حيدر محمد: قراءة في مسرحية ” حين يتكلم التراب”.


حيدر محمد ★
مسرحية (حين يتكلم التراب) تأليف وإخراج “سَجَّاد علاء”، تقديم مؤسسة متون للثقافة والفنون، والتي عرضت على خشبة مسرح كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، ضمن مهرجان ينابيع الشهادة المسرحي، الدورة الحاديةَ عَشْرَة، تحت شعار ( الحسين صوت الأحرار، وعنوان الإبداع)

يحمل العرض المسرحي «حين يتكلم التراب» مقاربة جمالية وإنسانية عميقة، تندمج فيها الذاكرة الجمعية مع الألم الشخصي، ليتجلَّى ذلك ضمن لغة مسرحية تجمع بين الصورة الحسية والرمز والفعل الدرامي.
يبدأ العرض بمشهد بصريّ، لوحة دادا شوب تستحضر الأرض المبللة بفعل المطر، وبعض النباتات النابتة رغم القسوة، وكأنها إشارة من المخرج إلى خصوبة الأرض الممتزجة بدماء الشهداء، ومن ثَمَّ ينتقل مشهد خلف الستار الضلال والمسير إلى الإمام الحسين؛ حيث تبدو الرايات وكأنها امتداد روحي للتاريخ الجمعي الذي لا ينقطع، وهو ما يمهّد للانتقال إلى قلب المأساة الإنسانية.

هنا مشهد الظلال يكشف هذا الألم أبٌ يبحث عن طفله الضائع، وأمٌ تشاركه اللوعة، ثم يقع حدث أثناء البحث يمزق جسد الأب إلى أشلاء؛ هذا الحدث لا يعمل درامياً فقط كذروة، بل أيضاً كرمز للواقع القاسي الذي يمزق حياة الأفراد، ويفرض على ذاكرتهم وجداناً مثقلاً بالخراب.
ثم يدخل العرض إلى مساحة أكثر خصوصية، هناك غرفة تحمل مزيجاً من رموز الحياة والموت: معطف على كرسي، طبلة مقلوبة تعلوها كتب مغبرة بالتراب، ساعة يد وزهور ذابلة، هذه التفاصيل بأشكالها تعمّق الإحساس بمرور الزمن وفداحة الغياب، يجلس الشاب يرتدي المعطف ليعاتب والده الغائب؛ هنا نلاحظ تقاطع الفعل الدرامي مع خطاب داخلي؛ حيث تتحول الذاكرة إلى مساحة مواجهة مع فقد الأب.

إن حضور البدلة العسكرية المعلقة على الجدار، وصورة الأب المتدلية من السقف والمغطاة برداء أسود، تكثّف لنا حضور الراحلين في حياة الأحياء، إزالة الرداء الأسود من قِبَلِ الابن عن الصورة تكشف عن حقيقة الأب الشهيد، كأن العرض يقول إن الحقيقة الأليمة لا تختبئ خلف السواد، بل تعيش في القلب والذاكرة، بينما صوت الأب من فضاء المسرح يتحوَّل إلى ضمير حيّ يحث على الصبر والتضحية، وعملية رفع التراب من أسطح الكتب يتحوَّل بدوره من مجرد مادة صامتة إلى حامل للذاكرة والألم، يعاتب الشاب ويلوم التراب؛ لأنه ضمّ إليه الأب، في مشهد يجسد الصراع بين الفناء والرغبة في الإبقاء على الأحياء، وفي هذه الأثناء تظهر على خشبة المسرح مرأة مهووسة، ترتدي الثياب السوداء تحمل بكلتا يديها البسطال العسكري، وتتحدث مع الشاب وهي في حالة إنكار لفقدان زوجها، هذا المشهد يضيء جانبًا من أثر الفقد على النساء، وحالة الجنون التي تولّدها الحرب، يأتي دور دخول شاب آخر، كف يده اليسرى مبتورة، يفتح لنا باباً للمواجهة بين مَن بقي حيًا رغم الألم، ومَن يعيش بذاكرته في رحاب الموتى، يتحاور الشابان حول معاني التضحية، والوطن، والزيارة الحسينية، فيكشف الحواربينهما عن وعي جمعي يتجاوز الفقد الفردي إلى قيمة كبرى، وهي الاستمرار في المسير رغم الجِراح، الابن الشاب يفرش سجادة الصلاة وسط تلك الغرفة، وتلك الأحداث، وذلك الصراع، ورذاذ ذلك التراب، وصدى الأذان والنعي، كأن الصلاة هنا فعل مقاومة، ومساحة طهارة، وسط دنس الحرب والدمار.

بالتالي فإن مسرحية (حين يتكلم التراب) ليست عرضاً يُقَدَّم فحسب، بل يستحضر الذاكرة عبر جماليات الصورة، ورمزية الأشياء، وصوت وصور الغائبين.
العرض هنا حاول أن يجعل من التراب كائناً متكلماً، يبوح بأحزان الأرض، وأحلام من ساروا عليها.
فشكراً جزيلاً لكل الداعمين والقائمين على المهرجان المسرحي والمشاركين، من نقابة فنانين ومبدعين وأساتذه ونقاد مسرحيين وضيوف كرام، وشكراً للأستاذ الدكتور”عامر صباح المرزوك” لتلك الجهود الجبارة المبذولة لإقامة هذا المهرجان.
★ ناقد ـ العراق.




