مسرح

محمد الروبي: “المسرح وسَائل التمازج “.. إنعاش أم تجفيف؟

محمد الروبي★

“سائل التمازج”استعارة سوسيولوجية تصف  الحالة التي تتداخل فيها الهويات والثقافات والقيم داخل مجتمع ما، من دون أن تُمحى الفروق بينها. هي حالة تفاعل دائم، تنتج عنها تركيبة اجتماعية مرنة ومفتوحة. لا تذيب الاختلاف، ولا تحوله إلى جزر منعزلة، وإنما تسمح له بأن يعيش داخل نسيج أوسع.
يمكن أن نتخيله، على سبيل التقريب، كطبق حساء غني يتكون من ثمرات وخضروات وتوابل مختلفة. حين تطهى معًا لا تعود كل واحدة منها منفصلة تمامًا عن الأخرى، لكنها لا تفقد وجودها أيضًا. كل عنصر يحتفظ بشيء من مذاقه، وفي الوقت نفسه يساهم في صناعة مذاق جديد لا يمكن نسبته إلى عنصر واحد.

هذه هي أهمية “سائل التمازج”، أن يسمح للمجتمع بأن يكون متعددًا من دون أن يصبح متشظيًا، وأن يكون موحدًا من دون أن يتحول إلى كتلة متجانسة تُقصى منها الاختلافات.

ولذلك فإن خطورة “تجفيف” هذا السائل لا تكمن فقط في اختفاء التنوع الثقافي، وإنما في أن العلاقات التي كانت تسمح للهويات المختلفة بأن تلتقي وتتحاور تبدأ في الجفاف هي الأخرى. 

عندها يصبح الاختلاف سببًا للانغلاق، وقد يتحول التمايز إلى تصنيف، والتصنيف إلى اصطف، والاصطفاف إلى صدام.
وهنا يبدأ المسرح في الظهور باعتباره أكثر من مجرد فن.
فالمسرح، في جوهره، واحد من أكثر الفنون  على صناعة هذا التمازج. إنه فن لم يعرف، في أفضل تجاربه، حدودًا صلبة بين الأجناس والأشكال. يأخذ من الحكاية والسرد، ومن الشعر والموسيقى، ومن التشكيل والعمارة، ومن الرقص والحركة، ومن الفلسفة والسياسة وعلم النفس والاجتماع. بل إن تاريخ المسرح نفسه يمكن قراءته باعتباره تاريخًا طويلًا من عمليات الأخذ والعطاء بين الثقافات.

لكن التمازج المسرحي لا يحدث فقط داخل العرض.إنه يحدث أيضًا في المكان الذي يجمع الممثل والمتفرج.
يدخل أشخاص مختلفون إلى قاعة واحدة، يجلسون في فضاء واحد، ويتعرضون في اللحظة نفسها إلى حدث حي. قد يختلفون في العمر والتعليم والطبقة الاجتماعية والخبرة والذائقة، لكنهم، ولو لساعتين، يصبحون جزءًا من تجربة مشتركة. هناك جسد يتحرك أمام أجساد أخرى، وصوت يخرج من الخشبة فيصطدم بصمت القاعة، ونظرة ممثل تبحث عن عين متفرج، وضحكة أو همهمة أو صمت جماعي يمكن أن يغير إيقاع العرض نفسه.
هذه الحركة المتبادلة بين الممثلين والجمهور والفضاء المسرحي هي، في حد ذاتها، صورة من صور “سائل التمازج”.
ولهذا لم يكن المسرح في لحظاته الحية مجرد وسيلة لعرض الأفكار، وإنما كان وسيلة لخلق علاقة بين المختلفين.
حتى المسرح الذي يناقش صراعًا أو انقسامًا يمكن أن يؤدي هذه الوظيفة. لأنه يضع المختلفين أمام بعضهم البعض داخل فضاء واحد. إنه لا يشترط أن نتفق حتى نلتقي.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في رأيي.
فالمجتمع لا يحتاج إلى مسرح يجعل الجميع متشابهين، وإنما يحتاج إلى مسرح يجعل الاختلاف قابلًا للرؤية والحوار. المسرح لا ينجح حين يمحو المسافة بين “أنا” و”الآخر”، وإنما حين يجعلني قادرًا على النظر إلى الآخر من دون أن أحتاج إلى إلغائه.
ومن هنا تبدو علاقة المسرح بـ(الحداثة السائلة) أكثر تعقيدًا. ففي عالم تتغير فيه الهويات بسرعة، ويتداخل فيه الواقعي والافتراضي، وتتراجع الحدود القديمة بين النخبوي والشعبي، وبين الثقافة الرسمية والثقافات الهامشية، يعيد المسرح اكتشاف أدواته باستمرار.
لم يعد النص بالضرورة مركز العملية المسرحية، ولم يعد الممثل وحده حامل المعنى، ولم تعد الخشبة فضاءً مغلقًا يفصلها جدار واضح عن الجمهور. ظهرت أشكال من المسرح التفاعلي، ومسرح الموقع، والمسرح الذي يستعين بالتكنولوجيا والوسائط الرقمية، وتداخلت الحدود بين الأداء والفنون البصرية والموسيقى والرقص وفنون الشارع.

كأن المسرح نفسه يتحول إلى “كائن تفاعلي”، لا يعيش إلا بالحركة المستمرة بين عناصره.
لكن هنا تحديدًا يظهر الجانب الآخر من المسألة.
فالمسرح ليس بريئًا بالضرورة، ولا محايدًا دائمًا.
إنه يستطيع أن يدعم “سائل التمازج”، لكنه يستطيع أيضًا أن يساهم في تجفيفه.
يحدث ذلك حين يتحول المسرح من فضاء للتعدد إلى فضاء لفرض نموذج واحد للإنسان والمجتمع. حين يصبح الاختلاف مادة للسخرية أو الإقصاء، وحين تتحول بعض الفئات إلى مجرد صور نمطية، وحين يُختزل المجتمع في صوت واحد، أو تُعامل الثقافة باعتبارها هوية مغلقة لا تحتمل السؤال.

ويحدث التجفيف أيضًا عندما يفقد المسرح قدرته على الاستماع.
فالمسرح الذي يتحدث دائمًا ولا ينصت إلى جمهوره، والذي يفترض أنه يمتلك الإجابة قبل أن يبدأ العرض، قد يتحول تدريجيًا من مساحة للحوار إلى منصة لإلقاء اليقين.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمسرح الذي يفترض أن يدربنا على رؤية الإنسان في تعقيده يمكن أن يتحول إلى آلة لتبسيط الإنسان وتصنيفه. والمسرح الذي يستطيع أن يفتح نافذة على الآخر قد يتحول إلى جدار جديد بين “نحن” و”هم”.
هنا تحديدا سنكون مخطئين إذا سألنا : هل المسرح مع التمازج أم ضده؟
فقبله لابد من أن نحدد :أي مسرح نصنع؟
مسرح يترك الأبواب مفتوحة أمام الاختلاف، ويمنح الأصوات المتعددة فرصة للظهور، ويضع المتفرج في حالة مشاركة وتأمل؟
أم مسرح يضيق بالاختلاف، ويبحث عن جمهور يشبهه، ويقدم له ما يعرفه مسبقًا، ويعيد إنتاج الصور نفسها، والأحكام نفسها، واليقين نفسه؟

في الحالة الأولى يصبح المسرح أحد روافد ” سائل التمازج” الاجتماعي، وفي الثانية يتحول، ولو من حيث لا يقصد، إلى أداة من أدوات تجفيفه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمسرح ألا يفقد قدرته على الاختلاف، وإنما أن يفقد قدرته على احتمال الاختلاف.
فالمجتمع الحي ليس ذلك الذي لا يختلف أفراده، بل ذلك الذي يملك من المساحات المشتركة ما يكفي كي يظل المختلفون قادرين على اللقاء.
والمسرح، بما يملكه من قدرة نادرة على جمع الأجساد والأصوات والذاكرات والتجارب في لحظة واحدة، يستطيع أن يكون إحدى هذه المساحات. ولهذا فلنحذر من المسرح حين يصبح فرزًا، كما نحذر من المجتمع حين يجف فيه سائل التمازج.
فحين يجف السائل، لا تختفي المكونات.
الذي يختفي هو إمكان أن تمتزج. وتلك هي المصيبة الكبرى في المجتمعات وفي المسرح.


★ناقد ورئيس تحرير  مسرحنا.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى