محمد القلاف: عبدالعزيز المسلم.. رائد مسرح الرعب الكوميدي في الكويت.


محمد القلاف ★
لولا شخصية “فولستاف”؛ لما استحق شكسبير أن يُعَدَّ من آباء الكوميديا؛ تماماً كما كانت “هربجون” عند موليير، و”فولبوني” عند بن جونسون، كانت شخصية “عبيد” حجر الأساس في عالم “عبدالعزيز المسلم” المسرحي، فهي روح الطرافة، التي رسّخت حضوره الفني، وأصبحت أيقونة لا تفارقه في معظم أعماله.

دلالة الرقم 6
في أحد اللقاءات، تحدث الممثل القدير”عبد العزيز المسلم” عن مسرحيته (البيت المسكون)، وتحديداً عن عنوانها، الذي يحمل الرقم المتكرر “قطعة 6، شارع 6، منزل 6″، أشار إلى أن المسرحية تمثل تجديداً لفكرتها وقصتها، إذ تأتي كامتداد للأجزاء السابقة، وتتناول كيف يتعامل الورثة – الأبناء – مع واقعهم بعد وفاة الوالدين، خصوصاً في ظل بيع وهدم منزلهم المهجور.
ما لفت نظري هو اختيار الرقم 6، لما يحمله من دلالة رمزية، تتجاوز كونه رقماً عادياً، ففي علم الرموز والأرقام، يرتبط الرقم 6 بالجانب الإنساني، ويجمع بين التناقضات كالتوازن والانسجام من جهة، والتردد والضعف من جهة أخرى، وأحياناً يُعَبِّر عن المسؤولية، وخدمة الآخرين.

أما في السياق المسرحي، وخاصة في مسرح الرعب، فإن الرقم 6 يأخذ بُعداً مختلفاً، إذ يُنظَرُ إليه كرمز للشر، بل يمثل رمزاً شيطانياً، كما يظهر في الثقافة الغربية من خلال الرقم 666، الذي يُستخدم في أفلام الرعب، والرموز المخيفة، وقصص قوى الظلام.
وهذا ما نجح “عبدالعزيز المسلم” في توظيفه ببراعة داخل نصه المسرحي؛ حيث تتجسد هذه الرمزية في الأحداث الغامضة للمسرحية، ويُضفي عليها لمسة من الكوميديا الذكية والإبداعية، التي باتت سمة مميزة لأسلوبه المسرحي.
توليفة غير مسبوقة!
يُعَدُّ الدكتور”عبدالعزيز المسلم” أحد أبرز الفنانين في الساحة الخليجية، سواء في الدراما التلفزيونية أو المسرحية. تميَّز بأسلوب كوميدي راقٍ بعيدٍ عن الابتذال، وحضور قوي على مستوى الأداء والتمثيل، ومنذ أن قدّم شخصية “عبيد”، شكّلت له هذه الشخصية نقلة نوعية في مسيرته الفنية، لا سيما في المسرحيات، التي قام بتأليفها وتمثيلها.
لكنّ إنجازه الأبرز؛ كان في ابتكاره وتأسيسه لما يُعرف بـ”مسرح الرعب الكوميدي” في الخليج؛ حيث استطاع الجمع بين الضحك والإثارة والتشويق في توليفة مسرحية غير مسبوقة، وبهذا أصبح اسمه يتردد على المستوى الخليجي والعربي، بصفته أحد روّاد هذا النوع المسرحي.
وقدّم “المسلم” من خلال هذا السياق العديد من المسرحيات، منها: البيت المسكون، نص الليل، ليلة رعب، ساحرة الشمال، قصر الرعب، السحر الأسود، الطابق الثاني، وغيرها من الأعمال، التي يصعب حصرها، والتي ساهمت في استقطاب جمهور عريض من مختلف الأعمار، من العائلات والشباب على حد سواء.

ومن أبرز نقاط القوة، التي تُحسب له، قدرته على جذب كبار الفنانين والممثلين المخضرمين للمشاركة في أعماله المسرحية، وهو ما يعكس الاحترام الكبير، الذي يحظى به في الأوساط الفنية، ويؤكد نجاحه في بناء مشروع مسرحي جماهيري جادٍّ ومغرٍ لكبار النجوم.
مناسب للعائلة
يعتمد مسرح “المسلم” على الإبهار البصري، والمؤثرات التِّقنِيَّة الحديثة، والأزياء اللافتة، والمبالغة المسرحية، التي تخدم السياق الفني، مثل توظيف عناصر الجن والسحر والمواقف المفزعة، دون تجاوز للخطوط الأخلاقية، وقد حافظ من خلال أعماله على البعد الاجتماعي والتربوي، وحرص على أن يكون مسرحه مناسباً للعائلة الخليجية، نابضاً بالمبادئ، ومراعياً للعادات والتقاليد.
وعند النظر في البنية الدرامية لعروضه، نجد تشابهاً بين مسرحه ومسرح (غراند غينيول ) الباريسي الشهير، المتخصص في مسرحيات الرعب، فضلاً عن تقاطعات مع مسرح (مارتن مكدونا) الذي يستثمر الأبعاد النفسية في صناعة التوتر الدرامي، إلا أن “المسلم” أعاد توطين هذه التجارب الغربية، ضمن بيئة خليجية محافظة، مما جعل تجربته متفرّدة في المزج بين الرعب، والكوميديا، والترفيه الهادف.

مؤسس مدرسة جديدة
“عبد العزيزالمسلم” ليس مجرد ممثل أو مؤلف، بل هو مؤسس مدرسة مسرحية خليجية جديدة؛ مزج فيها بين الرعب والفكاهة، ووظّفها لإنتاج عروض تخاطب العائلة والمجتمع، دون تفريط بالهوية، أو تجاوز للقيم.
إنه بحق رائد مسرح الرعب الكوميدي في الخليج، وصاحب بصمة فنية، يصعب تجاهلها في تاريخ المسرح العربي الحديث.

★ناقد ـ الكويت.




