مسرح

نورا عصام : ” غربة “..عالم يُعيدنا دوماً إلى نقطة الصفر ؟!

نورا عصام

كلمات تنبض بالألم ، تُعبِّر عن وجع إنسانٍ عربيٍّ تائهٍ، وسط فوضى الواقع تحاصره القيود من كل اتجاه، هي ليست مجرد ألفاظ تونسية، بل صرخة ضد الغربة، وضد مجتمعٍ فقد هويته بسبب القمع ، وهذا ما يتم رؤيته في عرض “غربة” للمخرج نجيب زقّام، الذي يوضّح مآسي المجتمع التونسي من الاستعمار الفرنسي والقيود المجتمعية، التي أدَّت إلى البحث عن وطن مزيف، يشعر فيه المرء بآدميته المسلوبة.
يوضّح العرض قصة سيدة عاشت في فرنسا، تزوجت من شاب فرنسي ومات ولم تنجب منه، وكانت تعاني من الوحدة، ولم يَعُدْ هناك من ينتظرها في بلادها، فهي أفنت عمرها في وطن زائف كمثل أي لاجئ ، فقامت بنشر إعلانٍ أنها تستقبل أي شخص من بلدها للعيش معها، لعلها تَحُدُّ من وطأة الغربة، وسوف يأتي عندها ثلاث فتيات، كل فتاة لديها تراجيديتها الخاصة.
إن العرض غني بالرموز والإسقاطات، فالسيدة العجوز تُمَثِّلُ الوطن، وهذا يتناص مع مسرحية “الأميرة تنتظر” لصلاح عبد الصبور، فكانت الأميرة عنده تمثل المرأة/الوطن، فكانت السيدة هنا منهكةً عجوزاً، تُمَثِّلُ وطناً مظلماً شابَ من كثرة المآسي الموجودة فيه، ويتم استخدام تقنية الفلاش باك لشرح مأساتها؛ فهي سافرت إلى فرنسا كمثل أغلب التونسيين في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب تقربهم من الفرنسيين والاستعمار في تلك الفترة، فهم كانوا مستعمَرين منهم لمدة 75 عاماً، وتزوجت من شاب فرنسي، وتوفي دون أن تنجب منه، فلم يَعُدْ لديها أحد، فكانت تعاني من الوحدة والغربة، وهذا ظهر في العرض من خلال مونولوجها الطويل وإيماءاتها المتباينة، فهي تعاني من وحدة وغربة.


الفتاة الأولى: تلك الفتاة كانت ترمز للمجتمع الذكوري البرجوازي، فكان والدها من رجال الأعمال، وكانت تعاني من السلطة الأبوية، فقررت الذهاب إلى بلد لا يسلبها صوتها، وتقدر على العيش بداخله حرَّة لا تمنعها أي قوى خارجية .

أما الفتاة الثانية: فكانت تُمَثِّلُ في الوطن الهوية المهلهلة، فكانت تبحث عن الأم (أي الهوية المفقودة)، فهي كانت تسرد أنها لم ترَ أمها منذ ولادتها، وتم الردُّ عليها بأنهم جميعهم يبحثون عن أمهاتهم، فهنا إسقاط على ضياع الهوية، بسبب تدنيس البلد، والحالة الماسوية الموجودة فيها بسبب القمع .

وأخيراً، الفتاة الثالثة: فكانت شخصيتها تُعَبِّرُ عن الثقافة والفكر الموجود في مجتمع يُرفَض فيه الإبداع، ومن وجهة نظري هذه أكبر عقبة فيهن، فصوت المثقف هنا مسلوب، صوت الوعي هنا مرفوض ومدنس؛ فهي تركت بلدها بسبب أن أهلها اعتبروها وصمة عار، وهذا ظَهَرَ في سرد حديثها مع أمها، فهي قالت: “الراس المليان أحسن من الراس الفاضي”، وردَّت أمها أن “الراس الفاضي بيجي يوم ويكسروه”، وهذا ناتجٌ عن انغلاق المجتمع التونسي؛ بسبب فترة الاستعمار، فكان الشعب منعزلاً عن مظاهر الحداثة.
العملية التمثيلية في العرض عبارة عن لوحة فنية تعتمد على الحركة والرقص والغناء، وكل شخصية فيهن استخدمت أسلوبها الإبداعي لوصف حالتها المأساوية، ويجمعهن الحالة الشعورية، فهن يعانين من نفس الأزمة ويجمعهن المستقبل المظلم، ويحاولن البحث عن “الباب” في العرض الذي يرمز إلى الأمل أو النور، فكما قال سعد الله ونوس: “نحن محكومون بالأمل”، فهن يبحثن عن الامل من خلال الباب.
العناصر المرئية في العرض محدودة، لكنها ملائمة للأحداث؛ فالديكور ما هو إلا فراغ أسود يُعَبِّرُ عن سوداوية الغربة، وثلاث شنط سفر، وهذه ترمز لفكرة الحياة المتنقلة عند اللاجئ، وعدم الانتماء للمجتمع الآخر، وفي داخل كل حقيبة هوية صاحبها، وأكملت الإضاءة هذه الحالة الشعورية للعرض، فكان العرض أغلبه خافتاً مع إضفاء نور بسيط لنقل فكرة العزلة للمتلقي، ويوضح فكرة الفراغ الذي تعاني منه الشخصيات، وإسقاطاً لفكرة المجتمع المظلم الذي يحوطه بصيص من الأمل.
والموسيقى في العرض منقسمة بين غربية تصف حالة الاستعمار وتأثير المجتمع الفرنسي على المجتمع التونسي في أغنية (Les valses de Vienne) التي رقصت عليها المرأة العجوز في بداية العرض، وعربية للتسليط على محاولة التمسك بالهوية؛ فمثلاً أغنية “كلام الناس” للفنان جورج وسوف التي أشغلتها الفتاة الثالثة، كانت بمثابة ردٍّ على كلام أهلها (أي مجتمعها) بأنها سوف تظل تحتفظ بثقافتها وعلمها، ولن تخضع للواقع المنغلق المظلم المملوء بالجهل والقمع.

 


من وجهة نظرنا، أن حالة العرض لا تصف المجتمع التونسي فحسب، بل هي مرآة لكل المجتمعات العربية، التي ما زالت تعاني من الاغتراب الداخلي والخارجي، فالغربة التي قدّمها المخرج ليست مجرد مكان، بل حالة شعورية يعيشها الإنسان العربي منذ عقود، تظهر في فقدان الهوية، والبحث عن الذات وسط وطن لا يمنح أبناءه الأمان بسبب الاستعمار، وبسبب تزمت المجتمع وانغلاقه، وعدم قابليته للتقدم .
ومن خلال الرموز الثلاثة العجوز، والحقائب، والباب   يضعنا المخرج أمام تساؤل جوهري، هل ما زال لدينا أمل في العودة، أم نكمل غربتنا وحدنا؛ لأن واقع عالمنا لا يحتوي على المنفذ، أو الباب الذي نستطيع الخروج منه
إننا جميعاً، مثل شخصيات العرض، نحمل حقائبنا ، نبحث عن “باب” يفتح لنا ضوء الحياة، فكلنا محكومون بالأمل، لكننا أيضاً محاصرون بالانتظار، نحاول أن نرتقي وسط عالمٍ يعيدنا دوماً إلى نقطة الصفر.


★خريجة قسم الدراما والنقد المسرحي ـ جامعة عين شمس ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى