رواية

د.هيثم الخواجة: “الريشة البيضاء”الواقع الفني والخطابـ الروائي المعاصر.

د . هيثم يحيى الخواجة★

تمتح رواية الريشة البيضاء للكاتبة الدكتورة لين غرير من الواقع الذي تحول عبر إبداعها لهذه الرواية إلى واقع فني ، حيث مزجت بين الواقع والخيال بأسلوب إبداعي مبتكر وسرد لغوي تظلله لغة السهل الممتنع (١)يقول الدكتور صلاح فضل في كتابه ( في النقد الأدبي ) :” علم اجتماع النص الأدبي له إرهاصات كثيرة وتاريخ عريض هو الذي يمثل الحلقة الأخيرة في سيسيولوجيا الأدب التي أفادت من تطور المناهج النقدية المحدثة والبنيوية والسيميولوجية والنصية لكي تعثر على الواسطة الملائكية التي يمكن عن طريقها الدراسة العلمية الخصبة والجادة للعلاقة بين الأدب والمجتمع الذي يمثل هذا التيار ناقد يسمى بيير زيما وله كتاب بعنوان”النقد الاجتماعي”استطاع من خلاله أن يبلور الاتجاهات التي سبقته ، ويعرض أهم الصعوبات الانتقادات التي وجهت إليها ، ويقترح تصوراً أكثر نضجاً وتطوراً في سيسيولوجية الأدب (٢)
وإذا كان عنوان الرواية يمثل العتبة الأولى في العمل الأدبي ، فإن الريشة البيضاء تحمل من المعاني والدلالات الكثير ، مما يؤهلها لكي تكون عنواناً جميلاً ودالاً ومفيداً وموظفاً في ثنايا الرواية من البداية وحتى النهاية .فالريشة لا تحمل ثقلاً على أحد وتستطيع التنقل من رصيف إلى رصيف ومن حافة إلى حافة ،  ,ومن الأرض إلى السماء ، ومن قلب إلى قلب دون عناء وهي أيضاً حيادية لأنها مأخوذة من جنح الطائر الذي يخفق في أجواز الفضاء بحرية لا تمنعه إلا الكوارث والعواصف الغادرة ، والريشة بيضاء وهي دلالة على الصفاء والنقاء والسلام والحب والمودة إلخ …والروائية الدكتورة لين غرير عندما كتبت روايتها( الريشة البيضاء ) انطلقت من محورين أساسيين :
الأول الحب الصافي لأهلها ومجتمعها ووطنها، والثاني تصوير ما عكسته المآسي والحروب على هذا المجتمع الذي عانى الكثير الكثير .
 وإذا كانت الرواية المعاصرة قد خضعت للتجريب والتجديد على يد أقطابها في الغرب ، فإنها اتخذت المسار نفسه في الرواية العربية المعاصرة منذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات ، وذلك من خلال الخروج عن النظام الحكائي أو من خلال عدم التقيد بالشروط الفنية للرواية مع الحرص على الابتكار والإبداع في العرض.

لقد نوعوا في طرق السرد وآليات الحكي ، ولم يتقيدوا بالزمكانية  والحبكة وتسلسل الأحداث وغير ذلك. ويمكن القول : إن الروائية الدكتورة لين غرير آمنت بالتجديد والمعاصرة فجعلت روايتها الريشة البيضاء عبارة عن لوحات مرقمة بأسلوب تسلسلي ، وتركت للبطل (الريشةً) عبر الأنسنة تصول وتجول في قضايا مجتمعية ووطنية مهمة بعيداً عن التكرار والابتذال وبوعي روائي يرفض الفصل ويصر على التتابع والترابط  كما تترابط الحلقات مع بعضها البعض وتتماهى بانسجام وألفة .
نعم إن الحدث يحمل صراعاً خاصاً به ولكنه بالإطار العام يشكل حلقة من حلقات الصراع وبالتالي من الأحداث ، لتتشكل البنية الفنية للرواية ، وما القطع في نهاية القصة أو مشكلة الاستراحة الذي ينظر إلى البعيد دون أن يغفل أو ينسى الماضي
لقد حظيت شخصية ( الريشة البيضاء ) باهتمام المؤلفة لذلك أتاحت لصوتها فرصة التعبير والثقة والبوح .

كما منحتها فضاءً روائياً واسعاً وبعداً إنسانياً ضافياً وإلهاماً فياضاً بالاستقراء والاستنتاج وحسن التخلص ، من خلال الفعل والإنجاز وعبر لغة سردية متطورة  ، مما جعل للكلمة مكاناً رفيعاً  ، ومما جعل حمولات السرد تتبنى دلالات تغني العمل الإبداعي وتمنحه رؤية عميقة للواقع إنها لغة المؤلفة التي تفصح عن تميزها وتفردها كما تمتلك روايتها سمات تكاد تكون خاصة بها أقول وأنا أشبه رواية ( الريشة البيضاء ) بأغنية رومنسية تهدهد للحياة ترفض وتقبل تتأمل وتفكر ، وتحلم بالمستقبل :

إن الأديبة لين غرير تمتلك مشروعها الثقافي ، ولهذا أصرت على مخاطبة واقعها من زاوية الكأس الملآن، ومن ناحية الاستفادة من التجارب الحياتية ، لكي تحفر عميقاً في الواقع تقديراً للإسان والوطن .
وهذا التوجه دفعها لكي تدير ظهرها إلى العوالم العجائبية والفنتازيا وتنخرط في هموم الإنسان وقضاياه لتقدم لنا في رواية الريشة البيضاء رحلة ممتعة – على الرغم من التوحش والألم والحزن- في عوالم تنبض بها العروق وتدهش لجمالها النفوس.أفكار ومضامين

في المشهد رقم (١) تناقش الكاتبة موضوع العجز الجنسي وأثره على الحياة الزوجية عبر رؤية سديدة معمقة، ولعلها بذلك تسقط أموراً كثيرة على الواقع الذي غدا عقيماً عاجزاً في غياب الحب والود وسواد التنافر والتناحر والأحقاد الطائفية: 
“وقفت على عنقي مذهولة وأسرعت أحلق بعيداً عن المنزل وأشعر بالصدمة الأولى للحزن .. رحلت قبل أن أسمع المزيد من صراخ الروح ، فقد كنت أظن نفسي مميزة عن أترابي لقدرتي على الإنصات لحديث النفس البشرية ، وليتني لم أكن . ” (٣)

وفي المشهد رقم (٢) تتحدث الرواية عن قيمة الاجتهاد مجسدة مقولة من جد وجد ، كما تتوقف عند دور الأم وأهمية هذا الدور في النجاح والحياة معاً:
” كنت أتذمر حينها ، لكنني يوم تكريمي في المدرسة شعرت بأنني فخورة بنفسي وبأمي ، انتقلت فرحتها بي دموعاً غالية على خدودي حين قلتني ” (٤)
وفي المشهد رقم (٤) تصور الكاتبة وحدة المرأة بعد أن يغادر أولادها إلى المغترب للاستقرار .. إنها ترتبط بالبيت والوطن وبذكريات لا حصر لها :
” مسحت دمعتها بأصابع مرتجفة ومشت ببطء نحو الغرفة ، أغلقت خلفها الباب وأسدلت الستارة، ترى هل عادت إلى فراشها لتناجي النوم ” (٥)

وفي المشهد رقم(١٩) تجسد الكاتبة قول الشاعر:
لا تحسبوا رقصاتي بينكم طرباً
فالطير يرقص مذبوحاً من الألم فالمطرب في المطعم الذي ترك مآسيه وأحزانه ومشكلاته في البيت وجاء إلى المطعم ليغني وينسي الناس مشكلاتهم .. ثنائية ضدية عامرة بالتساؤلات:
” انتهى العرض وعاد هو إلى الكواليس ولحن الأغنية الأخيرة مازال يتردد في نبضي صوت ربابة يبكيني .. هونك يابو الربابة ” (٦)
وفي المشهد رقم (٣٥) تعكس المؤلفة الدكتورة لين غرير يوميات الثورة السورية وتختار اعتصام الساعة بحمص وتصور تفاصيل مجبولة بالألم والدم :
” هنا إذاً ولدت أنا ريشة حرة تركت يوماً عصفورها لتنطلق في رحلتها تعبت جداً لأعرف موقعي ، فبالنسبة لريشة تستوطن السماء لا مشكلة لديها فوق أرض تطير ” (٧)
وفي المشهد رقم (٤٨) تحكي الروائية لين سيرة حي اسمه ( الحميدية) وما جرى فيه أثناء الثورة : ثنائيات ضدية، تناقضات، استباحات، انتهاكات ، خوف، رعب، مجهول لا يبرر بالخير، دمار، توحش ، إجرام ، جثث ، موت، إلى آخره.
” اليوم أراه مقعراً تنتشر فيه علامات الدمار والوحشة والغبار ، بل وجثة مرمية في طريق يومي لأطفال المدرسة
،جثة رجل يحمل بيده كيساً فيه تلك الحاجيات البسيطة التي كان يجلبها للبيت. ترك ميتاً لأيام على الطريق عمداً ليراه الناس ومن ثم هؤلاء المسلحون لم يطلبوا من أحد مغادرة بيته، حقاً لا حاجة لأن يفعلوا .. !
طرت مذعورة تبلل أوباري البيضاء دمعة أسى . (٨)وفي المشهد تصور واقع الأسرة وما تتضمنه من إشكالات وتناقضات لا يعرف الأطفال كنهها وسرها، فالأب يقهر الأم ويكاد يضربها، وفي اليوم التالي تفاجأ الابنة بأنهما عادا إلى حياة الود والمحبة والوئام بعد أن تأججت مشاعرها جراء ما فعله الأب بأمها !؟
” الصغار هم الحقائق التي تسير على الأرض . ما سواهم يشوبه الكذب. يعلمهم الكبار الخداع والمجاملة والنفاق تحت شعارات كبرى.. يعلمهم الكبار أن الحياة مرسومة بخطوط حمراء عليهم الوقوف عندها وكبت ما في صدورهم من كلام وأفعال .” (٩)

وفي المشهد رقم (٨٢) تتحدث الكاتبة عن توقف الحرب وعن عودة الأهالي إلى بيوتها لتصلح الخراب وتنير الظلمة التي رانت طويلاً على البيوت مشاهد بمنتهى الروعة لا يستطيع القلم أن يبر عنها :
“وأرى الزمن الذي عشت فيه تهدل أوباري ، أشعر أني كبرت خلال رحلتي كثيراً ، كم من الرص وقنابل مرت قربي ..
لا أدري كيف بقيت حية وقادرة على التحليق .
سأنام الآن في عش عصفور صغير فقد اشتقت رائحة الطبيعة جداً .
تصبحون على سلام . “(١٠)
في هذه الرواية الأبطال كثُر ، وهم متفردون ، والزمكانية بطل ، وكذلك الريشة والأحداث والعنوان والشخصيات كلهم أبطال
لقد شكلت الزمكانية إيقاعاً مجهولاً بالأمل والألم ، كما لعبت النظرة العميقة للحياة دوراً مهماً في تطريز الرواية بإهاب جد متقن ، وما رصد التفاصيل في كل حكاية ، وما الحفر عميقاً بالمعاني والدلالات إلا بوح متنوع آخر ، بوح الإنسان الذي يتوق إلى الحرية والحياة الكريمة ، هذا ولم تفرق الرواية بين دور المرأة ودور الرجل فكلاهما لعبا دوراً في صناعة الحدث ، وكلاهما غرقا في لجة العواصف وظلا مصرين على الحياة .
أما الخاتمة فقد قرعت نياط القلب ، وحركت ذاكرة المتلقي بما فيها من إصرار وإشراق ، وما تتضمنه من السلام والاستقرار والحب الذي لا يغيب .
وتشمخ الريشة البيضاء عبر أنسنتها ، حيث اتخذت مسارات متعددة في نسيج الرواية وفي حياة الإنسان ، ويكفي أنها غدت جزءاً لا يتجزأ من الأحداث ، وأنها عانت ما عانت من العواصف والأقدار .ولئن كان مبضع الزمن جارحاً ، فإن ذلك لم يغير من طبيعة الإنسان في كره الحروب والبغضاء ولدم .
وقد نجحت المؤلفة في تكرار بعض الدلالات في الرواية لتوظيفها من أجل تعزيز الهدف وترسيخ الفكرة .
لقد أسست الروائية الدكتورة لين غرير لما يسمى بالأدب الذي لا يموت فتحدثت عن أحداث وقضايا مريرة ستبقى خالدة في الذاكرة والقلوب وسيسجلها التاريخ كما يسجل وشم الأجساد.اللافت في الرواية هذا التتابع السردي الذي يرتبط بخيط قوي ، لكأن المؤلفة تركب قطاراً وتنتقل من محطة إلى أخرى ، والمحطات كلها تتبع مدينة واحدة عانت ما عانت من الظلم والقهر.
واللافت أيضاً قدرة المؤلف على مزج لغة الواقع بلغة الخيال من أجل اتساع طرق الاقناع والإمساك بناصية المنطق ، ومن أجل أن تكون ملامح الأحداث بقضها وقضيضها مرتبطة بقانون الحياة والموت .
وقد أضفت العلاقات الإنسانية ألواناً شفافة لكي توحي المؤلفة للمتلقي لأن الحياة لا يمكن أن تكون سوداء كلها ، ولا بيضاء كلها
ولا رمادية كلها ، إنها كل ذلك ، وأكثر من ذلك بكثير .
وكان حزن الطبيعة دامغاً ومشاركاً الإنسان حين حاول الإدلاء برأيه والإعلان عن حريته المبتورة والمهدورة .
وبالعودة إلى لغة السرد المفعمة بالمحمولات والتشظيات فقد ركزت على نقد الواقع والفكر المنحرف الذي يقيد الإنسان ويسهم في عزلته ، ولاريب في أن ذلك ساهم في نسج مشاهد مؤثرة تثير المرارة والألم كما ساهم في نهوض السرد الذي أخذ على عاتقه مهمة تبني دلالات نقدية للسلبيات التي لا تخفى على المدقق والباحث المبدع .                                         

الهوامش:
١-د. لين غرير، الريشة البيضاء، رواية، دار كنانة للنشر 2020م
٢ د. فضل، صلاح، في النقد الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق ، دراسة ، ص37، 2007م
٣- الريشة البيضاء ، هامش سابق، ص١١
٤- الريشة البيضاء ، هامش سابق ،ص١٣
ه- الريشة البيضاء، هامش سابق ، ص١٨
٦- الريشة البيضاء، هامش سابق ، ص٧٠
٧- الريشة البيضاء ، هامش سابق ، ص١١٨
٨- الريشة البيضاء ، هامش سابق ، ص١٥٨
٩- الريشة البيضاء ، هامش سابق، ص١٨٠
10- الريشة البيضاء ،هامش سابق، ص٢٥٠


★ناقد ـ سوريا

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى