إذاعة وتليفزيون

ضحى السلاب:«لا تُرَدُّ ولا تُستبدل»… حين تصبح السكينة لغة لمواجهة المرض.

ضحى محمد السلاب ★
يُقدِّم مسلسل «لا تُرَدُّ ولا تُستبدل»، من تأليف “دينا نجم” و”سمر عبد الناصر” وإخراج “مريم أبو عوف”، تجربة درامية واقعية مختلفة في تناول مرض الفشل الكلوي، مبتعداً عن المعالجة التقليدية، التي تعتمد غالباً على المبالغة العاطفية. فالعمل يختار نهجاً هادئاً، يجعل من المرض حالة معيشة يومية، وليس حَدَثاً استثنائياً، ويُحَوِّل من الصبر والأمل إلى ممارستين إنسانيتين تتشكلان عبر التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية.

تعتمد بِنية العمل على السرد البصري كأداة أساسية للحكي؛ حيث تلعب الصورة والإيقاع دوراً أكبر من الحوار المباشر، فالكثير من المعاني تُنقل عبر الصمت، نظرات الوجوه، وحركة الجسد المُثْقَل بالمرض. يأتي أداء “دينا الشربيني” مُتّزناً ومُكثّفاً، قائماً على التعبير الداخلي لا الانفعال الظاهر، ما يمنح الشخصية مصداقية ويُقَرِّب معاناتها من المُشاهد دون افتعال.
ففي رأيي أنه أقرب إلى سلسلة من المشاهد المستقلة نسبياً، تتجاور لتصنع حالة شعورية متكاملة، في تجربة تشبه مِنظار الصور القديم (View-Master): نضع العين على العدسة، نضغط الزر، فتتوالى الصور – طيور تحلّق، زرع ينمو ببطء، وأشجار ثابتة في مواجهة الريح.

هذه الصور ليست مجرد زينة بصرية، بل رموز للاستمرار والتجدد والثبات، في مقابل هشاشة الجسد وتقلبات المرض.
كما يُحوِّل المسلسل الطمأنينة إلى خِيار جمالي وفكري في آن واحد؛ فهو لا يسعى لإثارة الدموع بقدر ما يدعو إلى التأمل، مُقَدِّماً المرض كجزء من مسار الحياة، لا كحكاية مأساوية مغلقة.
لذلك يعكس بوستر المسلسل في تصميمه هذه الفكرة؛ حيث يعتمد على الكولاج، أو القصاصات الورقية التي توحي بتشتت الهُوية والذاكرة، إذ توحي قطع الورق المجمعة بأن الأحداث تدور حول حياة مشتتة، أو ماضٍ يحاول الأبطال تجميعه.

واللون الأصفر الباهت في خلفية البوستر يشبه الورق القديم، أو الصور المؤرشفة، مثيراً مشاعر الحنين، وفي الوقت نفسه يُوحي بالمرض والمعاناة، بشكل مُعَبِّر عن الأحداث حول شخصية (ريم) “دينا الشربيني”، مرشدة سياحية تتعرض للإغماء فجأة في طريقها إلى العمل، فينقلها السائق (طه) “أحمد السعدني” إلى المستشفى لتكتشف أنها تعاني من الفشل الكلوي، وتحتاج إلى زراعة كُلى. تبدأ رحلتها مع جلسات الغسيل الكلوي بمساعدة زوجها (نادر) “صدقي صخر”، أهلها، و(طه) في البحث عن متبرع.
في الثقافة الشعبية، عادة ما تُستخدم عبارة (البضاعة المباعة لا تُرَدُّ ولا تُستبدل) في المحلات القديمة كتذكير حقيقي لا رجعة فيه.

يربط المسلسل هذه الفكرة بمعاناة مرضى الفشل الكلوي، وأن الغسيل الكلوي ضرورة مستمرة لا يمكن إيقافها، لكنه ليس علاجاً يُعيد الكُلى كما كانت، وزراعة الكُلى عملية صعبة للغاية وتَتَطَلَّب متبرعاً متطابقاً.
هكذا يظهر المرض كتحوُّل نفسي عميق يُعيد تشكيل علاقة الفرد بذاته وبالآخرين، بما يتماشى مع تصوُّر الطبيب وعالم النفس النمساوي ” سيغموند فرويد ” للمرض المزمن.

لذا نرى أن شخصية (ريم) تعكس هذا التداخل بين الاستقلال والهشاشة؛ عملها كمرشدة سياحية يُظهِر امرأة محبة للحركة والمعرفة، وقادرة على التواصل مع العالم، لكنه عمل غير مستقر يوازي قلقها الداخلي. إصابتها بالفشل الكلوي تُمَثِّل كسراً مفاجئاً لإيقاع حياتها، وتُجرِّدها من وَهْم السيطرة، لتتحوَّل من شخص يقود الآخرين إلى شخص من يحتاج للدعم والإنقاذ.
في المقابل، يُمَثِّل زوجها نموذج الأنانية؛ حيث يرفض فكرة التبرُّع لها رغم التوافق الوراثي، بينما يجسد (طه) الإنسان البسيط القادر على التحمُّل والصمت، الذي يعيش حياة صعبة قائمة على الكفاح اليومي والمسؤولية دون شكوى وذلك من خلال العمل كسائق لتوفير احتياجات أسرته.
وتظهر ابنته (مكة) “لين محروس” معاناة الإعاقة السمعية، ليس فقط كحالة طبية، بل كرمز لعجز (طه) عن إيصال صوته ومعاناته في عالم لا ينصت للفقراء والمهمشين، فيما تعتمد العلاقة على الأفعال أكثر من الكلمات.

وتعبيراً عن مدى المعاناة في حياة (طه) ، نُلاحِظ هشاشة شقيقه (بعوضة) ” حسن مالك” الذي يعيش بلا استقرار، ويعتمد على الهروب بدل التحمُّل، فيما تعكس وفاته نتيجة اصطدامه بسيارة في الحلقة الأخيرة قسوة الواقع، مؤكدة أن الحياة لا تمنح الجميع فرصة ثانية، وأن الفقد جزء أصيل من تجربة المهمشين.
يُقدِّم المسلسل بذلك نموذجاً للدراما الهادئة، التي تحترم وعي المشاهد، مؤكداً أن السكينة أحياناً أصدق أشكال المقاومة.

إنه لا يدعو إلى التمرُّد الصاخب، بل إلى الاعتراف بما نعيشه، وإلى إدراك أن العلاقات لا تُقاس بالكلمات وحدها، وأن الألم والخسارة جزء من التجربة الإنسانية، و الاختبارات الكبرى، تكشف عمق الوفاء وحدود التضحية ، والقدرة على الاستمرار رغم قسوة الواقع , خاصة مع تبرُّع “طه” لزميلته “ريم” بكُليته، وسفره للعمل في الخارج.


★كاتبة ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى