مسرح

سيف الأمير: خالد جلال يعزف “حواديت” بأوتار أولاده.

سيف الأمير

في ليلة فنية استثنائية، شهد جمهور المهرجان القومي للمسرح المصري عرضاً يأسر الحواس ويحاكي الوجدان، بعنوان “حواديت” ، من إخراج” خالد جلال” وتقديم شباب مركز الإبداع الفني؛ حيث يُعيد العمل الفني تعريف المسرح كمرآة نابضة بالناس؛ حيث تتشابك الحكايات المتنوعة لتكشف طبقات النفس، وهموم المجتمع، وأحلام الإنسان العادي في وطن يتغيَّر.

نجح “خالد جلال” في تقديم رؤية إخراجية مفعمة بالحيوية، جمعت بين الطرافة والعمق. فالعرض شمل حوالى 40 موهبة تحرَّكوا بتناغم استثنائي، في مشاهد سريعة الإيقاع، دون أن تفقد تماسكها أو رسالتها. اِستطاع المخرج ببراعة أن يُحوِّل المسرح إلى ورشة حكي حية؛ حيث يتحول كل مشهد إلى مرآة لواقع ملموس أو حلم مسكوت عنه، من خلال إخراج مسرحي ناضج وذكي ومفعم بالحيوية والإبداع.

فنعم، لقد أبدع “خالد جلال” في صناعة حالة شعورية وبصرية، يمزج بين المتناقضات، ويستخدم تقنيات كسر الإيهام والمسرح داخل المسرح بأسلوب بريختي، فيدفع المتفرج للمشاركة والتفاعل بدل المشاهدة فقط. إخراجٌ حيوي يعتمد على توزيع الأضواء الحسيّة بين الممثلين بحرفية نادرة

اِعتمد النص المسرحي على التوليف بين تجارب إنسانية واقعية، بل إن بعض الحكايات مأخوذة من قصص حقيقية لأبطال العمل أنفسهم، مما أضفى صدقاً وحرارة على الأداء.
الحوار تنقَّل بسلاسة بين الفصحى والعامية، مما قرّب العرض من قلب المتفرّج دون أن يُفقده رقيه الفني، من خلال قصص حية متقنة تنبض بالصدق، ومن أكثر الحواديت إبداعاً كانت حدوتة الجنين “أحمد أيمن حسين”، ومن أعلاها كوميدية كانت حدوتة الأسرة المحبوسة مع بعضها أثناء حظر الوباء، ومن اعلاها دراماتيكية وكوميدية كانت الزوجة المغربية محبة الأوبرا والمتصارعة مع زوجها حول المشاركة الزوجية، حواديت كلها تمسُّ واقع حيواتنا، ولكن من خلال رؤية عميقة وطرح بسيط جذاب.

 

إنه صوغ متقن لحِكايات متلاحقة، تجمع الكوميديا بالتراجيديا، وتمسُّ قضايا اجتماعية معاصرة كاليأس، والتنمّر، وغلاء تكاليف الزواج، والتباعد الاجتماعي وغيره.
القصص تحمل رسائل عن أهمية الاحتواء وفهم الآخر، وتنفير الأنانية، مع بنية دراماتورجية تنبض بالحياة، وتحمل في طياتها نقداً اجتماعياً لاذعاً وتحفيزاً على الأمل والتغيير.

برزت في العمل مجموعة من المواهب الجديدة، التي تركت أثراً واضحاً على المسرح، مثل “شيرى أشرف، ونادين خالد، ويوسف مصطفى، وصلاح الدالي، وأحمد شاهين” وآخرين.
تميَّزَ الأداء بالتنوع بين التراجيديا والكوميديا، واستخدم الممثلون أدواتهم الجسدية والصوتية بانضباط واحترافية لافتة، مقدمين تمثيلاً جماعياً يضج بالحياة ومتوَّج بالحب المتبادل الواضح، الذى نجح
المخرج ببراعة في زرعه فى روح الفريق.

قدَّم “أحمد الشرقاوي و رنا عطوفة” موسيقى ملائمة لكل مشهد، بينما أتت أغنية النهاية “العفريت” من تأليف “شهاب العشري” كنقطة تتويج تجمع بين الراب والطابع القصصي، مما أعطى العرض نَفَساً شبابياً عصرياً دون أن ينفصل عن هويته المسرحية، فنجحت الموسيقى والأغاني فى إضافة نكهة خاصة بتميُّز وتألق.

أداء جماعي نابض، يجمع حوالى ٤٠ موهبة شابة، شحذهم المخرج بدورات احتضان وتحفيز، حتى وصلوا لأداء عاطفي صادق ومُتقن.
واضح الجهد في توظيف طاقة كل ممثل لصالح الحكاية، وتحقيق تناغم مذهل بينهم على الخشبة.
ديكور العرض، من تصميم “محمد الغرباوي”، في استخدام رسوم قصصية تُغلف المسرح من الجهات كافة، ما عكس خصوصية العنوان “حواديت” جاءت الإضاءة والفيديو بتكامل محسوب، دون مبالغة، ونجحت في تعزيز ما تحكي وتُلمِّح إليه السينوغرافيا بهدوء وبراعة.

ويعكس العرض مجهوداً واضحاً في إدارة الوقت والكوادر، فكل لحظة بدت محسوبة بأدق التفاصيل وبالفيمتوثانية، وكل حركة على المسرح كانت في موقعها. يتجلّى ذلك في قدرة المخرج على احتواء الطاقات الشبابية وتوجيهها نحو التعبير الفني العميق والصادق، مع وجود إدارة مسرحية دقيقة ومنضبطة.

“حواديت” ليس مجرد عمل فني، بل هو رحلة في دواخل الإنسان، يضرب بجذوره في أعماق النفس، ويحلّق فوق هموم المجتمع، ثم يُنهي رحلته بضحكة، أو دمعة، أو لحظة تأمل، هو مختبر مشاعر، ومرآة مجتمع، وتجربة تطهّر القلب وتمنح أملاً لكل صاحب “حدوتة”.. عرض متكامل أكد مجدداً ريادة “خالد جلال” كصانع للفرجة ومحتضن للمواهب وصاحب مشروع مسرحي متجدد، يقف أمام الفرقة فى جانب أحد الكواليس كأب ينتظر أبناءه خارج لجنة الإمتحان، يمنحهم الحب والقوة، فتتوهج موهبتهم ليتفوقوا من أجل أبيهم الفني والروحي ومن أجل أنفسهم، إنها ملحمة من الأبوة الفنية والبنوة المدينة بإثبات الامتنان وردِّ الجميل بإثبات الجدارة الفنية.

عرض يليق باسم المسرح المصري.. ويستحق أن يُعاد عرضه في مواسم متعددة ليظل ينبض بالجمال، ويُخاطب الضمير الجمعي والفردي والفني.


★ كاتب صحفي.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى