، والخروج من منطقة الراحة، التي حبس نفسه فيها، وهنا تظهر براعة الكاتب والمخرج في استخدام التناقض بين الشخصيتين، كأداة درامية؛ ليظهر لنا ما في نفس البطل.

 

اِعتمد العرض في ديكوراته (عمرو عبد الله الشريف )على البنرات، التي عبّرت عن محطة الباص، مما أضفى طابعاً بصرياً سهل التلقي، لكن اللافت كان تناقضه مع ديكور مشهد الاستراحة داخل اللوكاندة؛ حيث ظهرت تفاصيل كلاسيكية لا تنتمي لعصر الفنادق الحديثة، سواء في تصميم الكنبة والكراسي، أو الغرف غير المرقّمة؛ وحتى أثاث الغرف كالسّرير الصغير، والتليفون الأرضي القديم.
هذا التناقض بين الوضع المادي والاجتماعي لشخصية “أكرم” واختياره لهذه اللوكاندة تحديداً، لم يكن عبثياً؛ بل كشف عن رغبته في الانتماء لمكان يشعر فيه بالراحة والأمان، بعيداً عن الرسميات التي تقيّده.
فاختلاف الديكور هنا لم يكن مجرد خلفية، بل أداة بصرية للتعبير عن الفارق بين عالم “أكرم” الخارجي، الذي يُفترض أن ينتمي إليه، وعالمه الداخلي، الذي يهرب إليه.
أما شخصية موظفة حجز التذاكر” عفاف”، فكانت بمثابة كسر متعمد لطبيعة المكان المنظّم والهادئ؛ إذ ظهرت بملابس غير رسمية، وبأسلوب كلام شعبي يحمل طابعاً سوقياً، هذه المفارقة بين مظهر المكان، وشخصية الموظفة، أسهمت في خلق حالة من الكوميديا الساخرة، خاصة مع تفاعلها مع “أكرم” ومحاولتها لاستغلال زوج أمه “معاطي”، الذي يمثل نموذج الشخص الانتهازي، غير المسؤول، الذي يتطفل على حياة البطل، ويتدخل فيها بسطحية وسخرية، وليس هو فحسب، بل أيضاً أصدقاءه في العمل (منذر، وعواد) هذا التباين بين الشخصيات، كان أحد أدوات العرض في صناعة المفارقة الدرامية، وإبراز عزلة “أكرم” وسط عالم لا يشبهه.
تأتي شخصية “يارا” (سارة درزاوي) كضوء خافت في حياة “أكرم” الرتيبة، فتاة تعمل في شركة مربى، وتهوى التمثيل، رغم أنها ليست موهوبة بالقدر الكافي، إلا أن حضورها الطبيعي، واهتماماتها البسيطة، جعلتها أقرب لتوأم روح البطل، تشترك مع “أكرم” في عشقها لأغاني أم كلثوم وفيروز، ولحظات المشي على البحر، وتفاصيل صغيرة ظنّها يوماً غير ضرورية؛ لأنها غير متوفرة في ابنة مديره، التي كان على وشك الزواج بها، لكنها أصبحت فجأة ذات معنى، حين انعكست أمامه في صورتها .
“يارا” لم تكن البطلة المثالية، بل كانت انعكاساً داخلياً لرغبات “أكرم” المكبوتة، لما هو حقيقي وبسيط وبعيد عن التصنع، ومع ظهورها، اِضطرب توازن “أكرم” بين حياة مرتّبة اختارها له الآخرون، وبين ميل فطري نحو امرأة تشبهه، وتفهمه، وظهر لنا هذا التوتر منذ البداية، عندما قام أكرم بتخبئة خاتم خطوبته.
وهنا يطرح العرض سؤالاً وجودياً مهماً: هل نتبع صوت القلب؟ أم نستسلم لصورة الاستقرار، التي يُراد لنا أن نعيشها؟
في أحد أكثر مشاهد العرض رمزية وتأثيراً، يظهر “عم ممدوح” (نديم هاشم)، صاحب اللوكاندة، ليكون بمثابة جرس إنذار لـ”أكرم”، يخبره ألا يكون مثله، وألا تسمح له طيبته الزائدة أن تلتهم عمره كما حدث معه، حين استغلّه إخوته، وتركوا له اللوكاندة المتواضعة، بينما استأثروا هم بالفنادق والشاليهات.
هذا المشهد لا يُعَدُّ فقط لحظة اعتراف أو تحذير، بل هو انعكاس حيّ لمصير “أكرم” المحتمل إذا استمر في الخضوع لما يراه الآخرون صواباً.
يصبح “عم ممدوح” تجسيداً لتحذير العرض أن الطيبة وحدها، حين لا يصاحبها وعي بالذات، قد تتحوّل إلى سذاجة تُؤكل مع الزمن، ولهذا، تأتي هذه اللحظة كشرارة لبدء التغيير الداخلي في البطل، ودفعه لاتخاذ قراره الأهم.

في مشهد النهاية، اِستخدم المخرج تقنية المسرح داخل المسرح ؛ لتقدم فرقة “يارا” عرضاً غنائياً استعراضياً مستوحًى من حياة “أكرم”، لكنه كان نسخة مثالية ومعكوسة من الواقع، الذي عاشه.
ففي العرض المسرحي، يظهر زوج الأم في هيئة ملاك، وأصدقاء “أكرم” في العمل يدعمونه، و”اللوكاندة” تحوّلت إلى مكان أنيق، ومنظّم بغرف مرقّمة، وصديقه كبطل خارق _ سوبر مان_ من خلال ملابسه، وكل التفاصيل بدت مثالية على عكس ما رآه، وتعرض له في حياته الحقيقية.

 


في هذا السياق المسرحي المبهج، يظهر “أكرم” الحقيقي، ويعترف أمام “يارا” أنه ألغى حفل زفافه، وأنه يريد أن يبدأ حياتهما معاً.
جاء هذا الاعتراف في مشهد رومانسي على خلفية بصريّة لكوبري ستانلي، بإضاءة مميزة صمّمها محمود الحسيني (كاجو)، ومصحوبة بموسيقى وأشعار مبهجة كتبها محمد عبد الستار، واستعراضات صممتها فدوى الهنيدي، أضفت طابعاً احتفالياً مناسباً لنهاية سعيدة ومُرضية.
كانت نهاية تعكس قرار “أكرم” بالتحرر من الحياة المفروضة عليه، واختياره للصدق والحب، كطريق لحياته القادمة.
في يوم وليلة” ليست مجرد قصة رومانسية، هي رحلة داخل نفس كل واحد فينا، بين ما نتمناه وما يُفترض ويجب أن نكونه، بأسلوب خفيف وكوميديا راقية، واستطاع العرض أن يوصل رسائل عميقة عن الحب والاختيار، ويؤكد لنا أن التغيير دائماً متاح… فقط يحتاج إلى الشجاعة. “في يوم وليلة ” تجربة مسرحية ماتعة، تستحق المشاهدة.


★ناقدة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى