إذاعة وتليفزيون

نواف الربيع: كيف صنعت “خالتي قماشة” نظامها الشمولي؟


نواف الربيع★

بخطى قماشة العرجاء، وبعصاها التي تشكل تهديداً لزوجات أبنائها، تأتي مقدمة مسلسل “خالتي قماشة” لمؤلفها “طارق عثمان”، والمخرج “حمدي فريد” عام ١٩٨٣ لتعلن حالة من المبالغة الفنية، تاركة فضاء من الأسئلة التي تناقش ونحاول الإجابة عنها بعد أكثر من ٤٠ عاماً من عرض المسلسل، أسئلة تتجاوز متن النص المرتكز حول نقاطه العريضة، مثل الاستقلال بالسكن، والوصاية الأبوية في الأسرة العربية، إلى أسئلة مرتبطة بالأنظمة الشمولية الأبوية، ومفهوم انزياح الهيمنات الراسخة في المجتمعات الأبوية.. ربما يرى البعض بأنني أشطح في مقالي، أبالغ في الوصف وأتوهم الفكرة التي أسعى لإثباتها.. إلا أنها محاولة لفهم مسلسل درامي، والكشف عن المروية التي لا ننتبه لها إلا بعد أربعين عاماً، ومحاولة للتأكيد على تبني كاتب العمل الفلسطيني الراحل “طارق عثمان” لقضايا مرتكزة على مفاهيم الجنون والوصاية والعدالة والظلم والاستعمار في عدد من أعماله التلفزيونية، مثل “خالتي قماشة”، و”الغرباء”، و”على الدنيا السلام”،و “خرج ولم يعد” وغيرها.. مما يؤكد على أهمية تلقي تلك الأعمال من منظور مختلف.

يبدأ مسلسل “خالتي قماشة” برضوخ الأبناء (حنظل، عادل، سلطان) للأم قماشة التي تتحكم بقراراتهم الشخصية البحتة، مثل قرار السكن الإجباري في منزلها، والوظيفة التي يمتهنها الابن سلطان، اِرضاءً لوالدته، واستكمالاً لمسيرة والده في الطب الشعبي، إلا أن الإشكالية تبرز بدخول “محبوبة” – زوجة سلطان – إلى بيت قماشة، محاولة مناوشة نظام الأم القائم، ومعاداته بالخروج عن دائرته الضيقة، إلى دائرة تحترم قرارات أفراد الأسرة كافة دون التدخل بها، حتى تكشف “محبوبة” بأن قماشة تراقب أبناءها وزوجاتهم بكاميرات مراقبة تجسسية، لتعرف تلك القضايا الصغيرة بين الأبناء وزوجاتهم، وتتمكن من اتخاذ خطوات قادمة تحافظ على نظام “بيت قماشة” القائم، وتحمي تلك الأسرة من خطر التفكك والانهيار.


كيف تصنع قماشة نظاماً شمولياً مقترناً بالكوميديا؟

يحيلني نص مسلسل “خالتي قماشة” إلى مفهوم الأنظمة الشمولية، وهي التي تجعل أفراد المجتمع كافة تحت الرصد، مراقبةً إياهم وتسعى لصنع شخصية أحادية السمات والأفكار، مما يعني خضوع كافة الأفراد إلى وصاية واحدة، تتدخل في الخيارات الفردية، وتهيمن بأفكارها ورؤيتها على المجتمع؛ لتصنع منه مجتمعاً طيعاً، يسير على الوصاية الأبوية ولا ينحرف عنها، وربما هذا ما كانت تسعى “قماشة” لترسيخه في بيتها؛ حيث تقودها عاطفتها نحوأسرتها وخوفها على أبنائها إلى زراعة كاميرات تجسسية على أبنائها وزوجاتهم، وبقرارات حادَّة تمنع أياً منهم من حق الاستقلال بالسكن، ومغادرة بيت قماشة؛ لأن الخروج يعني هدم الأسرة، وتفككها وهذا ما كانت تسعى قماشة لمنعه، فلا متسع في بيت قماشة لأفكار تفكك الأسرة، مثل الاستقلال في بيت آخر، حتى وإن سكن الغرفة الصغيرة ٤ أشخاص كما هو حال “حنظل ونسمة وبنتاهما”، إضافة إلى تحكم قماشة في قرارات فردية خالصة لأبنائها وزوجاتهن، ويظهر ذلك بشكل واضح حينما تملي على نساء أبنائها اللباس المناسب لهن، وتسريحة الشعر التي تفضلها عليهن، بل اختيارها زوجات أبنائها (حنظل وعادل) ورفضها زواج سلطان من “محبوبة” في بداية الأمر، وهذا لا يدل إلا على سيطرتها عليهن كأفراد.
تنبع سلطة قماشة من قوتين هما، قوة العاطفة والخوف، وقوة المادة والإعاشة، التي توفرها لأبنائها وزوجاتهن، مما يجعل تدخلها مقبولاً بشكل تام من أبنائها، الذين يمارسون دورهم الأبوي على زوجاتهن دون اعتراض يذكر على قرارات والدتهم.
يعرف الفيلسوف الإيطالي “جيوفاني جنتيلي” الشمولية بأنها نظام تُذَوِّبُ فيه الدولةُ الفردَ والمجتمعَ في كيان واحد؛ حيث تُسيطر على جميع جوانب الحياة (السياسية، والاقتصادية، والثقافية، وحتى الخاصة)، وتُلغي الحدود بين المجتمع المدني والدولة، وهذا ما تمارسه قماشة في دورها الزعامي في بيتها، فإلى أي حد يبدو بيت قماشة نظاماً شمولياً؟

قد تصف المُنَظِّرَةُ السياسية العَلْمانية الألمانية الأميركية “حنة آرنت” تلك الفكرة بدقة في كتابها (أصول الشمولية) ذلك حين تُعَبِّرُ قائلة : الأنظمة الشمولية لا تكتفي بالسيطرة على الفرد في المجال العام، بل تسعى لاختراق عالمه الخاص، وتدمير أي مساحة للعفوية البشرية.

يتحقق ذلك نسبياً في سياقات عديدة من النص الدرامي حين تطغى تدخلات قماشة مع ابنها عادل، والتهميش من شخصيته، حتى غدا شخصية مهزوزة ضعيفة، كما تتدخل في زواجَتَيْ ابنتها الوحيدة “لطيفة” التي تتطلق نتيجة تدخل والدتها المستمر في حياتها الزوجية، ولا تكتفي قماشة بذلك إنما تهمش من الشغف العلمي الذي تتقنه “محبوبة” وتُحَوِّلُه إلى هامش للاستخفاف والاستنقاص من علمها أمام زوجات أبنائها الأخريات (نسمة وحنان) هادمة جزءاً من سمات شخصية “محبوبة” الجادَّة في سعيها للعلم، إلا أن السياق الكوميدي من العمل يخفف من عرض تلك الأفكار، ويبالغ في كوميديتها بشكل أشبه بتخفيف العمل، وجرعته الثقافية.

البيت قبل الخبز أحياناً” : “محبوبة” التي تناضل، وقماشة التي تتمدد.

تؤسس قماشة سيطرتها على أبنائها استناداً على مروية تقليدية مكررة، نابعة من أبعاد تراثية تستخدمها الأسر العربية؛ لإحكام صلات العلاقات الأسرية للحفاظ عليها، فحماية الأسرة من خطر التفكك، كانت الحجة الأساس التي تدفع قماشة لـمنع الاستقلال السكني لأبنائها، مقابل تأمين قماشة لمصادر الدخل المادي الآمن لأبنائها وزوجاتهم عبر راتبها، وورث الأب الذي يديره ابنها الأكبر “حنظل”، مما يجعل تلك العلاقة أشبه بالمقايضة؛ حيث السكن بمنزل قماشة والتخلي عن حق الاستقلال، يقابله راحة مادية مضمونة خالية من المخاطر، إلا أن دخول “محبوبة” إلى منزل قماشة بأفكارها الخاصة بالحرية والاستقلال، تزعزع من استقرار المنزل وركوده، خاصة وأن سمات شخصية “محبوبة” التي يحاول النص تأكيدها منذ البداية هي الفتاة المستقلة والمستنيرة التي تناكف سلطة والدها سابقاً، وقماشة في بيتها على حد سواء، إذ يقول حجي مرزوق عن ابنته “محبوبة” في إحدى الحلقات: “العقبة الوحيدة الي بحياتنا أهيا محبوبة”.
تؤكد شخصية “محبوبة” على حقيقة وجود النسخة المختلفة بين نسخ متشابهة، إذ رسم نظام قماشة المنزلي شخصيات أحادية لسكان البيت، فــ”نسمة” تشبه شخصية “حنان” في الغباء والتخطيط المستمر للخروج من دائرة قماشة، إلا أن ذلك التخطيط ما هو إلا إشغال قماشة لهما عن تنفيذ رغبتهما في الخروج من المنزل، بينما يتقاطع الأبناء “حنظل وسلطان وعادل” في تقديس صورة الأم، والسعي لإرضائها على حساب راحتهم، وخصوصياتهم الشخصية، واختياراتهم الفردية مقابل الوفرة المادية، التي تغدقها قماشة الأم عليهم .
أما عن وجود “محبوبة”، فكانت الفتاة التي تسعى من خلال وجودها في بيت قماشة إلى قيادة زوجات البيت نحو انقلاب على قماشة وتسلطها، حتى أنها تقود احتجاجاً منزلياً ترفع فيه نساء البيت لوحات اعتراضية كُتب عليها: (أعطني حريتي) و(البيت قبل الخبز أحياناً) و(الاستقلال التامُّ أو الموت الزؤام) لكنها تفشل في مجابهة وصاية قماشة، خاصة، وأنها تقابل اعتراضات نساء المنزل بالمزيد من التهميش والاستهزاء؛ لثقتها بترسيخ سلطتها على أبنائها الثلاثة.. وتلك النسخة المختلفة من شخصيات المنزل، الخارجة عن نطاق التدجين، تمثل وجهاً آخرَ في الرفض وكشف حقيقة الرمز المرسخ للوصاية الأبوية (قماشة)، وكانت قماشة متيقنة بأن وجود محبوبة المتعلمة – على حد وصفها – في البيت يهدد من استقرار الأسرة، ويزيد الأمور سوءاً.
يأتي العمل مرتكزاً على ثيمة ثقافية ثلاثية وهي المراقبة، الحجة الأيدولوجية، الانزياح التفكيكي للوصاية الأبوية. تبرز المراقبة بكاميرات قماشة، والتي تبررها قماشة بحماية أسرتها وأبنائها.

أما عن الانزياح فيتضح عندما تقوض “محبوبة” وصاية قماشة الأبوية بفضح الكاميرات، والتهكم من قماشة، والتي تقابل السخرية منها بإحكام مضاعف على أبنائها، وتعزيز سلطتهم الذكورية على زوجاتهم، إلا أن محبوبة خلال سعيها الأشبه بالنضالي، كانت تقوض من صورة قماشة، وتسخر منها في محاولة لكسر رمزية العناد السلطوي في منزل قماشة، وتنجح في ذلك عبر كسر الثوابت المنزلية لدى أسرة قماشة، حين تكسر ثقة “حنظل” الابن البكر لقماشة الذي يتضح في نهاية المسلسل بأن حبه لوالدته مزيف طمعاً في ثروتها، التي يسرقها في النهاية.
أما عن “سلطان” زوج “محبوبة” فهو خائن لها، ورغم كل ذلك ترسخ قماشة صورة أبنائها أمام نساء المنزل اللاتي يبددن تلك الرموز أمام قماشة، بينما تُصِرُّ الأخيرة على حمايتهم والدفاع عنهم.
قموشة يا نبع الحنان”: ميلاد العائلة من جديد
ذكر الفيلسوفان الفرنسيان “چيل دولوز وفيليكس غوتاري” في أبحاثهما بعلم النفس مفاهيم مهمة، مثل الانزياح واللا توطين والتوطين، وهي مصطلحات ظهرت في سياق مراجعتهما لأفكارعلم النفس، التي رسخها الطبيب النمساوي “فرويد” والمحلل النفسي الفرنسي “لاكان”، وحاولا خلالها شيطنة الدراسات الأولى والنظر لها نظرة متوجسة تربطها بسيطرة النظام الرأسمالي للأفراد، وهي مفاهيم ارتبطت بدراسات لغوية، إلا أن استعانتي لها في قراءة النص الدرامي لمسلسل “خالتي قماشة” تبدو لي غاية ضرورية لفهم النص الدرامي أكثر.
تفكك “محبوبة” الوصاية الأبوية المتمثلة في قماشة، وتنجح في ذلك حين تكشف أمر الكاميرات التجسسية، وتقنع نساء المنزل في أحقية المنزل المستقل عن المنزل الأكبر الذي تتكدس به ثلاث عوائل، بعد ذلك، تسعى “محبوبة” لتوطين نموذجاً جديداً لعلاقات الأسرة، وحدود سلطتها على الأفراد، ولا يتحقق ذلك إلا في الحلقات الأخيرة من العمل الفني، حين تواجه الزوجات قماشة، ويلقين اللوم والعتب عليها إزاء جميع المشكلات الاجتماعية في البيت.
حينها، تؤمن قماشة بحتمية انفراجة وصايتها الشمولية على الأبناء وزوجاتهم، وتزيل تلك الكاميرات، مانحة إياهم حقهم في الحياة والتعاملات الخاصة فيما بينهم، وتمنح عادل فرصته في هواية العزف على العود، ليغني في حفلة ميلاد قماشة.. والذي يحيل إلى ميلاد علاقات العائلة ومفهومها بشكلها الجديد، إذ أزاحت “محبوبة” المعنى القديم المرسخ للعائلة في منزل قماشة، كما أزاح “دولوز وفيليكس غوتاري” شبكة العلاقات القديمة المهيمنة لدراسات علم النفس.
وبينما توطن “محبوبة” الشكل الأمثل لبيت الجدة قماشة تلهو الشخصيات بمفهوم الأسرة الجديد صورتها المختلفة عن الصورة المترسخة سابقاً، وبصورة أقرب لأفكار ما بعد الحداثة.. لا فكرة ثابتة، ولا صورة واحدة للذات وللآخر، بل ثمة تغير وانقلاب وتطور للصور، ولا مجال لصورة ثابتة، أو انطباع راسخ.

الكوميديا والمبالغة.. لنقد الوصاية وجه آخر

يؤكد الفيلسوف الروسي “ميخائيل باختين” بأن للاحتفالات الكرنفالية، والضحك الشعبي دوراً في منح الفرد حريته التي تسمح لمجابهة القيود المفروضة عليه، وكسر حدتها القمعية، وربما يبالغ النص الدرامي لـ”خالتي قماشة” في رسم صورة كراكتيرية لمعظم شخوص العمل، بدءاً من قماشة التي تأتي قوتها من شخصية الأم الحنون، لتصنع في النص مفارقات كوميدية تُعَبِّر خلالها عن وجهات نظر الشخصيات لمفاهيم الحرية والاستقلالية، رغم علو الثيمة الشمولية في بيت قماشة، فجدية قماشة وأبنائها تقابلها ضحك النساء لمواقف تؤكد رفضهن لسلطة قماشة، وسخرية أخرى من أوهام قماشة في التحكم والمراقبة وتضييق الحياة.. إلا أن ابتسامة “محبوبة”، وضحك نسمة وحنان.. ومناوشات الأزواج الصغيرة التي تتابعها قماشة عبر شاشة الكاميرات.. ماهو إلا تهديد حقيقي لوصاية قماشة الزائفة، التي قُوضت مع أول مناكفة ترفض السيطرة على سكان بيت قماشة الكبير، وتؤكد بأن الكوميديا هو وجه الحرية الآخر… وهي الرسالة التي قد اعتنى بها “طارق عثمان” وأراد إيصالها وتأكيدها في مسلسله “خالتي قماشة”.. وربما أشطح في مقالي، أبالغ في الوصف وأتوهم الفكرة التي أسعى لإثباتها.. إلا أنها محاولة لفهم مسلسل درامي، والكشف عن المروية التي لا ننتبه لها إلا بعد أربعين عاماً.


باحث ـ الكويت.


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى