د. سعداء الدعاس: حين يتحول المشروع/الحلم إلى (ملزمة اختبار)!

د. سعداء الدعاس★
يُشكل مشروع التخرج – في جميع التخصصات العلمية – حالة خاصة بالنسبة للطالب / الخريج، الذي يتعامل مع مشروعه باعتباره صورة ملموسة عن أفكاره وقناعاته.
ولعل خصوصية الحالة تصبح أكثر عمقاً بالنسبة لطلبة المعهد العالي للفنون المسرحية عامة، وقسم النقد والأدب المسرحي خاصة، نظراً لطبيعة الدراسة العملية، وما ينتج عنها من مشاريع تشغل فكر الطالب وأدواته طوال العام الدراسي، وتُعد فرصة كبيرة لترجمة مهاراته، التي اكتسبها خلال سنواته السابقة.
ورغم القلق الذي يُحيط بمعظم الطلبة – في قسم النقد والأدب المسرحي تحديداً – أثناء إعداد المشروع، إلا أن العين الفاحصة تستطيع بسهولة ويُسر ٱن تَلمس حالة الزهو والفخر، التي تُدثر ملامح الطالب، وتُغلف طبقات صوته، وهو يتحدث عن مشروعه الذي بات مع الوقت (معادلا موضوعياً) لروحه الصغيرة، وصورة عملية عن تجربته البكر.
حتى أولئك الطلبة الذين لا ينفكون يتذمرون من المشروع والتزاماته، وينتظرون اليوم الذي يتخلصون فيه من أعبائه، ما إن تسألهم عن تفاصيله، تجدهم وقد استعاروا نبرة رسمية للحديث عن منجزهم الأول، بعيون تلمع فرحاً وبهجة، وأنفاس تتسرب من بينها مفردات الاعتزاز والفخر.

ونظراً لعلاقتي الوطيدة بمعظم طلبتي، كثيراً ما استمعتُ لأفكارهم النديّة، واستمتعتُ بقناعاتهم المُحصنة بالحجج والبراهين، وصفّقتُ لخوضهم مرحلة الشك والسؤال، ودُهشتُ لوصولهم إلى محطة الاكتشاف، حتى وإن لم تُشكل اكتشافاً بالنسبة لي.
نقاشٌ محبب لي، ذلك الذي أخوضه مع بناتي وأبنائي، أجمل ما فيه تلك اللحظات، التي يحاول فيه الطالب/الخريج، أن يشرح لي معطيات بحثه، التي يُكررها في كل مرة بشغف كبير، متوقفاً عند دهاليز مشروعه، متأملا الشرارة، التي أشعلت أفكاره، مُعرجاً على الكثير من معاناته، التي يراها بحجم الكون.
كل تلك المشاعر، تتجلى يوم المناقشة، بمعطيات أكثر عمقاً، يقودها كيان ينضح بالأدرنالين، وعيون تشع بمزيج من البهجة والتوتر، استعداداً لخوض تجربة مغايرة، تظل تسكن ذاكرة الطالب طوال حياته، تبدأ محطتها الأولى أمام باب القاعة، في انتظار لحظة المثول أمام لجنة المناقشة.
المؤلم أن كل ما سبق تلاشى مع الريح في العام الماضي، حين فقد قسم النقد والأدب المسرحي، جزءاً لا يتجزأ من كينونته، حيث انتزعت من مشاريع التخرج هويتها، عندما قرر العميد السابق، إلغاء مناقشة مشروع التخرج، وتحويل المشروع (الرسالة) إلى مجرد (ملزمة اختبار)، كما جاء في القرار!
لم يعترض على القرار سالف الذكر، بصورة رسمية، إلا الأساتذة الأفاضل: أ. د. خالد رمضان، ود. علي العنزي، ود. عادل المالك، وأنا، وذلك عبر كتب رسمية أشارت للآثار السلبية، التي يترتب عليها ذلك القرار غير المدروس، وغير المنطقي، والمدفوع بحجج واهية، وأسباب لا أهمية لها، بل إنني كتبتُ كثيراً، وبصورة متتالية اعتراضاً على القرار، ووعياً بخطورة تبعاته.

واليوم، ونحن نقترب من نهاية العام الدراسي، لنودع طلبة الفرقة الرابعة، إحدى أكثر الفرق تمّيزاً في قسم النقد، خلال السنوات الماضية، أطالب بعودة المناقشة للمشهد الأكاديمي مرة أخرى، إيماناً بقدرات بناتنا وأبنائنا الطلبة، واقتناعاً بأحقيتهم في التعبير عن مشاريعهم بأنفسهم، للدفاع عن أفكارهم، والاستماع للملاحظات حول منجزهم، ومناقشتها مع أساتذتهم، بعيداً عن أي قرارات تُحوّل (مشروع التخرج) إلى (ملزمة اختبار)، فتجني على المُتميز الذي بذل الجهد والوقت من أجل هذه اللحظة ، التي افتقدها خريجو دفعة العام الماضي 2021-2022، حيث شهدتُ بنفسي ألم متفوقي الدفعة (أخص منهم: سندس حاتم، ومحمد القلاف، وآلاء البرجس، وعبد العزيز الناصر، وحصة العيسى) الذين عبّروا مراراً وتكراراً عن حسرتهم الكبيرة لعدم خوضهم تجربة المناقشة، التي خاضها كل خريجي قسم النقد من قبلهم، منذ أن تأسس القسم، قبل ما يزيد عن 45 سنة، إلى اليوم.
بوح أخير..
كل التوفيق لبناتي وأبنائي طلبة الفرقة الرابعة في قسم النقد والأدب المسرحي: استقلال هزاع، أسيل القداح، آلاء سليم، حصة الحمدان، حنين سالمه، رنا حافظ، شيخة الحبيب، عبد العزيز الذويب، عبد الملك الذويب، علي صالح، علي الحمداني، غدير حسن، فاطمة الزهراء عاشور، لانا خالد، منيرة العبد الجادر، نواف سرحان.
ـــــــــــــــــــــ
★مديــرة التحريــر




