سيف الأمير: “عايش إكلينيكياً” عرض جريء يكسر تابوهات الحياة


سيف الأمير★
تُعَدُّ مسرحية “عايش إكلينيكياً” للمخرج “أحمد فتحي شمس” من الأعمال التي جمعت بين التأمل الفلسفي، والطرح التجريبي، بأسلوب كوميدي سوداوي متميز. وقد استخدم “أحمد فتحي شمس” تقنية تجسيد الحالات النفسية للشخصية الرئيسية عبر شخصيات مستقلة، مما خلق توازناً بين الواقع والتجريد، وكان الأداء الجماعي منظماً بصورة دقيقة، والانتقالات بين المشاهد، تمت بانسيابية تعكس سيطرة إخراجية ووضوحَ رؤية فكرية، وقد اختار المخرج تسليط الضوء على العقل الباطن كمساحة صراع، فجعل المسرح أشبه بفضاء داخلي تتجسَّد فيه الأفكار والمشاعر.

ويتميَّز النص المسرحي بأنه متعدد الطبقات، يحمل في طياته تأملات حول الحياة والموت والهوية، ويطرحها بلغة أقرب إلى اليومي الممزوج بالرمزية، فجاء الحوار ذكياً ويعكس عمقاً نفسياً وفلسفياً، مع جرعات من السخرية والتهكم، اللتين تخففان من ثقل الموضوع. وتصاعد الأحداث يعتمد على التحليل الداخلي للشخصية أكثر من حبكة خارجية، ما يناسب الطرح التجريدي للعمل.

وتدور القصة حول شخصية تجد نفسها بين الحياة والموت، فتدخل في حوار مع جوانبها النفسية؛ لتكتشف ذاتها المعقدة؛ حيث الحبكة قائمة على التحولات النفسية والشعور بالانفصال عن الواقع، مما يُضفي طابعاً وجودياً فلسفياً للمسرحية، ولا تعتمد القصة على تسلسل تقليدي، بل تتخذ شكلاً دائرياً يعكس الحالة الإكلينيكية النفسية للشخصية.

وتميَّز التمثيل بالأداء الصادق الداخلي والانضباط التعبيري، خاصة في مشاهد التناقضات والصراعات النفسية؛ حيث قدَّم الممثلون تحولات شعورية سلسة، تعكس خبرة في تجسيد المفاهيم المجردة، وحضور “مصطفى حزين ونهلة كمال” كان طاغياً من حيث القدرة على إيصال العمق النفسي والفكري للمشاهد.
وجاء الاستعراض من تصميم “محمد بيلا” مواكباً للفكرة؛ حيث استخدم الحركة كوسيلة تعبيرية عن الصراع الداخلي والتشتت الذهني، ولم تكن الرقصات للزينة، بل كانت جزءاً من السرد المسرحي، تكمل الحالة النفسية والانفعالات.
وكانت الموسيقى والأغاني من ألحان “أحمد شعتوت” موائمة لحالات الشخصية، فقد مزج بين الإيقاع التأملي، والموسيقى التصاعدية في لحظات التوتر، وجاءت الأغاني مدمجة داخل نسيج العرض، فكانت وسيلة تعبير، وليست إضافة مستقلة.

وتميَّزت السينوغرافيا من حيث الديكور الذي جاء بسيطاً، لكنه غنيٌ بالرموز؛ حيث تم استخدام عناصر مثل السرير والستائر والعتمة؛ للدلالة على الحالة الذهنية، ولعبت الإضاءة دوراً محورياً في تغيير الأجواء النفسية، بتدرجات مدروسة، من الأبيض الباهت إلى الأزرق القاتم.
أظهرت الإدارة المسرحية من حيث إدارة خشبة المسرح من “أيمن جيكوب” تنسيقاً دقيقاً للعناصر التقنية والبشرية، خصوصاً في التنقلات الزمنية والمكانية، وقد ساهم المخرجان المنفذان “سامر العربي ومحمد الشيضي” في الحفاظ على إيقاع العرض واستقرار الأداء ضمن الرؤية العامة.
تُعَدُّ المسرحية تجربة مسرحية فريدة ومركبة، جمعت بين التجريد الفلسفي، والطرح الفني، بأسلوب تجريبي محكم.
يتضح جهد جماعي محترف بقيادة “أحمد فتحي شمس” لإيصال حالة إنسانية غامضة بكثير من الذكاء والصدق الفني.
★كاتب صحفي.




