سينما

علاء عباس: فيلم «Sound of Metal» .. الهدوء المُزعج.

 

علاء عباس

‏لا يوجد شعور أشد ألمًا من الفقد، أن تفقد شيئًا تحبه، أو شخصًا عزيزًا على قلبك، أو أن تفقد نفسك ذاتها للأبد ويتحتم عليك التعايش مع ذلك ما دمت لا تزال لديك القدرة على الشهيق والزفير، الحياة عبارة عن تكيف الإنسان وتعايشه مع الظروف المُحيطة به طوال الوقت، لكن أسوءها على الإطلاق هو حينما تُجبرك على التعايش مع اللا شئ، عندما تفقد كل معنى للحياة لكن تجد نفسك تُواصل العيش فقط لأنه لم تحن ساعتك بعد.

الحبكة

‏يتعمق المخرج داريوس ماردير بفيلمه الرائع “ساوند أوف ميتال”، في مناقشة فكرة فقد الإنسان لكل ما يملك في لحظة دون وجود أي طريق لاستعادته كما كان، فماذا لوفقد طبيب العيون بصره؟ أو فقد لاعب الكرة قدرته على المشي؟ وماذا لو فقد قارع الطبول قدرته على السمع؟

‏ومن هنا تحديدًا تنطلق القصة مع روبين قارع الطبول في إحدى فرق موسيقى الميتال، وفي اليوم التالي لإحدى الحفلات يُلاحظ روبين أنه بدأ بفقدان قدرته على السمع شيئًا فشيئًا إلى أن يصير أصمًا بالكامل في غضون أيام قليلة، وهكذا تنقلب حياته رأسًا على عقب من شاب شغوف بالموسيقى التي يؤديها ويجد فيها سعادته ومُتعته إلى أنه لا يستطيع حتى أن يسمع نفسه.

‏الإنكار ومطاردة شبح الأمل

‏دائمًا ما يتم تصوير الأمل على أنه شئ جميل ويجب أن نتحلى به في أحلك اللحظات، لكن من وجهة نظري فأرى أن الأمل هو العدو الأول للإنسان، لأن الأمل في الأساس وليد كل الرغبات المستحيلة، فلا تجد أحدًا يأمل أن يحصل على شئ في متناوله سواء على المدى القريب أو البعيد، الأمل يظهر لك بعباءة البطل الزائفة فقط عندما ترغب في تحقيق شئ لا توجد له أي أُسس منطقية، فكل هدف مُراد تحقيقه يحتاج لبعض الأُسس والخطوات اللازم اتخاذها والسعي بها حتى تصل له بالنهاية، لكن عندما تنعدم تلك الأُسس والخطوات فما قيمة الأمل سوى مزيد من الإحباط والحزن؟

‏ونعيش مع روبين حالتي الإنكار والأمل الزائف في الأيام القليلة التالية لفقدانه سمعه، حيث نراه عند الطبيب يُجاهد نفسه مُحاولًا سماع الكلمات التي يقولها ليُعطي نفسه مُسكِن يُوهمه بأن كل شئ سيعود لطبيعته وكل الأمور ستكون على ما يُرام من جديد، فيعود لممارسة لعب الموسيقى رغم تحذيرات الطبيب مواصلًا حالة الإنكار التي انغمس فيها، فالمستحيل الذي لا يخطر حتى على البال عندما يقع فجأة ويصير أمر واقع، حينها لا يجد العقل مهربًا إلا بإنكار كل ما يحدث على أمل أن يدق جرس المنبه قريبًا ويستيقظ من ذلك الكابوس المُريع.

 

‏التمثيل والتجربة السمعية

‏جسد الممثل الموهوب ريز أحمد شخصية روبين بإتقان يفوق الوصف استحق عنه حصوله على الترشيح لجائزة الأوسكار، فاستطاع أن يخلق بين المشاهد والشخصية رابط قوي ملئ بمشاعر من التعاطف والحزن، رغم أن طبيعة الشخصية وماضيها تحتوي على عوامل قد لا يرتبط بها السواد الأعظم من الجمهور، لكن تجسيد ريز الرائع جعل ذلك الترابط تلقائيًا بتعبيراته وملامح وجهه، لحظات الغضب والاستسلام، وأيضًا لغة جسده في الأوقات التي غابت عنها الحوارات.

‏التجربة السمعية هي البطل الأول لهذا الفيلم وبدونها ما كان ليظهر بالشكل الذي عليه، فالتنقل بين المشاهد وإعادة بعضها مرتين، مرة من خلال الأذن السليمة ومرة من خلال أذن روبين المعطوبة سمح لنا بأن نعيش تجربة كاملة بكل تفاصيلها، نستطيع خلالها بأن نشعر بما يشعر ويمر به بطل الفيلم في كل لحظاته وحالة التدهور التي مرت بها أذنه من البداية وحتى النهاية.

‏الحياة لا تتوقف

‏الحياة مليئة بالقسوة والمعاناة لكن حتما لا يوجد أقسى من حقيقة أنها لا تتوقف أبدًا وتظل في طريقها ماضيةً قُدمًا دون النظر للخلف لحظة واحدة، لن تنتظرك حتى تنتهي من حزنك على خسارة شخص ما، لن تتوقف حتى تجد حلًا لمأساتك أو مهربًا من حزنك واكتئابك، سيُتابع الناس حياتهم اليومية بشكل طبيعي ولن يلتفت إليك أحد كأنك لم تكن، وستدفعك الحياة دفعًا لتواصل المسير معها ومعهم في تلك العجلة البائسة.

‏هدوء مزعج للغاية، أن تجلس على أحد المقاعد العامة في الشارع ومن حولك كل هذا الصخب الذي تشعر به وتعيه تمامًا لكنك لا تستطيع أن تسمع شيئًا منه، الأفواه تتحرك والسيارات تُطلق أعلى الأصوات ولكنك عالق بداخل صمت مُطبِق وتام، هدوء مُزعج لكنه مُريح أيضًا.


★ناقد ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى