قصة

روماني لطفي: “أغنية الوالي” لمحمد أبو النجا..مفتاح لفهم أعماق النفس.

روماني لطفي★

بُنيت لعبة الشطرنج منذ العصور القديمة على أن جميع من على رقعتها في حماية الملك، ولكن “محمد أبو النجا” كان له رأي مختلف في مجموعته؛ حيث وظَّف رقعته لحماية شخص بعينه. وصدِّقني، لا أعلم من يُحَرِّك زمام الأمور الكاتب أم “جعفر”، فنحن نقف أمام قطع الشطرنج، يسعى الاثنان إلى إظهار نفسيهما. فالكاتب أبدع في إظهار الشخصيات واستمرارها على وتيرة تصاعدية كي يحافظ على جذب انتباه القارئ، وكذلك البطل الظل الخفي “جعفر”، الذي استخدم القطع لصالحه بعد أن تعلَّم الدرس الأزلي وهو أن السلطة لا تتوافق مع الفن، لكن يمكن توظيف الفن لخدمة السلطة، وما إن تعلَّمه حتى سعى جاهداً إلى تطبيقه، فما إن تظهر قطعة وينجذب نحوها الناس، يسعى خلفها كي يحافظ على توازن قمته التي سعى إلى اكتسابها.

في البداية، نحن أمام قطع فائزة تركها الوالي للتنفيس عن نفسها على أن تكون في صالحه هو، فبعد أن أمر الجميع بالكلمة الواحدة، وهو قرار كان يهدف إلى السيطرة على الأفكار والتعبير، بعدما وظَّف الشاعر تعبيراته لخدمة الفقراء لا لخدمة الوالي.
هذا القرار يتعارض مع طبيعة الإنسان ككائن اجتماعي يتوق إلى التواصل والتعبير عن نفسه، كما أنه يُهدِّد بتدمير المجتمع والمعرفة.

يُمكننا مقارنة هذا السيناريو بأعمال أدبية مثل رواية “1984” لـ “جورج أورويل”؛ حيث يتم استخدام اللغة كأداة للسيطرة على الأفكار، ولكن ما إنِ انطلقت غمضة حتى أتاح لها الملك الحرية للغناء، والتي أصبحت شيئاً مُقدَّساً جداً بالنسبة لـ “محمد أبو النجا”؛ حيث جمع بين الرواية والقصة القصيرة في القالب بـ “المتتالية القصصية”، أي مجموعة من المعالم التي لها دلالتها على خيوط سردية متعاونة، مما يجعلها فريدة من نوعها متعددة الطبقات، كل قصة فيها تبدو كقطعة من لوحة كبيرة؛ حيث ترتبط الخيوط عبر خيوط سردية وفكرية وأشياء كثيرة منها.
هذا ما يجعل القارئ يشعر بأن العمل أكثر خصوصية وترابطاً مما يبدو على السطح.

تتميز أغنية “الوالي” بأسلوبها السلس والمباشر؛ حيث يستخدم الكاتب لغة بسيطة وسهلة الفهم، مما يجعل النص قريباً من قلب القارئ، وقد خلق الكاتب إيقاعاً متناسقاً، بحيث لا يشعر القارئ بالملل أو الإرهاق، لكنني شعرت بالملل في آخر قصة له، فقد تساءلت: لماذا كل هذا السرد؟ وما أعجبني في هذه المتتالية أنها تُركِّز على شخصية واحدة في القصص، مما يساعد البعض في تسليط الضوء على التفاصيل النفسية والاجتماعية.

أما بالنسبة للوصف، فكان بديعاً جداً؛ حيث استغرق الكاتب في تفاصيل هذا العالم الذي صنعه، لكن ما جعلني مستاءً هو عدم تحديده للمكان والزمان، ولكنه قد أتاح له بذلك خلق عالمه دون رقيب خلفه، فلا أحد سوف ينبش في أوراق التاريخ بحثاً عن تفاصيل الحقبة، ولكنه استخدم الجارية “صهباء”، مما دلَّ على عصر من عصور المسلمين الأوائل.

أما بالنسبة للشخصيات التي تمثَّلت من مختلِف فئات المجتمع، يُمكن اعتبار “الوالي” شخصية محورية في الأغنية؛ حيث يُمثِّل السلطة والهيمنة من خلال تصرفاته وتفاعلاته مع الشخصيات الأخرى، يعكس الكاتب العلاقة المعقدة بين السلطة والمواطنين. كما يظهر في النص شخصيات أخرى تمثل الشعب، والتي تتفاوت في ردود أفعالها تجاه السلطة، مما يعكس تنوُّع الآراء والمواقف في المجتمع.

الرمزية في الرواية كانت مدهشة؛ حيث استعان “أبو النجا” بالطيور، فقد جعل للشاعر طيورَ النورس صديقةً له، ورغم أنه كان يلتقطها من باب اللقطة والهواية، إلا أنه استطاع بها صنع مملكته الخاصة وتم من خلالها تأمين طعامه، وظل صديقاً لها لثلاثة وثلاثين عاماً.
بينما على النقيض، كان “جعفر” يكرهها، حيث كانت مصدر توتر وإزعاج له، إذ كانت تُؤثِّر على الإيقاع، السكينة والهدوء الذي وصل إليه، وأي صوت خارجي كان يعتقد أنه سيُؤثِّر عليه بشكل أو بآخر أو يُؤثِّر على سلطته.

كذلك، ريش النورس المتجمع على الباب في زنزانة الشاعر هو صورة تستدعي معنى الحرية المحتجزة.
يمكن اعتبار هذا الرمز إسقاطاً لحالة البطل النفسية؛ حيث يبقى مقيداً بفعل نفسه وجمهوره، كما أن الريش، الذي يخلق منه صورة رمزية، يعكس محاولات البطل لتجميل ضعفه وإضفاء الشرعية على وجوده كقائد.

من خلال الرمزية العميقة التي يستخدمها الكاتب، مثل الأرقام (30 و31 و33)، يبدو أن الرواية تستعرض مفهوم الحتمية في الحياة الإنسانية.
الأرقام تُؤكِّد أن هناك دورات يجب أن يمُرَّ بها الإنسان في سياق وجوده: الموت، الفقدان، الهروب المستحيل، والتمرد الفاشل، لكنه في النهاية قد يجد نفسه متورطاً في حلقة لا نهاية لها من البحث عن معنى وجوده.

ورقم 30 بالتحديد الذي ظهر مرتين في الزنازين والقبور، يصبح رمزاً للتكرار والجمود؛ حيث يُمثِّل الزنزانة والموت والبقاء في حلقة مفرغة من الانتظار.
هنا تظهر فكرة الفيلسوف “جان بول سارتر” عن الوجودية؛ حيث يضع الإنسان نفسه في حالة من الحبس الذاتي من خلال اختياراته والظروف التي تُفرض عليه، لكنه يبقى في النهاية أسيراً لهذه الحالة.

ليس المهم كيف تعيش، ولكن الأهم هو أن تعيش حقاً، فبالرغم من أن الجميع أبطال العمل وصلوا إلى السعادة من منظورهم، إلا أن نهاياتهم كانت ماسوية ، فجميعهم ماتوا جوعاً، ولكن في نهاية الأمر كانوا موتى، والابتسامة على وجوههم.
وهذا هو الرضا الذي يسعى له الجميع: تحقيق الغاية والهدف من الحياة؛ حيث يعكس “محمد أبو النجا” من خلاله النهاية الحتمية للأبطال الذين بدأوا حياتهم بطموحات عظيمة، لينتهي بهم الحال إلى التلاشي والنسيان.
هذا يُشير إلى الحتمية التاريخية التي قد تُصيب جميع الأشخاص الذين يظنون أنهم قادرون على مقاومة الموت، أو الهروب من الواقع.
في النهاية، تنتهي الأساطير، وتختفي الشخصيات، ويبقى الواقع المظلم الذي يحيط بالناس دون حل.


★كاتب ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى