إذاعة وتليفزيون

محمد القلاف: مسلسل “أمي” بنسخته السعودية: دراما تلامس المشاعر، أم طرح متحفّظ لقضية شائكة؟!

محمد القلاف

بعد انطلاق البث التلفزيوني، وتقديمه مجموعة متنوعة من البرامج، من ضمنها المسلسلات والمسرحيات والأفلام، تطوّر المشهد الإعلامي مع مرور الوقت، لتظهر منصات رقمية مثل “شاهد” و”شاشا” وغيرها، التي بدأت تتنافس فيما بينها من خلال إنتاجات درامية متنوّعة ومحتوى موجَّه لجمهور أوسع.
تميّزت المسلسلات في هذه الفترة عن سابقاتها، واشتدت المنافسة بينها بعد انضمام نخبة من كبار الممثلين المخضرمين، ممّن يمتلكون خبرة طويلة في مجال التمثيل، ونتيجة لذلك، برزت أعمال عدّة تحمل عناوين لافتة، تستحق المشاهدة، سواء كانت محلية، أو بطابع عالمي.
نسخة سعودية عن اليابان!
الدراما العابرة للمحيطات، وهو المسلسل الياباني (أمي) الذي أُعيدت صياغته في تركيا، ونال مشاهدة كبيرة هناك، ثم وُلدت لاحقاً في هذا العام 2025 النسخة السعودية التي تركت أثراً واسعاً في الجمهور السعودي والوطن العربي، كأول معالجة خليجية له.
هذا المسلسل أبحر بنسخ متعددة وفي دول مختلفة، فهو لم يكن محصوراً في تركيا والسعودية، إنما البلدان التي أخذت هذا المسلسل هي: كوريا (Mother)، الصين (Imperfect Love)، فرنسا (Sauver Lisa)، أوكرانيا (The Choice of Mother)، إسبانيا (Heridas)، منغوليا، تايلاند، الفلبين، كل نسخة قدّمت تأويلاً خاصا للثيمة الأساسية عن الأم، أي “امرأة تنقذ طفلة مضطهدة تحت غطاء الأمومة والحنان والعطف”.
السؤال هنا: هل نجحت النسخة السعودية في محاكاة هذا النص الإنساني العابر للقارات؟ أم أنها وقفت عند حدوده، دون أن تخوض عمقه؟
هذا ما سوف نحاول تحليله في السطور التالية:
النسخة الأقرب للقلب: الأصل (اليابان) أم النسخة (تركيا)؟
صحيح أن المسلسل بنسخته الأولى، اِنطلق من اليابان الذي قدّم صورة متجرّدة للأم البديلة، وسط مجتمع يعرف عنه طابع التحفّظ والصرامة، إلا أن النسخة التركية أُصبغت عليها المشاعر والأحاسيس كما في مسلسلاتها، لكنها حافظت على العمق النفسي للشخصيات.

أما النسخة السعودية فكانت حذرة اجتماعياً في الانفتاح الدرامي، أي خلقت توازناً دقيقاً قدر المستطاع، لا نقول الوصول إلى الكمال، ولكن اجتهاد محمود.
من هنا، القائمون على هذا المسلسل أخذوا النسخة التركية لما فيها من تأثير، وهي الأقرب للمشاهد العربي من ناحية العاطفة والمشاعر، والعلاقة الثنائية بين العنف والحنان، وكون المسلسلات التركية أخذت حيّزاً كبيراً في الوطن العربي، ولكن النسخة العربية كانت مترددة بسبب قضايا جريئة صعب تناولها علناً ولم تأخذ حقها، وهي ما يخص الإجهاض والعنف الأسري.
مسألة الأمومة والأم البديلة فيها حساسية للقصة، فنجد هذه النسخة السعودية، تفتقر إلى البُعد التراكمي للمشاعر، أي الشعور منذ حضور المعلّمة لمنطقة البنت الصغيرة، خاصة كالعثور على الطفلة في القمامة، أو قرار الهروب عند المرسى، فقد كانت مفاجأة للمشاهدين لأنها غير مدعومة بمشاعر متأججة، وكأنه خطاب مكتوب لا محسوس، معلّب بالمشاعر والأحاسيس، من هنا قَلّلت وضعَّفت صدق العاطفة، أي الصدق (الدرامي وليس الواقعي).

وكذلك الفرق بين النسختين التركية والسعودية، يكمن في مسألة العنف، فالقصة تتمركز حول العنف الأسري في المنزل، ولكن النسخة العربية كانت حذرة في بيان آثار العنف في جسد الطفلة، إلا في مواضع فيها خجل، حتى الضرب لم يكن مباشراً وواضحاً، بل كان خلف الكواليس.
وهنا نتذكر دور العنف ما بين الإغريق والرومان: الإغريق لا يظهرون العنف مباشراً، أما الرومان فكانوا لا يخجلون من إظهاره، وهذا هو الحال بين النسختين.

السعودية تمثّل (الإغريق) والتركية (الرومان).
تهميش دور المدرسة، وغياب أسس التنشئة التربوية المتوازنة.
الملفت في المسلسل أن البطلة الرئيسية هي إدارية تحوّلت إلى معلمة مؤقتة، وتعاونت مع زميلتها المعلمة لإنقاذ “بسمة”.
ومن المعروف أن دور المعلم في المجال التربوي جوهري، وإن كانت هناك مشاكل من هنا وهناك، إلا أن الحالة التعليمية التربوية لها دور كبير في حماية الطفلة.

بينما لم نجد تفاعل الإدارة أو الأخصائية الاجتماعية للإبلاغ عن حالة العنف بالتنسيق ما بين المعلّمة وإدارتها لحماية الطفل، وهو الدور المفترض للمدرسة.
قد يكون السبب هو غياب القوانين التي تمكّن المدرسة من حماية الطفل، فتحوّلت مسؤولية حماية الطفلة إلى دور فردي للمعلّمة نابع من مسؤولية شخصية.
من هنا، خُلقت فرصة جيدة لتقديم رسالة حول أهمية المدرسة، ودور المؤسسات التعليمية كحاجز أولي في التصدي لقضايا الطفولة والعنف الأسري في حال وُجدت القوانين التي تحمي وتقوّي الإدارة المدرسية عند مواجهتها لمثل هذا التحدي.

غياب القانون والهوية الرسمية
في المسلسل، تبيّن لنا كيف كانت المعلمة والطفلة تتنقلان من مكان لآخر دون التدقيق الواقعي، فالمعلمة تقوم بأفعال غير قانونية، مثل أخذ بنت ليست ابنتها، وتزوير هويتها بأسماء أخرى شفهياً، من محطات الباصات إلى نقاط التفتيش، وعدم إبراز كرت العائلة.
ومن هنا أصبحت الحبكة ضعيفة وهشّة ومتساهلة ومتراخية، ونحن نعلم صرامة التفتيش والتنقلات ليست بهذه السهولة، مما أضعف الحالة الدرامية، وقلّل من مصداقية النسخة العربية.

وجه السعودية الحضاري

المسلسل قدّم السعودية كوجه حضاري منفتح، قادر على الإنتاج الدرامي بتنوّعه، سواء مسرحي أو مسلسل أو فيلم، وخاصة الدراما الاجتماعية كقصة (أمي).
وعلى الرغم من حساسية القضايا كحماية الطفل، ومهنية العمل الصحفي، ودور المحاماة بين الواجب والخذلان، كانت تصوّراتهم مثالية أكثر مما يعيشونه كبشر عاديين واقعيين. وبالنسبة للمحاماة، كان يُفترض أن يكون للقضاء دور كبير في معالجة هذه القضايا، كونهم جزءاً منها، مثلهم مثل رجال الشرطة الذين كان لهم دور كذلك.
وأما التصوير، فقد برعوا في تصوير مناطقهم وتعريف المشاهد بها كنوع من أنواع السياحة، وهذا كان على لسان أبطالها.

الوجه الخفي للأمهات والآباء (قراءة في الشخصيات)
الجَدَّة – أم زوج فاطمة (الدور المحوري):
قدّمت الممثلة القديرة “أسمهان توفيق”، إحدى رائدات الدراما المسرحية والتلفزيونية، دور الجَدَّة، رغم كونه دوراً ثانوياً، إلا أنه اتّسم بمحورية انتقامية، إذ كانت تسعى للانتقام لابنها من فاطمة.
التحليل: الجَدَّة شخصية قوية، عزّز من حضورها خبرة “أسمهان” الطويلة في التراجيديا، مما جعل أول ظهور لها مهيباً، غير أن هذا الاندفاع الانتقامي فشل بسبب سقوطها الدرامي المفاجئ.
ملاحظة نقدية: رغم أن الدور ثانوي، إلا أن تأثيره في مجرى الأحداث رئيسي، وكان من الأفضل التمهيد له بشكل أوسع منذ الظهور الأول.

فاطمة – أم مريم (الدور المحوري):
أم سجينة تعود إلى الحياة مجدداً، وتحاول التقرب من ابنتها مريم، تكفيراً عن ذنبها بتركها في صغرها.
التحليل: خرجت من السجن بعد إنهاء محكوميتها، وبدأت رحلة البحث عن ابنتها، وعندما وصلت إلى مكتب المحامية “نورة” التي تبنّت الطفلة، أبرمت “نورة” اتفاقاً مع فاطمة على أن تبتعد تماماً عن ابنتها البيولوجية “مريم”، ثم تطوَّرت الأحداث بعد أن علمت “مريم” بالحقيقة، ورفضت تقبّل والدتها، مما فجّر صراعات درامية معقّدة.
ملاحظة نقدية: عدم الإفصاح عن سبب سجن فاطمة، والمط في كشف هذا الجانب، أحدث ارتباكاً لدى المشاهد، كان من الأجدى كشف خيوط هذا السر تدريجياً؛ لصنع حبكة منطقية ومتّصاعدة.

مريم – المعلمة (الأم البديلة) (الدور المحوري):
شخصية رئيسية متناقضة بين الجرأة والخجل، تسعى للتكفير عن ماضيها من خلال حماية الطفلة بسمة.
التحليل: نجحت في كسب تعاطف المشاهد، خاصة بعد أن خطفت الطفلة واعتنت بها، لكن تصويرها كأم بديلة مثالية بدا مبالغاً فيه، خصوصاً في ظل غياب مبرّرات منطقية لقرار الخطف، وتبرير دوافعها بشكل مقنع.
ملاحظة نقدية: كان من الضروري تعميق شخصية مريم، وإظهار خلفيتها النفسية والاجتماعية؛ لجعل قراراتها أكثر واقعية ومرتبطة بالسياق الدرامي.
بسمة – الطفلة (الضحية) (الدور المحوري):
الطفلة المعنّفة تمثل محوراً أخلاقياً وقانونياً ونفسياً للقصة.
التحليل: أدّت الطفلة دورها بلغة جسدية معبّرة عن الخوف وفقدان الثقة، لكنها التزمت الصمت في لحظات كثيرة، ما جعلها تبدو غير فاعلة في الكشف عن الحقيقة، أو التعبير عن ذاتها.
ملاحظة نقدية: رغم التعاطف معها، إلا أن كثرة الصمت أضعفت التأثير العاطفي، وجعلت معاناتها تبدو طبيعية، وغير مستغرَبة من قِبَل المشاهد.
سهام – الأم البيولوجية (الدور المحوري):
شخصية تعاني من الاكتئاب منذ البداية، وكانت غامضة إلى لحظة متأخرة من العمل.
التحليل: تصرفاتها تجمع بين التناقضات: من الهدوء والتعاطف، إلى الانفعال والعدوانية، أدّت الممثلة دورها ببراعة، مجسّدة شخصية نفسية مركّبة يصعب تأديتها.
ملاحظة نقدية: غياب التعمّق في أبعادها النفسية والاجتماعية والمادية، جعل من الصعب على المشاهد فهم خلفيتها ودوافعها الأمومية في البداية، ولكن بنهاية الحدث ظهرت ملامحها.
نورة – المحامية (الدور المحوري):
نموذج للمرأة المهنية في القانون، تمثّل صوت العدالة والدفاع عن القانون.
التحليل: رغم خلفيتها الدرامية الثرية، لم تُمنح “نورة” مساحة فنية كافية كمحامية، وجرى اختزال دورها في الجانب الأمومي فقط، ورُتِّم بالبُطء، أي البرود في الانفعالات.
ملاحظة نقدية: كان من الأنسب دمج دورها كأم مع كونها محامية تمارس مهنتها، وإظهار صراعاتها القانونية بشكل أكثر واقعية وإقناعاً.

عامر – الصحفي (الدور المحوري)
يمثّل الصحافة كسلطة رقابية أخلاقية، ويساند مريم في الكشف عن الحقيقة.
التحليل: أظهر عامر شخصية انتهازية، ثم تحوّل بعد ذلك إلى شخصية مساعدة، لكن غاب البُعد المهني الواقعي، مثل صراعه مع رئيس التحرير، أو السلطات.
ملاحظة نقدية: اِفتقد دوره إلى صراع درامي مهني كان يمكن أن يثري المسلسل، ويزيد من منطقية الأحداث وتفاعلها الصحفي.

عبيد – زوج سهام (الدور المحوري)
يمثّل زوج الأم، السبب في العنف الأسري، العاطل عن العمل، الذي يتولّى تعنيف الطفلة.
التحليل: شخصية قاسية مستغِلّة، تتعامل مع الزوجة كخادمة، وتُهمل ابنتها، “عبيد” شخصية تحمل عنفاً دفيناً، لكنها لم تُمنح فرصة درامية كافية لفهم خلفياتها النفسية.
وجدير بالذكر أن الممثل القدير “تركي اليوسف” كان امتداداً لأدواره السابقة القاسية، فدوره بهذه الشخصية “عبيد” تصلح له.
ملاحظة نقدية: غياب تفسير لانفعالاته أو عرض ماضيه، جعله شخصية نمطية، بينما كان من الممكن أن تضيف أبعاده النفسية عمقاً لتفسير عنفه.
الخلاصة للشخصيات
الشخصيات في النسخة السعودية من مسلسل “أمي” تجسّد قضايا محورية مثل الأمومة، والعدالة، وحقوق الطفل، ودور الإعلام، لكنها في أحيان كثيرة، اِفتقرت إلى التمهيد الكافي، والعمق النفسي والاجتماعي، مما جعل المعالجة الدرامية تبدو أحياناً متحفّظة، أو غير متوازنة رغم غنى الموضوع.
محاولة جريئة ومحترمة
أحداث النسخة السعودية من مسلسل (أمي) حول ثيمة الأمومة بوصفها الرابط المشترك بين الشخصيات النسائية؛ حيث تؤدي كل أم دوراً مختلفاً يعكس جانباً من هذه الثيمة.
الأم البيولوجية “سهام” تُهمل طفلتها وتجد صعوبة في تحمّل مسؤولية تربيتها بسبب طبيعة عملها، إذ يرفضون استقبال أولادهم.
في المقابل نجد الأم البديلة “مريم” تشتاق لأن تكون أمّاً، حتى لو عن طريق التبني.
أما “فاطمة”، والدة “مريم”، فهي تحاول استعادة ابنتها، التي غابت عنها سنوات طوال بسبب السجن.
ومن جهة أخرى، تتبنى المحامية “نورة” تربية طفلة ليست من أولادها، لكنها تصبح أقرب إليها من والدتها الحقيقية.
كذلك تعاني “رزان” من صراع نفسي عميق حول فكرة الإجهاض، بين رغبتها في الاحتفاظ بالجنين ورفض زوجها، في المحصّلة، تكشف هذه النماذج المختلفة أن معظم الأمهات في العمل، يشعرن بدرجة من الذنب تجاه أطفالهن، كلّاً لأسبابه وظروفه.
إذًا هي محاولة جادّة منهم في تغيير هوية المسلسلات، وطريقة عرضها من ناحية القصص والتصوير والإنتاج الدرامي، لكنها محاولة ليست ناضجة بما فيه الكفاية، السبب في ذلك ربما رغبة المُعدّ أو المخرج في تناول قضايا كثيرة جداً، مما أوقعه في تعثّر بين نار الحذر الرقابي، والطموح الفني.
أتمنى أن تكون لهم جرأة أكبر في صناعة وكتابة قصص من تأليفهم، ويتناولون قصصاً لمعالجتها، وليس فقط إنتاج دراما مستوردة، وإن كان مسلسل “أمي” قد نجح في تقديم صورة جميلة بصرياً ، ومشاهد جذابة حابسة للأنفاس.

فريق العمل
مسلسل “أمي “
سيناريو وحوار: فاروق الشعيبي ومحمد العمر
الممثلون :
أسمهان توفيق (أم سالم الصخيباني
العنود سعود (الإدارية أبله مريم )
رنا جبران (سهام)
زهرة عرفات (فاطمة | أم مريم الحقيقية )
سناء بكر يونس (المحامية نورة )
نايف الظفيري (الصحفي عامر)
تركي اليوسف (عبيد)
ترف العبيدي (بسمة  حلا )
ريم العلي (رزان)
همس بندر (لمار)
فايز بن جريس ( الرائد مازن)
إخراج: جودت مرجان

 


★باحث مسرحي وناقد فني.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى