مسرح

أحمد السالم : الأداء الفيروسي.. انشطار الجسد المسرحي وتحوّره في فضاء العدوى الجمالية.

أحمد السالم★


ربما لا يكون الفيروس كائناً بيولوجياً خالصاً، بل فكرة تتقن التخفي، واستراتيجية تسلل لا تعترف بالحضور المباشر. إنه فعل كامن، يحتجب ليتكاثر، ويعيد إنتاج ذاته في الآخر بصمت. لا يقتحم الفضاء بل ينسخ نفسه داخله، لا يُفصح عن نواياه بل يترك أثره في نُسَخٍ من ذاته، تنمو وتتمدد دون أن تُكتشف بسهولة. ومن هذه الزاوية، لا يُمكن مقاربة الأداء المسرحي بوصفه فعلاً تعبيرياً صرفاً، بل كحالة عدوى جمالية تنسج تأثيرها في الوعي وتُشكّل المتلقي عبر أدوات التكرار والتحوّر والتناسخ الخفي.

يشبه الممثل الفيروسي الخلية التي تخضع لانقسام داخلي مستمر، لا من أجل التفكك، بل بغية التضاعف. إنه لا يُقدم ذاته كحالة موحّدة، بل كتشعبات صوتية وجسدية وانفعالية تتوالد في اللحظة ذاتها. كل أداء جزئي منه يُحيل إلى آخر، وكل وظيفة حسية تتناسل لتكوّن نظاماً من الاستجابات المترابطة، التي تتجاوز منطق البنية المتماسكة، إلى فضاء الانشطار العضوي المستمر. هكذا يتحول الجسد المسرحي إلى معمل دينامي، حيث تتوالد الصور والانفعالات لتكوّن منظومة ذات طبيعة هجينة، لا تُقاس بالتماسك، بل بالقدرة على استنساخ الطاقة الأدائية ضمن تشكيلات جديدة في كل لحظة.

لا تأتي العدوى من خارج العرض، بل من داخله؛ لا تنشأ بفعلٍ مباشر، بل عبر إعادة برمجة الإدراك. فالأداء هنا لا يشتغل على إقناع المتلقي أو مفاجأته، بل على اختراق بنيته الإدراكية وإعادة تشكيلها بهدوء. تصبح العدوى هنا آلية فنية تتسلل إلى عمق التلقي، لتعيد كتابة الشيفرة التفسيرية للعقل المُشاهد. العرض المسرحي، حين يتقمص هذه الطبيعة الطفيلية، لا يعود خطاباً يُعرض، بل يصبح كياناً متحوّلاً يعيش في جهاز الإدراك ذاته، وينتج أثره من دون أن يُصرّح بحضوره.

في هذا السياق، لا يُقدَّم الفعل المسرحي بوصفه لحظة منفردة، بل كبنية متوالدة من التبرعم الجمالي. كل إيماءة، كل وقفة أو تنغيم، تُنتج تكراراً مُعدى لما سبقها، وتُعيد صوغ اللحظة الجديدة بملامح مغايرة. وهذا التناسخ المتكرر لا يعني الاستنساخ الآلي، بل تنويع الشيفرة الجمالية داخل العرض، بما يُفضي إلى توليد عرض لا يُمكن تثبيته أو استقراره في هيئة واحدة. العرض يتناسخ لا ليكرر ذاته، بل ليفاجئ وعي المتلقي بهوية جديدة في كل لحظة.

وإذا ما نظرنا إلى هذا الأداء ككائن طفيلي، سنجد أنه لا يُفرَض بالقوة، بل بالتسلل المتكرر والبطيء إلى أن يصير مألوفاً في الوعي، لا يُقاوَم لأنه لم يطلب الدخول. إنه لا يقنع، بل يتكاثر، حتى يبدو الإقناع نتيجة عرضية لتكرار الحضور. العرض المسرحي، في هذه الحالة، لا يترك أثراً بصرياً مباشراً، بل يترك نسخة متخفية في عقل المتفرج، تتضاعف مع الزمن، وتعيد تشكيل علاقة المتلقي بالمسرح، لا كحدث خارجي بل كتحوّل داخلي متواصل.

من هنا، لا يعود حضور العرض لحظة مشاهدة فقط، بل يصبح فعل استيطان إدراكي، يمكن استبدال هذه العبارة بدقة لغوية أدق فنقول: “فعل استقرار جمالي خفي”. فالمتلقي لا يُغادر العرض خالي الوفاض، بل يحمله معه، في شيفراتٍ غير واعية، تتجلى لاحقاً في تأويلاته، وفي استجاباتٍ لم يدرك لحظة نشأتها. نحن لا نشاهد عرضاً في الأداء الفيروسي، بل نُصاب به. وهذا ما يجعل من هذه العدوى بوابة جمالية لما بعد الأداء: أداء لا يُعرّف بشكله الظاهري، بل بآلية تأثيره، لا يُقاس بزمنه بل بقدرته على البقاء في وعينا، كفيروس جمالي يتوارى خلف إدراكنا الظاهري، ويعيد تشكيل علاقتنا بالمسرح كأفق مفتوح على التحوّل.


★باحث ـ العراق.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى