حسام الدين مسعد: الميزوجينية في خطابات عروض الدورة التاسعة،بالمهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب.


حسام الدين مسعد★
تُعد الميزوجينية (كراهية النساء) بنية ثقافية متجذرة في التمثيلات الفنية، تتجاوز كونها موقفاً فردياً إلى أن تصبح أداة ضمنية لإعادة إنتاج الأدوار النمطية للجنسين، وفي المسرح؛ حيث تتجلى اللغة الجسدية والبصرية والدرامية، يصبح رصد هذه التمثيلات ضرورة نقدية؛ لفهم مدى مساهمة الفن في ترسيخ، أو تفكيك التصورات الذكورية عن المرأة، ففي فاعليات الدورة التاسعة من المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب، والذي انطلق بمحافظة قنا في الفترة من ١٥ -٢٠ أبريل ٢٠٢٥، قُدمت أربعة عروض، ثلاثة منها ببطولة نسائية، هي: “رحيل” (الأردن)، “أحبك يا ماريا” (كولومبيا)، “عجيج فاطمة” (البحرين/السعودية)، أما العرض العراقي “فوبيا”،فكانت بطولته لذكرين، ورغم تنوع أساليب تلك العروض الثلاثة الأولى، فقد طرحت جميعها سؤالاً ملحاً: هل البطولة النسائية تعني خطاباً نسوياً بالضرورة؟
ستتناول بالتحليل كل عرض على حدة، من خلال تطبيق مفهوم الميزوجينية على احداث العروض وخطاباتها .
– “رحيل”-الأردن
مسرحية من إنتاج فرقة تراتيل المسرح والفنون ، تأليف الأردني إياد الرموني وبطولة الممثلة المصرية نيرڤانا الخطيب، والعرض مونودراما، تتناول فقد المرأة واغترابها الوجودي؛ إذ يقدم العرض حكاية أنثى مشروخة بالوصم الاجتماعي، متشظية بين فقد الأم، وخيانة الحبيب، وهيمنة المجتمع الذكوري، ينقسم العرض إلى أربعة مشاهد تتدرج من الحنين والتأمل، إلى الانكشاف والتفكك، ثم إلى المواجهة والاحتجاج، وتنتهي بذروة وجودية؛ إذ يعتمد النص على مبدأ التداخل الزمني بين الحاضر والاسترجاع، ما يعزز تشظي الذات وانكساراتها، كما يوظف شخصيات نسوية متخيّلة عبر تعدد الشخصيات، التي جسَّدتها المؤدية المصرية” نيرڤانا الخطيب” في مشهد سوريالي، يلعب دور التعرية الثقافية لمفهوم الأنوثة.

لكن، هل يُمثّل العرض كفاحاً نسوياً، أم انكساراً وجودياً؟
رغم حساسية الأداء وعمقه، إلا أن العرض رسّخ صورة المرأة المنكسرة، المنفصلة عن المجتمع، والمأسورة في ماضيها؛ إذ إن البطلة المؤدية الوحيدة، التي استعرضت أزمة الشخصية تجاه نفسها، أو تجاه الآخرين من خلال المناجاة والجاذبية والحوار مع شخصيات افتراضية، لكِنَّ الشخصية البطلة في عرض “رحيل” لم تُنتج فعلاً حيوياً، بل استسلمت للفقد، وهنا تتسلل الميزوجينية الرمزية عبر تثبيت صورة المرأة ككائن ينهار أمام الفقد، دون أفق للمواجهة.
– “أحبك يا ماريا “- كولومبيا
تأليف داريو فو، وفرانكا رامي، قدمته فرقة لويزا فيرجارا بإخراج “سيرجيو دافيلا”، وبطولة “لويزا فيرجارا”.
عرض مونودرامي ساخر، يعيد صياغة الخطاب الذكوري من خلال مونولوج أنثوي، تتحدث فيه ماريا عن حبّها وخيباتها؛ إذ تدور احداث العرض حول امرأة منعزلة في بيتها، تحاور جاراً وهمياً من خلال الهاتف، وتستعرض من خلال هذا الحوار معاناتها مع زوج غائب، وأخ متحرش، وابن نائم، لتصبح شخصيات العرض كلها شخصيات ذكورية غائبة – لكن تأثيرها حاضر وقمعي، ورغم انطلاق النص من انحياز واضح للمرأة، ومحاولة تصوير معاناتها الداخلية في قالب كوميدي تهكمي، إلا أن العرض يقدم صورة نمطية للمرأة المهمشة والمستلبة، التي لا تملك سوى البوح، ولا تتفاعل مع العالم، فماريا لا تُقدَّم كذات فاعلة، بل ككائن محاصر بين جدران ذكورية صلبة، تُفرغ ذاتها أمام “الجار” الذي لا نراه – وكأنه استعاضة رمزية عن مجتمع لا يستمع لها.

لكن هل تسخر ماريا من القهر، أم تُحاكيه بلغة جديدة؟
رغم الطابع الكوميدي، يظل العرض أسيراً لصورة المرأة المُنتظِرة، المُحبّة، المُتلقية؛ إذ أن ماريا لا تصوغ ذاتها، بل تتهكم من خيباتها دون تفكيك حقيقي لها، وهنا الميزوجينية تتوارى في كوميديا القهر، وكأن المعاناة قَدَرٌ أنثوي يُقبل بالسخرية لا بالتغيير.
– عجيج فاطمة “البحرين/السعودية
إنتاج فرقة جلجامش، وتأليف محمد احمد عبدالله، وإخراج “محمد الحجيري” ، و بطولة “لمياء الشويخ”
مونودراما تتناول عودة فاطمة من الغربة محمّلة بالعلم والطموح، لتُصدم بواقع لا ينتظر النساء.
فهل تجاوز العرض النموذج الأبوي في تصور نجاح المرأة؟
إن الصدمة التي عاشتها فاطمة، ناتجة عن غياب الزوج والأبناء، لا عن خيانة المجتمع لطموحها العلمي، ورغم أن النهاية شهدت نهوضها من جديد، فإن معيار الأسرة ظل حاكماً لقيمة المرأة.
العرض بين تمكين واعٍ، وتواطؤ غير مباشر مع بنية السلطة الأبوية.
لكن هل يُعدّ العرض تحررياً؛ لأنه يجعل فاطمة تستأنف فعلها؟ أم يُخفي خطاباً تقليدياً يربط قيمة المرأة بـ”الثمار” الاجتماعية؟

إن العرض يوحي أولاً بانكسار الحلم، حين لم يتحقق الزواج والأمومة، مما يطرح سؤالاً صادماً: هل يُقاس نجاح المرأة بتحقق هذا النموذج وحده؟
رغم أن العرض ينتهي بنهوض فاطمة لاستئناف الفعل من خلال العلم والعمل، إلا أن الصدمة الأصلية جاءت من “غياب الرجل”.
هذا يُظهر توتراً خطابياً: بين إرادة الاستقلال من جهة، وخطاب اجتماعي داخلي عالق في النموذج الأبوي من جهة أخرى، وهنا الميزوجينية تظهر في اللاوعي الدرامي، الذي يجعل “غياب الزوج” أزمة وجودية، ويجعل “الأرض” البديل.
ويظل السؤال عالقاً بعد قراءتنا للعروض الثلاثة السابقة، فهل إعادة تمثيل القهر بمنتهى الإخلاص والإبداع، تُسائل الخطاب الذكوري فعلًا، أم تعيد إنتاجه؟
–” فوبيا” -العراق
إنتاج فرقة اللوغوس المسرحية، واخراج “حسين الذهبي”، وبطولة “كرار حيدر”،و”زين الكريدي”.
ينطلق العرض من فرضية عبثية: اِختفاء النساء من العالم، وما يكشفه من شذوذ فكري وديني وقَبَلي في المجتمع الذكوري، فهل استطاع العرض مساءلة النظام الذكوري، أم أعاد إنتاجه بلغة مشفّرة؟
لقد اعتمد المخرج “حسين الذهبي” على نص معدّ مسبقاً، مع موتيفات رمزية، وديكورات مشفّرة، متناسياً شروط مسرح الشارع القائمة على التفاعل اللحظي، والبساطة التعبيرية، ومع أن تنفيذ العرض في نادي فتيات قنا كان خارج إرادة المخرج، فقد حاول استعادة التوازن البصري باختيار أنثى من الجمهور، وتتويجها وجلوسها على العرش اعترافاً منه بمكانة المرأة، ودورها كشريك فاعل في المجتمع ، فالميزوجينية هنا ليست مباشرة، بل تنكشف عبر غياب المرأة، الذي يفضح هشاشة المجتمع الذكوري، وتنتهي بإعادة الاعتراف بفاعلية المرأة.

وأخيراً هل انتصر المسرح للمرأة؟
لا تعني البطولة النسائية بالضرورة، خطاباً نسوياً. فالعروض الأربعة، رغم محاولاتها، لم تنجُ كليًا من إعادة إنتاج صورة المرأة بوصفها ضحية، أو غائبة، أو مكسورة، لكن، ما نحتاجه اليوم هو مسرح يُقدّم المرأة كفاعل اجتماعي، منتج للمعنى، قادر على المواجهة وصوغ الحاضر، لا بوصفها استثناءً، أو ضحية، بل شريكاً كاملاً في صناعة الحياة.
جميع الصور بعدسة: حسن عمار
★ناقد ـ مصر.




