مسرح

حسام الدين مسعد:”التجارب النوعية” و” الفضاء المغاير” من الالتباس المفاهيمي إلى ولادة المعنى.

حسام الدين مسعد★

إن التمييز بين “التجربة النوعية”، و”الفضاء المغاير”، ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة معرفية؛ تُمَكِّننا من بناء جهاز مفاهيمي قادر على قراءة العروض المسرحية المصرية المعاصرة دون الوقوع في التوصيفات التمجيدية أو المفرطة في التعميم، فتسمية الأشياء بِدِقَّة هي الخطوة الأولى نحو تفكيك السلطة الجمالية وإعادة صياغة المعنى، فالملاحَظ أن استعمال هذه المفاهيم كثيراً ما يتم بصورة ارتجالية أو تبجيلية، دون إحاطة دقيقة بجذورها النظرية ودلالاتها الاصطلاحية، ما يخلق حالة من الالتباس النقدي تتطلب مساءلة واعية.

يشيع استخدام “التجربة النوعية” كمصطلح لتوصيف العروض التي تخرج عن السائد أو المعتاد، سواء من حيث الشكل أو الموضوع أو موقع العرض، وقد أثارت توصيات لجنة تحكيم مهرجان التجارب النوعية المسرحية في دورته الثانية، نقاشاً عميقاً حول دلالة مصطلح “النوعية”؛ إذ رأت اللجنة أن مصطلح “التجارب النوعية” [ بات فضفاضاً، وأن كل تجربة مسرحية يمكن اعتبارها نوعية بشكل ما، ما لم يكن هناك معيار حقيقي يحكم علاقة العرض بمكانه، وانطلاقه من فضاء مغاير سواءً كان جراجاً أو ساحة أو حديقة، أي خارج فضاء العلبة الإيطالية التقليدي].

إن التسمية التي اعتمدها المهرجان التابع لإدارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر تحت عنوان ” مهرجان التجارب المسرحية النوعية” تثير تساؤلاً إشكالياً يرتبط بتحديد المفهوم، وقياس مدى دقته وفاعليته في توصيف واقع تلك العروض، خاصة حين يصبح المصطلح نفسه فضفاضاً، ويُستخدم بوصفه لافتة تحتمل كل ما يُراد تمريره من اجتهادات دون معيار علمي أو نقدي واضح.


فالتجربة لا تكون نوعية إلا عندما تُحدِثُ تغييراً في العلاقة بين النص والمكان، وبين المؤدي والجمهور، وبين الأداء والمعنى، وعليه، فالنقد مطالب بتجاوز الاستخدام العشوائي لهذا التوصيف لصالح تحديد معايير دقيقة تستند إلى أثر التجربة في قلب البنية الجمالية والمعرفية للعرض المسرحي.

غير أن التجارب التي قُدِّمَت في مصر تحت لافتة “النوعية” أو المغايرة، يمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :-
١-عرض مسرحي جاهز :- وهو العرض المسرحي الذي كان يعرض في فضاء تقليدي، أوصُمِّمَ ليناسب الفضاء التقليدي، ثم تم نقله بذات الكيفية، ليقدم في فضاء غير تقليدي، أو فضاءات مفتوحة محاكياً الفضاء التقليدي والعلبة الإيطالية في منظوره الأحادي، عبر فتحة البروسينيوم ووضعية المتلقي التقليدية في المشاهدة .
٢-عروض تخرج بنصوص جاهزة، لكنها تُطَوِّعها طبقاً لما توحي به مفردات المكان الجديد…” وهي درجة متقدمة من المسرحة يبذل فيها المخرج جهداً في التقريب بين النص والمكان، الذي يُقَدَّم فيه نوع من المآلفة بينهما، وحتى لا يبدو النص والمكان كلاهما غريب عن الآخر…
٣-عروض تخرج بنصوص مكتوبة خصيصاً للمكان وتستوحي موضوعاتها من المكان ذاته، ونادرة هذه العروض التي يكون فيها المكان المنتخب للعرض محفزاً لصناعته .

لكن الغالب في تلك التجارب المصرية، كثيراً ما تكتفي بنقل العرض إلى موقع بديل (جراج، حديقة، ساحة،….)، دون أن تعيد التفكير في العلاقة الجذرية بين الفضاء والمعنى، أو بين المعطى المكاني وديناميات التلقي.

بهذا الوجود العيني تصبح التجربة “نوعية” في الشكل لا في الجوهر، تفتقر إلى التأصيل المفهومي، وتعيد إنتاج نصوص سابقة بطريقة سطحية لا تستفيد من طاقة الفضاء، ولا تُوَلّد دلالات جديدة.

إن استخدام مصطلح “التجارب النوعية” – إن لم يكن مصحوباً بفهم منهجي ناقد – قد يتحول إلى غطاء يُكرّس التكرار باسم الاختلاف.
وعليه، فإن التوصية التي أطلقتها لجنة تحكيم مهرجان التجارب النوعية في دورته الثانية لتغيير مسمى المهرجان إلى “الفضاءات المغايرة”، قد تبدو هي الأخرى شكلية أو لفظية، ولا تنم عن وعي بأهمية إعادة ضبط المفاهيم، وربطها بأصولها التحليلية والتطبيقية، بما يضمن أن يتم استخدام “النوعية” باعنبارها وصفاً دالاً، وليس مجرد مسمى، فإذا كانت ترتكز هاتيك التجارب التي توسم ب”النوعية” في صناعتها على الخروج بالعرض المسرحي إلى فضاءات مغايرة وغير تقليدية، فيتحتم على صُنَّاعها معرفة دقيقة لتلك الفضاءات قبل الشروع في تنفيذ العرض .

مفهوم “الفضاء المغاير” (Heterotopia):- هومفهوم أطلقه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault) عام ١٩٦٧ في محاضرته الشهيرة “عن الفضاءات الأخرى” (Des espaces autres)، ويعني به أماكن حقيقية، لكنها تختلف عن الفضاءات اليومية العادية، إذ تحتوي بداخلها على أنظمة خاصة بها، وتؤدي أدواراً رمزية، أو واقعية تجعلها تخالف التنظيم السائد للفضاء الاجتماعي والسياسي والثقافي.

تتمثل خصائص الفضاء المغاير لدى فوكو:-
١- كل ثقافة تنتج فضاءاتها المغايرة: مثلما تنتج مؤسساتها ونظمها، تنتج أيضاً فضاءات تختلف في بنيتها ووظيفتها.
٢- تتغير وظائف الفضاء المغاير مع الزمن: مثلاً، المستشفيات أو المقابر كان لها وظائف دينية أو اجتماعية في الماضي، وتحولت اليوم إلى وظائف صحية أو إدارية.
٣- يمزج بين فضاءات متعددة في مكان واحد: كأن يحتوي المسرح على مشاهد من أماكن متعددة، أو أن يخلق المرآة، أو فضاءً وهمياً يعكس الواقع.
٤- ينفصل عن الفضاءات العادية، لكنه متصل بها: كالسجن، هو جزء من المجتمع، لكنه مفصول عنه.
٥- له أنظمة دخول وخروج مختلفة: ليست كل الفضاءات المغايرة متاحة للجميع، بعضها مشروط (كالنُزُل، النوادي الخاصة، المساجد، الكنائس…).
٦- يعكس المجتمع أو يقلبه: أي أنه قد يُظهر قيم المجتمع، أو يعارضها.

قد يُشبه الفضاء المغاير فضاءً معيّناً، ولكنه يمثل نسخة معدلة أو مغايرة له، ومن أمثلة الفضاءات المغايرة:
الفضاءات الثقافية والمؤسسية والخطابية: مثل السجون، المستشفيات، المجتمعات المغلقة، أو حتى الفضاءات الافتراضية.
لكننا نلحظ في تعريف فوكو النقاط التالية :-
١-غموض المصطلح، وتعدديته التأويلية: فوكو لم يُقَدِّم تعريفاً حاسماً أو منهجياً للفضاء المغاير، بل أشار إليه بوصفه فضاءً “آخر”، له قواعده المختلفة عن الفضاء المعياري، وهذا الانفتاح في التعريف يجعل المصطلح فضفاضاً، وقد يؤدي إلى إسقاطات غير دقيقة عند الاستخدام في مجالات مثل الفن أو المسرح أو التكنولوجيا.

٢- نزعة مركزية أوروبية: المفهوم ولد في سياق فلسفي غربي، ويستبطن خلفيات ثقافية عن الفضاء والانضباط والعزل الاجتماعي (السجون، المصحات، المقابر…) تنبع من تاريخ الحداثة الأوروبية، مما يجعله أقل مناسبة عند تطبيقه على الفضاءات الثقافية، أو الفنية في المجتمعات غير الغربية، ومنها المجتمع المصري، والعربي.

٣-الخلط بين الاختلاف والانحراف:”Hetero” في “Heterotopia” تُوحي بالاختلاف أو التغاير، لكن في بعض الاستخدامات، قد تُحمَّل المصطلح دلالات انحرافية (كالفضاءات المنفية أو المهمشة)، ما قد يُضفي طابعاً سلبياً على فضاءات تنتمي للاختلاف الإبداعي أو التجديدي.

٤- قابلية المصطلح للتوظيف السلطوي: ما يُسمى فضاء مغايراً قد يتحول في الواقع إلى وسيلة للتمييز أو العزل (كما في السجون أو فضاءات الأقليات)، وبالتالي فإن توصيف فضاء ثقافي أو إبداعي بأنه “مغاير” قد يُقزّمه أو يعزله عن الفضاء العمومي، بدلاً من أن يوسّع دوره.

مما سبق فإننا نرى أن التسمية المثلى لعروض هذا المهرجان، هي التسمية التي تستخدم مصطلح “الفضاءات غير التقليدية” كنتاج طبيعي ومنطقي للعروض المسرحية والتجارب التي تنفذ خارج العمارة المسرحية .

مفهوم الفضاء غير التقليدي:هي الأماكن التي تُستخدم كمسارح بديلة عن المسارح التقليدية المصممة لاستقبال العرض المسرحي، إذ تتم عملية مسرحة هذا الفضاء باختيار موضوعات وخطاب مسرحي يتناسب وطبائع هذا المكان المعمارية، والجغرافية، والانفلاتية، وقد تشمل هذه الفضاءات الساحات العامة، الأسواق، والمقاهي، والشوارع، والمنازل، وقاعات المكتبات، وحتى المواقع الأثرية، ويكمن هدف هذه الفضاءات في عملية كسر هيمنة العلبة الإيطالية كمكان مخصص لاستقبال العرض المسرحي له شكله التقليدي، هذا من جهة ، أما الجهة الأخرى: لإزالة الحواجز بين الممثلين والجمهور، وتقديم تجربة تفاعلية تُثري العرض المسرحي من خلال استغلال خصائص المكان ذاته.

إن ما يميز العروض الحقيقية في الفضاءات غير التقليدية هو قدرتها على تحويل المكان من حاوية صماء إلى محفّز درامي، ومن خلفية مشهدية إلى مصدر للمعنى.

في هذا السياق، لا يعود الفضاء مجرد بديل عن القاعة، بل جزءٌ من البنية الدلالية للعرض، ويتحول العرض نفسه إلى ممارسة تأويلية مستمرة: فكل خطوة للممثل تُعيد تشكيل الفضاء، وكل تفاعل مع الجمهور يُعيد تعريف الدور، وكل استجابة من المتلقي تفتح أفقاً جديداً للمعنى، وهنا يولد العرض من تفاعل جدلي بين الجسد والمكان والحدث.

إنّ أول سؤال يجب أن يُطرَح عند صناعة عرض في فضاء غير تقليدي، ليس: “ما الذي نريد أن نقوله؟” بل: “أين سنقوله؟ وكيف سيُولد المعنى من هنا؟
فالمعنى في عروض الفضاءات غير التقليدية لا يُملى مسبقاً، بل يُولد من شروط العرض نفسها، فالمكان بتاريخه الاجتماعي وطبقاته الرمزية، يفرض إكراهاته، لكنه يقدم أيضاً إمكاناته، والمؤدي حين يعي هذه الخصوصيات، يبدأ العرض من هذه الإحداثية، لا من نص مفصول عن الواقع.

هذه هي اللحظة التي تتجاوز فيها التجربة “الفرادة الشكلية”؛ لتدخل حيز الإنتاج المعرفي والمعنوي.


★ناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى