هند محسن:كيف واجهت “شادية حفظي” تحجر العالم في” وجوه المدينة الحجرية” ؟!

هند محسن★
في البدايةِ ليست كل المدن التي تُشيَّد من الحَجَر مدناً قاسية، وليست كل الوجوه التي تَسكُنُها قادرةً على الاحتفاظ بملامحها؛ فثَمَّةَ مدن تتجاوز حجارتها حدود العمارة لتستقِرَّ في الأرواح، وثَمَّةّ وجوه لا تفقد ملامحها بفعل الزمن، وإنما بفعل ما يتراكم عليها من صمتٍ وخيباتٍ واغتراب.
وبين مدينة تتصلَّب حتى تفقد قدرتها على الاحتضان، وإنسان يحاول أن يحتفظ بما تَبَقَّى فيه من رهافة، تولد القصيدة بوصفها محاولةً لاسترداد الحياة من قلب ما يُهددها بالفناء المعنوي.
من هذه المنطقة الملتبسة بين قسوة العالم وهشاشة الإنسان، أقترِبُ من ديوان (وجوه المدينة الحَجَرية) للأستاذة الشاعرة “شادية محمد حفظي”، لا بوصفه مجموعةً من النصوص، التي تتجاور فيها موضوعات الحب والرحيل والوطن والذاكرة، وإنما بوصفه عالماً شِعرياً تتعدَّد مداخله، بينما تنتظم حركته الداخلية حول سؤال جوهري:
كيف يستطيع الإنسان أن يحتفظ بوجهه الإنساني في عالمٍ يتقن صناعة الحَجَر؟
وقبل أن أدخل إلى هذا العالم، تسبق القراءةَ كلمةُ امتنان للشاعرة “شادية محمد حفظي”، التي أهدتني ديوانها ومنحتني ثقة الاقتراب من تجرِبتها عبر نصوصها؛ وهي ثقة أتعامل معها باعتبارها مسؤولية نقدية تقتضي أن أتجاوز المجاملة إلى التأمل، وأن أُنصِت إلى النص في خصوصيته الفنية، لا أن أكتفي بما يثيره من انطباع أولي أو بما تمنحه لصاحبته من تقدير.
فالإهداء، في علاقته بالقراءة، ليس نهايةً لفعل الكتابة، وإنما بداية لحياة أخرى للنص؛ إذ ينتقل من خصوصية التجربة التي أنشأته إلى فضاء التأويل؛ حيث تتجدَّد دِلالاته بقدر ما يثيره من أسئلة.
ولعل ما يستوقفني في تجربة الشاعرة، قبل تفاصيلها، هو هذا الإصرار على التعامل مع الكتابة باعتبارها رحلةً مستمرة في تطوير الذات والأداة والوعي؛ فالقصيدة الحقيقية لا تنمو بالموهبة وحدها، وإنما بما يجاورها من قراءة وتجربة ومراجعة واحتكاك دائم بالحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الاقتراب من الديوان بوصفه تجربةً تستحق أن تُقرأ من داخل بِنيتها، وأن يُبحث عن خيطها الناظم، الذي يَصِل بين نصوصها، ويمنح تنوع موضوعاتها وحدةً أعمق من مجرد الاشتراك في الحقول الوجدانية.
فمنذ عتبة العنوان (وجوه المدينة الحَجَرية)، يضعنا الديوان أمام مفارقة شعرية شديدة الثراء: كيف يمكن للوجه، وهو أكثر العلامات التصاقاً بالإنسان، أن يصبح حَجَرياً؟ وكيف تتحَوَّل المدينة التي يُفتَرض أن تكون فضاءً للحياة والتجاور والحركة، إلى فضاء تتجَمَّد فيه الملامح وتفقد الأشياءُ دِفْئَها؟
إن الحَجَر هنا لا يظل مادةً صُلبة، وإنما يتحَوَّل إلى حالة تتجاوز حدود المكان، لتستقر في الإنسان والعلاقات والذاكرة.
فالمدينة الحَجَرية ليست بالضرورة مدينةً مبنية من الحجارة، بل مدينة تتسرَّب حجارتها إلى أرواح ساكنيها؛ مدينة تتراجع فيها القدرة على الدهشة، ويُصبِح فيها الإنسان محاصراً ببرودة العالم، حتى يبدو الوجه الذي يفترض أن يكون مرآةً للروح سطحاً مُغلقاً لا يُفصِح عن شيء.
واللافت أن الشاعرة لم تجعل عنوان ديوانها (المدينة الحَجَرية) وحدَها، بل جعلت (الوجوه) في صدارة المشهد؛ وكأنها تَنقُل مركز الثقل من المكان إلى الإنسان، وتجعل المدينة تُقرأ من خلال أثرها في ملامح ساكنيها. فالمدينة لا تُقاس هنا باتساع شوارعها ولا بارتفاع مبانيها، وإنما بما تتركه في وجوه أهلها من أثر؛ والوجه، في المقابل، لا يعود مجرد ملامح خارجية، بل يصبح سجلاً خفياً لما عجز الإنسان عن قوله، وما لم تستطع الحياة أن تمحوه تماماً.
وهكذا يغدو العنوان مفتاحاً تأويلياً تتوَلَّد منه شبكة الديوان الدلالية؛ فالحبُّ محاولة لاستعادة الوجه، والذاكرةُ محاولة لحفظ ملامحه، والوطنُ محاولة لاستعادة الانتماء، والشعرُ فعلٌ يقاوم تَحَوُّل هذه الملامح إلى أثر صامت. ومن هنا لا تُقَدِّم الشاعرة موضوع الديوان بقدر ما تكشف عن أزمته الكبرى: الإنسانُ في مواجهة عالم يفقد حساسيته، والقصيدةُ في مواجهة واقع يُهَدِّد بتحويل الحياة إلى مادة جامدة.
ولأن المكان في هذه التجربة لا يبقى مكاناً، فإن المدينة والبحر والصحراء والطريق والميناء تتجاوز وظائفها الجغرافية؛ لتصبح حالاتٍ نفسية ووجودية.
المدينةُ قد تتحَوَّل إلى ذاكرة مُثْقَلة، والبحرُ إلى احتمال للعبور، والصحراءُ إلى اتساع موحش للفراغ، والطريقُ إلى سؤال مفتوح عن المصير، والمَيناءُ إلى منطقة مُعَلَّقة بين الرحيل والعودة، بينما يتحَوَّل الوطن من حدود جغرافية إلى انتماء يسكن القلب حتى حين تفصل الإنسان عنه المسافات.
إننا لا نسكن الأمكنة وحدَها؛ فالأمكنة تسكننا أيضاً، وتواصل وجودها فينا بعد أن نغادرها.
وقد يفقد المكان حضوره المادي، لكنه يستعيد حضوره النفسي، كلما استدعته الذاكرة، أو أعادت اللغة بناءه.
ومن هنا يمكن قراءة الفضاء الشعري في الديوان بوصفه جغرافيا للوجدان؛ جغرافيا لا تُحَدِّدها المسافات بين المدن، بل المسافات بين الذات ونفسها، وبين الإنسان وما يحب، وبين الذاكرة وما تُحاوِل إنقاذه من النسيان.
في هذا السياق، تكتسب عبارة الشاعرة:
(أعود منك إليك)
كثافةً دلالية تتجاوز ظاهرها العاطفي؛ فحركة العودة لا تستقِرُّ عند الآخر بوصفه غايةً نهائية، وإنما تفتح دائرةً يعود فيها الإنسان إلى ذاته عبر علاقته بغيره، فالآخَر ليس مجرد شخص نذهب إليه، بل قد يصبح المرآة التي نكتشف فيها ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا، وقد يتحَوَّل الحب من علاقة تجمع ذاتين إلى تجربة تُعيد تشكيل كل منهما من الداخل.
إن الذات، وهي تتجه نحو الآخَر، لا تفقد نفسها بالضرورة، بل قد تعثر عليها للمرة الأولى، وهنا يُصبِح الحب معرفةً بالذات بقدر ما هو انفتاح على الآخَر، ويُصبِح الغياب، على قسوته، قوةً تُعيد تشكيل الحضور داخل الذاكرة، فليس كل من يغيب ينتهي أثره، وليس كل من يبتعد يفقد قدرته على التأثير؛ إذ قد يُصبِح الغائب أكثر حضوراً في الوعي من كثيرين يجاوروننا في المكان.
ومِنْ ثَمَّ، لا يبدو الحب في الديوان موضوعاً غنائياً منعزلاً عن بقية التجربة، وإنما أحد المسارات التي تسأل الذات من خلالها عن هويتها ومصيرها.
فالحب هنا ليس نقيض الاغتراب دائماً، بل قد يكون أحد المواضع التي ينكشف فيها الاغتراب بأقصى درجاته؛ لأن القرب لا يضمن الفهم، كما أن الحضور لا يضمن النجاة من الوَحدة.
ولعل هذا ما يجعل عبارة الشاعرة: (هاربة من ذاتي) أكثر اتساعاً من معناها المباشر؛ فهي لا تُحيل إلى الغربة عن مكان، أو شخص بقدر ما تفتح باباً إلى منطقة أكثر تعقيداً: الغربة عن الذات نفسها.
فالإنسان يستطيع أن يُغيِّر مكانه، وأن يبتعد عمن يؤلمه، وأن يُعيد ترتيب تفاصيل حياته، لكنه لا يستطيع أن يترك ذاته خلفه.
وحين تُصبِح الذات موضعاً للهروب، يتحَوَّل الاغتراب من تجربة خارجية إلى مأزق وجودي؛ إذ لا يعود السؤال: أين أذهب؟ وإنما: كيف أتصالح مع ما أحمله في داخلي؟
غير أن الشاعرة لا تترك الذات في عزلتها، ولا تجعل الألم نهايةً مُغلَقة للتجربة، بل تمنحه اللغة، وتفتح أمامه إمكانية التحَوُّل إلى صورة شعرية.
وهنا يبدأ أحد أهم مسارات الديوان: يتحَوَّل الألمُ إلى تعبير، والغيابُ إلى خطاب، والحنينُ إلى قصيدة، والعجزُ عن تغيير الواقع إلى قدرة على إعادة تشكيله رمزياً.
وهذه، في تقديري، إحدى الوظائف النبيلة للشعر؛ فهو لا يُلغِي الألم بالضرورة، ولا يَعِدُ صاحبه بخلاص سهل، وإنما يمنحه معنًى يمكن احتماله، ويضعه في فضاء اللغة بدلاً من أن يظل كتلةً غامضة تستنزف الروح.
فالقصيدة لا تشفي الجرح دائماً، لكنها تمنحه اسماً، والاسمُ بدايةُ مواجهة الشيء بدلاً من الاستسلام لغموضه.
وحين تقول الشاعرة:
(والشعر عندي
روح طير هائم)
ثم تقول:
(لا أملك
غير حروف
وقصيدة)
تتضح المكانة التي يحتلها الشعر داخل تجربتها؛ فهو ليس شيئاً تملكه الذات إلى جوار أشياء أخرى، بل يبدو كأنه ما يتبقَّى لها حين تتراجع الأشياء، وما تستعيد به قدرتها على القول، حين يضيق العالم عن الإصغاء.
واللافت في صورة (روح طير هائم) أنها تجمع بين الروح والحركة، وبين الخِفَّة وعدم الاستقرار؛ فالطير لا ينتمي إلى الأرض بالطريقة التي تنتمي بها الأشياء الثابتة، وإنما يظل مفتوحاً على احتمالات العبور، بينما تمنح كلمة (هائم) هذه الحركة مسحةً من التيه والبحث. وهكذا لا يبدو الشعر استقراراً نهائياً، بل هو حركةٌ مستمرَّةٌ بين ما فُقد وما يُرجى، وبين واقع يضيق بالذات وأُفُقٍ تحاول أن تبلغه.
أما عبارة :
(لا أملك
غير حروف
وقصيدة)
فتضعنا أمام مفارقة أخرى: تبدو الذات فقيرةً من جهة ما تملكه مادياً، لكنها تحتفظ بما يسمح لها بمقاومة الفقد رمزياً.
فحين لا يبقى المكان، تبقى الذاكرة؛ وحين تُصبِح الذاكرة مُهَدَّدة بالنسيان، تبقى اللغة؛ وحين يبدو الواقع أكثر قسوة من احتماله، تصبح القصيدة مساحةً لإعادة ترتيب العالم.
بهذا المعنى، تؤدي الكتابة وظيفة مزدوِجة: إنها تعبير عن الذات، ومقاومة للمحو في الوقت نفسه.
فالقصيدة تشهد بأن هذا المكان كان موجوداً، وأن هذا الوجه مرّ من هنا، وأن هذا الحب ترك أثراً، وأن هذا الوطن ما زال حياً في الذاكرة.
إنها لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما تمنحه وجوداً جديداً داخل اللغة، وتُقاوِم أن يتحَوَّل ما مضى إلى عدمٍ كامل.
ومن هنا تتصِل الذاكرة بالشعر اتصالاً عميقاً؛ فالذاكرة تحاول أن تُنقِذ ما مضى من النسيان، والشعر يمنح ما أنقذته الذاكرة شكلاً يمكن أن يبقى.
ولذلك لا يبدو الماضي في الديوان زمناً منتهياً بقدر ما يبدو مادةً حية يُعاد تشكيلها من الحاضر؛ فكل استدعاء للماضي هو، في جانب منه، إعادة اكتشاف للذات التي صنعتها تلك التجربة، ومحاولة لفهم ما بقي منها بعد أن تغيَّرت الظروف وتبدلَّت الوجوه.
والغياب، وَفق هذه الرؤية، ليس نقيض الحضور على نحو مطلق، وإنما إحدى صوره الممكنة.
فالغائبُ قد يحضر في الذاكرة، والمكانُ البعيد قد يظل قائماً في الحنين، والوجهُ الذي ابتعد قد يستمِرُّ في القصيدة، لا بوصفه صورةً ثابتة، وإنما بوصفه أثراً يتجدَّد كلما أعادت اللغة استدعاءه.
وهكذا تمنح الكتابة لما فقد وجوده المادي فرصةً لوجود آخَر؛ وجود لا يلغي الفقد، لكنه يمنعه من أن يكون محواً كاملاً.
وحين تتسع التجربة من الذات والحب إلى الوطن، لا يبدو هذا الانتقال خروجاً عن المسار الوجداني للديوان، بل هو امتدادٌ طبيعيٌّ له؛ فالوطنُ نفسُهُ يمكن أن يُقرأ بوصفه علاقةً بين الذاكرة والهُوِيَّة، وبين المكان وما يتركه في الإنسان من أثر.
تقول الشاعرة:
(نحن بكل الموانئ رحل)
ثم تقول:
(نحبك يا وطن القلب)
وبين (الموانئ) و(القلب) تتشَكَّل مسافة الوطن كلها؛ فالمَيناءُ مكان الرحيل، والقلبُ مكان البقاء، وبينهما يتحرَّك الإنسان حاملاً ما لا تستطيع المسافات انتزاعه منه.
قد يغادر الإنسان وطنه، لكن الوطن لا يغادره بالضرورة، وقد تتبدَّل الأمكنة مِنْ حولِهِ، بينما تظَلُّ داخلَه جغرافيا أخرى لا تخضع للحدود، ولا تتأثر بتغيُّر العناوين.
إن (وطن القلب) ليس تركيباً عاطفياً جميلاً فحسب، بل صياغة مكثفة لرؤية ترى الوطن انتماءً وذاكرةً وحنيناً، لا مجرد مِساحة جغرافية.
ومن هنا تتصِل تجرِبة الرحيل بتجرِبة الاغتراب، ويتصِل الحنين الفردي بالذاكرة الجمعية، ويصبح الوطن امتداداً لسؤال الذات عن المكان الذي تستطيع أن تكون فيه نفسها.
وحين تحضر القدس وفلسطين، تتجاوز الذاكرة حدود الفرد إلى الجرح الجمعي، ويتحَوَّل الشعر من استعادة تجرِبة خاصة إلى محاولة لحفظ معنًى إنسانِيٍّ أوسع.
وفي هذا السياق، تكتسب صورة (أطفال الحجارة) دلالةً لافتة، لأنها تُعيد الحَجَر نفسَهُ إلى قلب المفارقة التي تأسَّسَ عليها العنوان.
فالحَجَر الذي ظهر في (المدينة الحَجَرية) علامةٌ على الجمود والتحجُّر، يمكن أن يتحَوَّل في سياق المقاومة إلى علامة على الفعل والرفض.
وهنا لا تعود قيمةُ الرمز كامنةً في مادته، بل في السياق الذي يمنحه معناه، وفي اليد التي تحمله، والوجهة التي يتجه إليها.
فالحَجَر في المدينة قد يكون صورةً لعالَم فقد حساسيته، لكنه في يد الطفل الفلسطيني يُصبِح تعبيراً عن رفض الاستسلام، وعن محاولة انتزاع الفعل من واقع يحاصر الإرادة.
وبذلك تنقلب العلامة على نفسها؛ فما بدا رمزاً للسكون يغدو أداةً للاحتجاج، وما بدا مادةً صامتة يُصبِح جزءاً من خطاب المقاومة.
وهذه المفارقة تكشف عن إمكان مهم في البناء الرمزي للديوان: الأشياء لا تحمل معنًى واحداً ثابتاً خارج سياقاتها، وإنما تكتسب دلالاتها من علاقاتها بما يجاورها، ومن التجرِبة الإنسانية التي تستدعيها.
فالحَجَر ليس شراً مطلقاً، كما أن الماء ليس خلاصاً مطلقاً؛ وإنما تتحدَّد قيمة كل منهما بما يُمَثِّلُه داخل العالم الشعري.
وإذا كان الحَجَر يُمَثِّل الصلابة، فإن الماء يُمَثِّل الحركة والعبور والقدرة على التشكل.
وإذا كانت الصحراء تفتح أُفُق الفراغ والامتداد الموحش، فإن البحر يجمع بين احتمال الوصول واحتمال الضياع. فلا شيء في هذا العالم الشعري يبدو أحاديَ الدلالة تماماً؛ حتى البحرالذي يمكن أن يكون وعداً بالخلاص، يظَلُّ فضاءً للرحيل بقدر ما هو فضاء للأمل.
وهنا تتجلَّى حساسية التجرِبة في قدرتها على تجنُّب الثنائيات الجاهزة؛ فالمكان لا يكون خلاصاً لمجرد أننا نُغادِر إليه، والغيابُ لا يكون نسياناً لمجرد أن صاحبه ابتعد، والرحيلُ لا يعني دائماً التحرُّر، كما أن البقاء لا يعني دائماً الانتماء.
إن الأشياء في الشعر تكتسب معناها من التجرِبة التي تسكنها، لا من تعريفاتها القاموسية وحدَها.
وفي صور مثل (قوافل العزلة) و(أرغفة العزلة)، تتحَوَّل الوَحدة من حالة نفسية مُجردَّة إلى كيان يكاد يكون مادياً؛ فالعزلة قافلة تسير، وخبز يُؤكل، وشيء يدخل في تفاصيل الحياة اليومية، حتى يُصبِح جزءاً من نظامها المعتاد.
وهذه القدرة على تجسيد المعنى النفسي تمنح الصورة الشعرية فاعليتها؛ إذ لا تكتفي بإخبارنا أن الذات وحيدة، بل تجعل الوحدة قابلةً للتخيل، كأن لها حركةً ووزناً وطعماً.
وتنبع أهمية الصورة هنا من أنها تنقل التجربة من مستوى التقرير إلى مستوى التشكيل، فالشعر لا يقول لنا ما ينبغي أن نشعر به فحسب، وإنما يبتكر الهيئة التي يمكن أن نرى الشعور من خلالها، وبذلك تُصبِح الصورة وسيطاً بين التجربة الداخلية والقارئ؛ تمنح الوجدان شكلاً، وتمنح المجرد ملمساً، وتجعل المعنى أكثر قدرةً على البقاء في الذاكرة.
وعلى امتداد هذه المسارات، يعود الوجه ليظهر بوصفه المركز الخفي الذي تنتظم حولَه الدلالات؛ فالوجه هو ما تبحث عنه القصيدة حين تتحَجَّر المدينة، وما تحاول الذاكرة حفظه حين يغيب المكان، وما يستعيده الحب حين يُعيد الذات إلى نفسها، وما يحمله الوطن حين يتحَوَّل إلى انتماء، وما تحميه اللغة من خطر المحو.
إن الوجه، في هذا الأفق، ليس ملامح خارجية فحسب، وإنما علامة على بقاء الإنسان إنساناً؛ على قدرته على الشعور والاستجابة والتذَكُّر والتواصل.
وحين تُصبِح المدينة حَجَرية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في صلابة جدرانها، بل في أن تنتقل هذه الصلابة إلى العلاقات، وأن يصبح الإنسان عاجزاً عن رؤية الإنسان الآخَر، أو عن التعرُّف إلى نفسه في مرآة العالم.
لهذا تبدو القصيدة في الديوان فعلاً مُضادَّاً للتحجُّر؛ لا لأنها تستطيع أن تزيل قسوة الواقع بلمسة لغوية، وإنما لأنها ترفض أن تجعل القسوة قَدَراً نهائياً، أو أن تسمح للغياب بأن يتحَوَّل إلى محو، أو أن يتحَوَّل الصمت إلى الحالة الوحيدة الممكنة.
وهنا تتجلَّى العلاقة بين الرؤية والبناء الفني؛ فالصورة ليست زينةً تُضاف إلى المعنى، والرمز ليس غِلافاً لُغوياً لفكرة جاهزة، وإنما يُشكِّلان معاً طريقة النص في التفكير.
فحين تتقابل المدينة والحَجَر، أو الماء والصحراء، أو الميناء والقلب، لا تكون هذه التقابلات مجرد زخارف بلاغية، بل علاقات تنتج المعنى وتُوَسِّع أفقه.
وكذلك فإن استدعاء الذاكرة والتَّكرار والعودة إلى بعض الصور يمنح التجربة إمكان بناء روابط بين النصوص، ويجعل الموضوعات المتعددة وجوهاً لرؤية واحدة.
ومن المهم، في هذا السياق، ألا نختزل القيمة الفنية للديوان في رسالته الإنسانية وحدَها؛ فالموضوع النبيل لا يصنع شعراً بالضرورة، كما أن الفكرة العميقة لا تُصبِح تجرِبة جمالية مؤثرة إلا حين تجد شكلها الملائم في اللغة. وتنبع أهمية القراءة النقدية من النظر إلى كيفية تَشَكُّل المعنى، ومن تَتَبُّع العلاقة بين الصورة والإيقاع والرمز، وبين ما تقوله القصيدة، وما تصنعه في وعي قارئها.
فالشعر لا يكتفي بأن يُخبِرنا أن الإنسان يتألم، وإنما يبتكر لغةً تجعل الألم قابلاً للرؤية، ولا يكتفي بأن يُعلِن قيمة الوطن، وإنما يبحث عن الصورة التي تجعل الوطن خبرةً شعورية، ولا يكتفي بأن يرفض القسوة، وإنما يضعنا أمام مفارقاتها، حتى نعيد التفكير في علاقتنا بالعالم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة (وجوه المدينة الحَجَرية) بوصفه ديواناً تتجه مساراته المتعددة نحو مركز واحد: اِستعادة الإنسان من كل ما يُهَدِّد بتحويله إلى شيء بين الأشياء.
فالحبُّ يستعيد الذات من عزلتها، والذاكرةُ تحمي الأثر من النسيان، والوطنُ يحفظ معنى الانتماء، والشِّعرُ يمنح هذه التجارب جميعاً لغةً تُقاوِم المحو.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: إن الشاعرة لا تواجه الحَجَر بحَجَر آخَر، ولا تجعل القصيدة صورةً مقابلة للقسوة فحسب، بل تبحث عن الماء والورد والذاكرة والوجه؛ عن كل ما يستطيع أن يُثبِت أن الحياة لم تفقد قدرتها على الحركة، وأن الحساسية الإنسانية لم تُستنفد تماماً، وأن اللغة لا تزال قادرةً على فتح نافذة في جدار الصمت.
في النهاية، لا يبدو (وجوه المدينة الحَجَرية) مجرد ديوان عن الغربة أو الحب أو الوطن أو الرحيل؛ فهذه الموضوعات، على تعدُّدِها، ليست إلا مسارات تتجه جميعها إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يبقى من الإنسان حين يبدأ العالم في انتزاع قدرته على الشعور؟
تنبع القيمة الأعمق للتجربة من أنها لا تكتفي بتسجيل قسوة العالم، وإنما تُعيد تشكيلها شِعرياً، ولا ترصد الاغتراب باعتباره حالةً عابرة، بل تُحَوِّله إلى سؤال عن الهُوِيَّة والانتماء، ولا تتعامل مع الذاكرة بوصفها حنيناً إلى ما مضى، وإنما تمنحها وظيفةً مقاومةً للنسيان والمحو.
لقد جعلت الشاعرة من العنوان نواةً دلالية تتفرع منها موضوعات الديوان وصوره؛ فالوجهُ هو الإنسان، والمدينةُ هي العالم، والحَجَرُ هو كل ما يُهَدِّد إنسانية هذا الإنسان من قسوة وصمت واغتراب وفَقْد.
وبين هذه العناصر تنهض القصيدة بوصفها قوةً مضادة للتحجُّر؛ تستعيد ما غاب، وتمنح الصوت لما ابتلعه الصمت، وتحفظ للأمكنة أثرَها، وللوجوه ملامِحَها، وللذاكرة حقَّها في البقاء.
وإذا كانت الموضوعات المُتعدِّدة تمنح الديوان اتساعه، فإن وَحدة الرؤية تمنحه تماسكه؛ فالحبُ والرحيلُ والوطنُ والبحرُ والصحراءُ والذاكرةُ والآخَرُ ليست عوالم منفصلة، بل وجوه مختلفة لسؤال واحد: كيف يبقى الإنسان إنساناً حين يُصبِح العالم أقلَّ إنسانية؟
إن الشاعرة لا تُقَدِّم الحَجَر بوصفه قَدَراً نهائياً؛ فالتحَجُّرُ موجود، لكنه ليس الكلمة الأخيرة، والغيابُ يحدُث، لكنه لا يمحو الحضور تماماً، والرحيلُ يقَع، لكنه لا يلغي الانتماء، والصمتُ يُحاصِر الإنسان، لكن اللغة تستطيع أن تَشُقَّ فيه نافذة.
ومن هنا تُصبِح الكتابة فعل استرداد: اِسترداد للوجه من القسوة، وللمكان من النسيان، وللذات من الاغتراب، وللإنسان من خطر أن يفقد ملامحه الداخلية وهو يحاول التكيُّف مع عالَمِه.
وربما كان أجمل ما تقوله هذه التجربة، من دون أن تُحَوِّلَه إلى شعار مباشر، إن الشعر لا ينتصر لأنه يهزم العالم، بل لأنه يرفض أن يتشبه به؛ لا يسمح للقسوة بأن تتحَوَّل إلى طبيعة، ولا للغياب بأن يُصبِح عَدَمَاً، ولا للإنسان بأن يعتاد الحَجَر حتى يفقد قدرته على الإحساس.
“فالمدينةُ قد تتحَجَّر، لكن الإنسان لا ينبغي أن يتحَجَّر، والوجوهُ قد يُغطيها الغياب، لكن اللغة تستطيع أن تستدعيها، والأمكنةُ قد تتغيَّر، لكن الذاكرة قادرة على حفظ أثرها”.
وهنا تبلغ القراءة سؤالها الأخير: إذا كانت المدينة قد تحَجَّرَت، فهل ما زال في وجوهها وجهٌ يمكن أن يبتسم؟
لعل الإجابة لا تكمن في أن القصيدة قادرة على إعادة بناء المدينة من جديد، وإنما في أنها قادرة على حماية ما لم يتحَجَّر في الإنسان بعدُ؛ ذلك الجزء الهَشُّ الذي يُحِبُّ، ويتذَكَّر، ويحلُم، ويتألَّم، ثم يجد في اللغة وسيلةً كي لا يختفي.
في عالمٍ تتكاثر فيه الحجارة، لا تكون مُهِمَّة القصيدة أن تهدمها جميعاً؛ يكفي أن تكشف أن تحتها وجهاً ما زال حيَّاً، وأن تمنح هذا الوجه فرصةً لأن يُرى، وأن تقول للعالم إن الإنسان ليس ما يتركه الزمن عليه من صلابة، وإنما ما يستطيع الاحتفاظ به من قدرة على الحياة.
وهذه، في جوهرها، هي المسافة التي يقطعها (وجوه المدينة الحَجَرية): من الحَجَر إلى الوجه، ومن الاغتراب إلى الذاكرة، ومن قسوة العالم إلى مقاومة الشِّعر؛ مسافةٌ لا تنتصر فيها القصيدة لأنها أزالت الحجارة، وإنما لأنها أثبتت أن الحَجَرمهما اتسع، لا يستطيع أن يكون الكلمة الأخيرة ما دام في الإنسان قلبٌ يتذَكَّر، ولسانٌ يقول، وقصيدةٌ تمنح الحياة فرصةً أخرى.
شِعرية الوجه في مواجهة تحَجُّر العالم
قراءة نقدية في ديوان (وجوه المدينة الحَجَرية) للشاعرة “شادية حفظي”
بقلم: د. “هند محسن”
في البدايةِ ليست كل المدن التي تُشيَّد من الحَجَر مدناً قاسية، وليست كل الوجوه التي تَسكُنُها قادرةً على الاحتفاظ بملامحها؛ فثَمَّةَ مدن تتجاوز حجارتها حدود العمارة لتستقِرَّ في الأرواح، وثَمَّةّ وجوه لا تفقد ملامحها بفعل الزمن، وإنما بفعل ما يتراكم عليها من صمتٍ وخيباتٍ واغتراب.
وبين مدينة تتصلَّب حتى تفقد قدرتها على الاحتضان، وإنسان يحاول أن يحتفظ بما تَبَقَّى فيه من رهافة، تولد القصيدة بوصفها محاولةً لاسترداد الحياة من قلب ما يُهددها بالفناء المعنوي.
من هذه المنطقة الملتبسة بين قسوة العالم وهشاشة الإنسان، أقترِبُ من ديوان (وجوه المدينة الحَجَرية) للأستاذة الشاعرة “شادية محمد حفظي”، لا بوصفه مجموعةً من النصوص، التي تتجاور فيها موضوعات الحب والرحيل والوطن والذاكرة، وإنما بوصفه عالماً شِعرياً تتعدَّد مداخله، بينما تنتظم حركته الداخلية حول سؤال جوهري:
كيف يستطيع الإنسان أن يحتفظ بوجهه الإنساني في عالمٍ يتقن صناعة الحَجَر؟
وقبل أن أدخل إلى هذا العالم، تسبق القراءةَ كلمةُ امتنان للشاعرة “شادية محمد حفظي”، التي أهدتني ديوانها ومنحتني ثقة الاقتراب من تجرِبتها عبر نصوصها؛ وهي ثقة أتعامل معها باعتبارها مسؤولية نقدية تقتضي أن أتجاوز المجاملة إلى التأمل، وأن أُنصِت إلى النص في خصوصيته الفنية، لا أن أكتفي بما يثيره من انطباع أولي أو بما تمنحه لصاحبته من تقدير.
فالإهداء، في علاقته بالقراءة، ليس نهايةً لفعل الكتابة، وإنما بداية لحياة أخرى للنص؛ إذ ينتقل من خصوصية التجربة التي أنشأته إلى فضاء التأويل؛ حيث تتجدَّد دِلالاته بقدر ما يثيره من أسئلة.
ولعل ما يستوقفني في تجربة الشاعرة، قبل تفاصيلها، هو هذا الإصرار على التعامل مع الكتابة باعتبارها رحلةً مستمرة في تطوير الذات والأداة والوعي؛ فالقصيدة الحقيقية لا تنمو بالموهبة وحدها، وإنما بما يجاورها من قراءة وتجربة ومراجعة واحتكاك دائم بالحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الاقتراب من الديوان بوصفه تجربةً تستحق أن تُقرأ من داخل بِنيتها، وأن يُبحث عن خيطها الناظم، الذي يَصِل بين نصوصها، ويمنح تنوع موضوعاتها وحدةً أعمق من مجرد الاشتراك في الحقول الوجدانية.
فمنذ عتبة العنوان (وجوه المدينة الحَجَرية)، يضعنا الديوان أمام مفارقة شعرية شديدة الثراء: كيف يمكن للوجه، وهو أكثر العلامات التصاقاً بالإنسان، أن يصبح حَجَرياً؟ وكيف تتحَوَّل المدينة التي يُفتَرض أن تكون فضاءً للحياة والتجاور والحركة، إلى فضاء تتجَمَّد فيه الملامح وتفقد الأشياءُ دِفْئَها؟
إن الحَجَر هنا لا يظل مادةً صُلبة، وإنما يتحَوَّل إلى حالة تتجاوز حدود المكان، لتستقر في الإنسان والعلاقات والذاكرة.
فالمدينة الحَجَرية ليست بالضرورة مدينةً مبنية من الحجارة، بل مدينة تتسرَّب حجارتها إلى أرواح ساكنيها؛ مدينة تتراجع فيها القدرة على الدهشة، ويُصبِح فيها الإنسان محاصراً ببرودة العالم، حتى يبدو الوجه الذي يفترض أن يكون مرآةً للروح سطحاً مُغلقاً لا يُفصِح عن شيء.
واللافت أن الشاعرة لم تجعل عنوان ديوانها (المدينة الحَجَرية) وحدَها، بل جعلت (الوجوه) في صدارة المشهد؛ وكأنها تَنقُل مركز الثقل من المكان إلى الإنسان، وتجعل المدينة تُقرأ من خلال أثرها في ملامح ساكنيها. فالمدينة لا تُقاس هنا باتساع شوارعها ولا بارتفاع مبانيها، وإنما بما تتركه في وجوه أهلها من أثر؛ والوجه، في المقابل، لا يعود مجرد ملامح خارجية، بل يصبح سجلاً خفياً لما عجز الإنسان عن قوله، وما لم تستطع الحياة أن تمحوه تماماً.
وهكذا يغدو العنوان مفتاحاً تأويلياً تتوَلَّد منه شبكة الديوان الدلالية؛ فالحبُّ محاولة لاستعادة الوجه، والذاكرةُ محاولة لحفظ ملامحه، والوطنُ محاولة لاستعادة الانتماء، والشعرُ فعلٌ يقاوم تَحَوُّل هذه الملامح إلى أثر صامت. ومن هنا لا تُقَدِّم الشاعرة موضوع الديوان بقدر ما تكشف عن أزمته الكبرى: الإنسانُ في مواجهة عالم يفقد حساسيته، والقصيدةُ في مواجهة واقع يُهَدِّد بتحويل الحياة إلى مادة جامدة.
ولأن المكان في هذه التجربة لا يبقى مكاناً، فإن المدينة والبحر والصحراء والطريق والميناء تتجاوز وظائفها الجغرافية؛ لتصبح حالاتٍ نفسية ووجودية.
المدينةُ قد تتحَوَّل إلى ذاكرة مُثْقَلة، والبحرُ إلى احتمال للعبور، والصحراءُ إلى اتساع موحش للفراغ، والطريقُ إلى سؤال مفتوح عن المصير، والمَيناءُ إلى منطقة مُعَلَّقة بين الرحيل والعودة، بينما يتحَوَّل الوطن من حدود جغرافية إلى انتماء يسكن القلب حتى حين تفصل الإنسان عنه المسافات.
إننا لا نسكن الأمكنة وحدَها؛ فالأمكنة تسكننا أيضاً، وتواصل وجودها فينا بعد أن نغادرها.
وقد يفقد المكان حضوره المادي، لكنه يستعيد حضوره النفسي، كلما استدعته الذاكرة، أو أعادت اللغة بناءه.
ومن هنا يمكن قراءة الفضاء الشعري في الديوان بوصفه جغرافيا للوجدان؛ جغرافيا لا تُحَدِّدها المسافات بين المدن، بل المسافات بين الذات ونفسها، وبين الإنسان وما يحب، وبين الذاكرة وما تُحاوِل إنقاذه من النسيان.
في هذا السياق، تكتسب عبارة الشاعرة:
(أعود منك إليك)
كثافةً دلالية تتجاوز ظاهرها العاطفي؛ فحركة العودة لا تستقِرُّ عند الآخر بوصفه غايةً نهائية، وإنما تفتح دائرةً يعود فيها الإنسان إلى ذاته عبر علاقته بغيره، فالآخَر ليس مجرد شخص نذهب إليه، بل قد يصبح المرآة التي نكتشف فيها ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا، وقد يتحَوَّل الحب من علاقة تجمع ذاتين إلى تجربة تُعيد تشكيل كل منهما من الداخل.
إن الذات، وهي تتجه نحو الآخَر، لا تفقد نفسها بالضرورة، بل قد تعثر عليها للمرة الأولى، وهنا يُصبِح الحب معرفةً بالذات بقدر ما هو انفتاح على الآخَر، ويُصبِح الغياب، على قسوته، قوةً تُعيد تشكيل الحضور داخل الذاكرة، فليس كل من يغيب ينتهي أثره، وليس كل من يبتعد يفقد قدرته على التأثير؛ إذ قد يُصبِح الغائب أكثر حضوراً في الوعي من كثيرين يجاوروننا في المكان.
ومِنْ ثَمَّ، لا يبدو الحب في الديوان موضوعاً غنائياً منعزلاً عن بقية التجربة، وإنما أحد المسارات التي تسأل الذات من خلالها عن هويتها ومصيرها.
فالحب هنا ليس نقيض الاغتراب دائماً، بل قد يكون أحد المواضع التي ينكشف فيها الاغتراب بأقصى درجاته؛ لأن القرب لا يضمن الفهم، كما أن الحضور لا يضمن النجاة من الوَحدة.
ولعل هذا ما يجعل عبارة الشاعرة: (هاربة من ذاتي) أكثر اتساعاً من معناها المباشر؛ فهي لا تُحيل إلى الغربة عن مكان، أو شخص بقدر ما تفتح باباً إلى منطقة أكثر تعقيداً: الغربة عن الذات نفسها.
فالإنسان يستطيع أن يُغيِّر مكانه، وأن يبتعد عمن يؤلمه، وأن يُعيد ترتيب تفاصيل حياته، لكنه لا يستطيع أن يترك ذاته خلفه.
وحين تُصبِح الذات موضعاً للهروب، يتحَوَّل الاغتراب من تجربة خارجية إلى مأزق وجودي؛ إذ لا يعود السؤال: أين أذهب؟ وإنما: كيف أتصالح مع ما أحمله في داخلي؟
غير أن الشاعرة لا تترك الذات في عزلتها، ولا تجعل الألم نهايةً مُغلَقة للتجربة، بل تمنحه اللغة، وتفتح أمامه إمكانية التحَوُّل إلى صورة شعرية.
وهنا يبدأ أحد أهم مسارات الديوان: يتحَوَّل الألمُ إلى تعبير، والغيابُ إلى خطاب، والحنينُ إلى قصيدة، والعجزُ عن تغيير الواقع إلى قدرة على إعادة تشكيله رمزياً.
وهذه، في تقديري، إحدى الوظائف النبيلة للشعر؛ فهو لا يُلغِي الألم بالضرورة، ولا يَعِدُ صاحبه بخلاص سهل، وإنما يمنحه معنًى يمكن احتماله، ويضعه في فضاء اللغة بدلاً من أن يظل كتلةً غامضة تستنزف الروح.
فالقصيدة لا تشفي الجرح دائماً، لكنها تمنحه اسماً، والاسمُ بدايةُ مواجهة الشيء بدلاً من الاستسلام لغموضه.
وحين تقول الشاعرة:
(والشعر عندي
روح طير هائم)
ثم تقول:
(لا أملك
غير حروف
وقصيدة)
تتضح المكانة التي يحتلها الشعر داخل تجربتها؛ فهو ليس شيئاً تملكه الذات إلى جوار أشياء أخرى، بل يبدو كأنه ما يتبقَّى لها حين تتراجع الأشياء، وما تستعيد به قدرتها على القول، حين يضيق العالم عن الإصغاء.
واللافت في صورة (روح طير هائم) أنها تجمع بين الروح والحركة، وبين الخِفَّة وعدم الاستقرار؛ فالطير لا ينتمي إلى الأرض بالطريقة التي تنتمي بها الأشياء الثابتة، وإنما يظل مفتوحاً على احتمالات العبور، بينما تمنح كلمة (هائم) هذه الحركة مسحةً من التيه والبحث. وهكذا لا يبدو الشعر استقراراً نهائياً، بل هو حركةٌ مستمرَّةٌ بين ما فُقد وما يُرجى، وبين واقع يضيق بالذات وأُفُقٍ تحاول أن تبلغه.
أما عبارة :
(لا أملك
غير حروف
وقصيدة)
فتضعنا أمام مفارقة أخرى: تبدو الذات فقيرةً من جهة ما تملكه مادياً، لكنها تحتفظ بما يسمح لها بمقاومة الفقد رمزياً.
فحين لا يبقى المكان، تبقى الذاكرة؛ وحين تُصبِح الذاكرة مُهَدَّدة بالنسيان، تبقى اللغة؛ وحين يبدو الواقع أكثر قسوة من احتماله، تصبح القصيدة مساحةً لإعادة ترتيب العالم.
بهذا المعنى، تؤدي الكتابة وظيفة مزدوِجة: إنها تعبير عن الذات، ومقاومة للمحو في الوقت نفسه.
فالقصيدة تشهد بأن هذا المكان كان موجوداً، وأن هذا الوجه مرّ من هنا، وأن هذا الحب ترك أثراً، وأن هذا الوطن ما زال حياً في الذاكرة.
إنها لا تستعيد الماضي كما كان، وإنما تمنحه وجوداً جديداً داخل اللغة، وتُقاوِم أن يتحَوَّل ما مضى إلى عدمٍ كامل.
ومن هنا تتصِل الذاكرة بالشعر اتصالاً عميقاً؛ فالذاكرة تحاول أن تُنقِذ ما مضى من النسيان، والشعر يمنح ما أنقذته الذاكرة شكلاً يمكن أن يبقى.
ولذلك لا يبدو الماضي في الديوان زمناً منتهياً بقدر ما يبدو مادةً حية يُعاد تشكيلها من الحاضر؛ فكل استدعاء للماضي هو، في جانب منه، إعادة اكتشاف للذات التي صنعتها تلك التجربة، ومحاولة لفهم ما بقي منها بعد أن تغيَّرت الظروف وتبدلَّت الوجوه.
والغياب، وَفق هذه الرؤية، ليس نقيض الحضور على نحو مطلق، وإنما إحدى صوره الممكنة.
فالغائبُ قد يحضر في الذاكرة، والمكانُ البعيد قد يظل قائماً في الحنين، والوجهُ الذي ابتعد قد يستمِرُّ في القصيدة، لا بوصفه صورةً ثابتة، وإنما بوصفه أثراً يتجدَّد كلما أعادت اللغة استدعاءه.
وهكذا تمنح الكتابة لما فقد وجوده المادي فرصةً لوجود آخَر؛ وجود لا يلغي الفقد، لكنه يمنعه من أن يكون محواً كاملاً.
وحين تتسع التجربة من الذات والحب إلى الوطن، لا يبدو هذا الانتقال خروجاً عن المسار الوجداني للديوان، بل هو امتدادٌ طبيعيٌّ له؛ فالوطنُ نفسُهُ يمكن أن يُقرأ بوصفه علاقةً بين الذاكرة والهُوِيَّة، وبين المكان وما يتركه في الإنسان من أثر.
تقول الشاعرة:
(نحن بكل الموانئ رحل)
ثم تقول:
(نحبك يا وطن القلب)
وبين (الموانئ) و(القلب) تتشَكَّل مسافة الوطن كلها؛ فالمَيناءُ مكان الرحيل، والقلبُ مكان البقاء، وبينهما يتحرَّك الإنسان حاملاً ما لا تستطيع المسافات انتزاعه منه.
قد يغادر الإنسان وطنه، لكن الوطن لا يغادره بالضرورة، وقد تتبدَّل الأمكنة مِنْ حولِهِ، بينما تظَلُّ داخلَه جغرافيا أخرى لا تخضع للحدود، ولا تتأثر بتغيُّر العناوين.
إن (وطن القلب) ليس تركيباً عاطفياً جميلاً فحسب، بل صياغة مكثفة لرؤية ترى الوطن انتماءً وذاكرةً وحنيناً، لا مجرد مِساحة جغرافية.
ومن هنا تتصِل تجرِبة الرحيل بتجرِبة الاغتراب، ويتصِل الحنين الفردي بالذاكرة الجمعية، ويصبح الوطن امتداداً لسؤال الذات عن المكان الذي تستطيع أن تكون فيه نفسها.
وحين تحضر القدس وفلسطين، تتجاوز الذاكرة حدود الفرد إلى الجرح الجمعي، ويتحَوَّل الشعر من استعادة تجرِبة خاصة إلى محاولة لحفظ معنًى إنسانِيٍّ أوسع.
وفي هذا السياق، تكتسب صورة (أطفال الحجارة) دلالةً لافتة، لأنها تُعيد الحَجَر نفسَهُ إلى قلب المفارقة التي تأسَّسَ عليها العنوان.
فالحَجَر الذي ظهر في (المدينة الحَجَرية) علامةٌ على الجمود والتحجُّر، يمكن أن يتحَوَّل في سياق المقاومة إلى علامة على الفعل والرفض.
وهنا لا تعود قيمةُ الرمز كامنةً في مادته، بل في السياق الذي يمنحه معناه، وفي اليد التي تحمله، والوجهة التي يتجه إليها.
فالحَجَر في المدينة قد يكون صورةً لعالَم فقد حساسيته، لكنه في يد الطفل الفلسطيني يُصبِح تعبيراً عن رفض الاستسلام، وعن محاولة انتزاع الفعل من واقع يحاصر الإرادة.
وبذلك تنقلب العلامة على نفسها؛ فما بدا رمزاً للسكون يغدو أداةً للاحتجاج، وما بدا مادةً صامتة يُصبِح جزءاً من خطاب المقاومة.
وهذه المفارقة تكشف عن إمكان مهم في البناء الرمزي للديوان: الأشياء لا تحمل معنًى واحداً ثابتاً خارج سياقاتها، وإنما تكتسب دلالاتها من علاقاتها بما يجاورها، ومن التجرِبة الإنسانية التي تستدعيها.
فالحَجَر ليس شراً مطلقاً، كما أن الماء ليس خلاصاً مطلقاً؛ وإنما تتحدَّد قيمة كل منهما بما يُمَثِّلُه داخل العالم الشعري.
وإذا كان الحَجَر يُمَثِّل الصلابة، فإن الماء يُمَثِّل الحركة والعبور والقدرة على التشكل.
وإذا كانت الصحراء تفتح أُفُق الفراغ والامتداد الموحش، فإن البحر يجمع بين احتمال الوصول واحتمال الضياع. فلا شيء في هذا العالم الشعري يبدو أحاديَ الدلالة تماماً؛ حتى البحرالذي يمكن أن يكون وعداً بالخلاص، يظَلُّ فضاءً للرحيل بقدر ما هو فضاء للأمل.
وهنا تتجلَّى حساسية التجرِبة في قدرتها على تجنُّب الثنائيات الجاهزة؛ فالمكان لا يكون خلاصاً لمجرد أننا نُغادِر إليه، والغيابُ لا يكون نسياناً لمجرد أن صاحبه ابتعد، والرحيلُ لا يعني دائماً التحرُّر، كما أن البقاء لا يعني دائماً الانتماء.
إن الأشياء في الشعر تكتسب معناها من التجرِبة التي تسكنها، لا من تعريفاتها القاموسية وحدَها.
وفي صور مثل (قوافل العزلة) و(أرغفة العزلة)، تتحَوَّل الوَحدة من حالة نفسية مُجردَّة إلى كيان يكاد يكون مادياً؛ فالعزلة قافلة تسير، وخبز يُؤكل، وشيء يدخل في تفاصيل الحياة اليومية، حتى يُصبِح جزءاً من نظامها المعتاد.
وهذه القدرة على تجسيد المعنى النفسي تمنح الصورة الشعرية فاعليتها؛ إذ لا تكتفي بإخبارنا أن الذات وحيدة، بل تجعل الوحدة قابلةً للتخيل، كأن لها حركةً ووزناً وطعماً.
وتنبع أهمية الصورة هنا من أنها تنقل التجربة من مستوى التقرير إلى مستوى التشكيل، فالشعر لا يقول لنا ما ينبغي أن نشعر به فحسب، وإنما يبتكر الهيئة التي يمكن أن نرى الشعور من خلالها، وبذلك تُصبِح الصورة وسيطاً بين التجربة الداخلية والقارئ؛ تمنح الوجدان شكلاً، وتمنح المجرد ملمساً، وتجعل المعنى أكثر قدرةً على البقاء في الذاكرة.
وعلى امتداد هذه المسارات، يعود الوجه ليظهر بوصفه المركز الخفي الذي تنتظم حولَه الدلالات؛ فالوجه هو ما تبحث عنه القصيدة حين تتحَجَّر المدينة، وما تحاول الذاكرة حفظه حين يغيب المكان، وما يستعيده الحب حين يُعيد الذات إلى نفسها، وما يحمله الوطن حين يتحَوَّل إلى انتماء، وما تحميه اللغة من خطر المحو.
إن الوجه، في هذا الأفق، ليس ملامح خارجية فحسب، وإنما علامة على بقاء الإنسان إنساناً؛ على قدرته على الشعور والاستجابة والتذَكُّر والتواصل.
وحين تُصبِح المدينة حَجَرية، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في صلابة جدرانها، بل في أن تنتقل هذه الصلابة إلى العلاقات، وأن يصبح الإنسان عاجزاً عن رؤية الإنسان الآخَر، أو عن التعرُّف إلى نفسه في مرآة العالم.
لهذا تبدو القصيدة في الديوان فعلاً مُضادَّاً للتحجُّر؛ لا لأنها تستطيع أن تزيل قسوة الواقع بلمسة لغوية، وإنما لأنها ترفض أن تجعل القسوة قَدَراً نهائياً، أو أن تسمح للغياب بأن يتحَوَّل إلى محو، أو أن يتحَوَّل الصمت إلى الحالة الوحيدة الممكنة.
وهنا تتجلَّى العلاقة بين الرؤية والبناء الفني؛ فالصورة ليست زينةً تُضاف إلى المعنى، والرمز ليس غِلافاً لُغوياً لفكرة جاهزة، وإنما يُشكِّلان معاً طريقة النص في التفكير.
فحين تتقابل المدينة والحَجَر، أو الماء والصحراء، أو الميناء والقلب، لا تكون هذه التقابلات مجرد زخارف بلاغية، بل علاقات تنتج المعنى وتُوَسِّع أفقه.
وكذلك فإن استدعاء الذاكرة والتَّكرار والعودة إلى بعض الصور يمنح التجربة إمكان بناء روابط بين النصوص، ويجعل الموضوعات المتعددة وجوهاً لرؤية واحدة.
ومن المهم، في هذا السياق، ألا نختزل القيمة الفنية للديوان في رسالته الإنسانية وحدَها؛ فالموضوع النبيل لا يصنع شعراً بالضرورة، كما أن الفكرة العميقة لا تُصبِح تجرِبة جمالية مؤثرة إلا حين تجد شكلها الملائم في اللغة. وتنبع أهمية القراءة النقدية من النظر إلى كيفية تَشَكُّل المعنى، ومن تَتَبُّع العلاقة بين الصورة والإيقاع والرمز، وبين ما تقوله القصيدة، وما تصنعه في وعي قارئها.
فالشعر لا يكتفي بأن يُخبِرنا أن الإنسان يتألم، وإنما يبتكر لغةً تجعل الألم قابلاً للرؤية، ولا يكتفي بأن يُعلِن قيمة الوطن، وإنما يبحث عن الصورة التي تجعل الوطن خبرةً شعورية، ولا يكتفي بأن يرفض القسوة، وإنما يضعنا أمام مفارقاتها، حتى نعيد التفكير في علاقتنا بالعالم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة (وجوه المدينة الحَجَرية) بوصفه ديواناً تتجه مساراته المتعددة نحو مركز واحد: اِستعادة الإنسان من كل ما يُهَدِّد بتحويله إلى شيء بين الأشياء.
فالحبُّ يستعيد الذات من عزلتها، والذاكرةُ تحمي الأثر من النسيان، والوطنُ يحفظ معنى الانتماء، والشِّعرُ يمنح هذه التجارب جميعاً لغةً تُقاوِم المحو.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: إن الشاعرة لا تواجه الحَجَر بحَجَر آخَر، ولا تجعل القصيدة صورةً مقابلة للقسوة فحسب، بل تبحث عن الماء والورد والذاكرة والوجه؛ عن كل ما يستطيع أن يُثبِت أن الحياة لم تفقد قدرتها على الحركة، وأن الحساسية الإنسانية لم تُستنفد تماماً، وأن اللغة لا تزال قادرةً على فتح نافذة في جدار الصمت.
في النهاية، لا يبدو (وجوه المدينة الحَجَرية) مجرد ديوان عن الغربة أو الحب أو الوطن أو الرحيل؛ فهذه الموضوعات، على تعدُّدِها، ليست إلا مسارات تتجه جميعها إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يبقى من الإنسان حين يبدأ العالم في انتزاع قدرته على الشعور؟
تنبع القيمة الأعمق للتجربة من أنها لا تكتفي بتسجيل قسوة العالم، وإنما تُعيد تشكيلها شِعرياً، ولا ترصد الاغتراب باعتباره حالةً عابرة، بل تُحَوِّله إلى سؤال عن الهُوِيَّة والانتماء، ولا تتعامل مع الذاكرة بوصفها حنيناً إلى ما مضى، وإنما تمنحها وظيفةً مقاومةً للنسيان والمحو.
لقد جعلت الشاعرة من العنوان نواةً دلالية تتفرع منها موضوعات الديوان وصوره؛ فالوجهُ هو الإنسان، والمدينةُ هي العالم، والحَجَرُ هو كل ما يُهَدِّد إنسانية هذا الإنسان من قسوة وصمت واغتراب وفَقْد.
وبين هذه العناصر تنهض القصيدة بوصفها قوةً مضادة للتحجُّر؛ تستعيد ما غاب، وتمنح الصوت لما ابتلعه الصمت، وتحفظ للأمكنة أثرَها، وللوجوه ملامِحَها، وللذاكرة حقَّها في البقاء.
وإذا كانت الموضوعات المُتعدِّدة تمنح الديوان اتساعه، فإن وَحدة الرؤية تمنحه تماسكه؛ فالحبُ والرحيلُ والوطنُ والبحرُ والصحراءُ والذاكرةُ والآخَرُ ليست عوالم منفصلة، بل وجوه مختلفة لسؤال واحد: كيف يبقى الإنسان إنساناً حين يُصبِح العالم أقلَّ إنسانية؟
إن الشاعرة لا تُقَدِّم الحَجَر بوصفه قَدَراً نهائياً؛ فالتحَجُّرُ موجود، لكنه ليس الكلمة الأخيرة، والغيابُ يحدُث، لكنه لا يمحو الحضور تماماً، والرحيلُ يقَع، لكنه لا يلغي الانتماء، والصمتُ يُحاصِر الإنسان، لكن اللغة تستطيع أن تَشُقَّ فيه نافذة.
ومن هنا تُصبِح الكتابة فعل استرداد: اِسترداد للوجه من القسوة، وللمكان من النسيان، وللذات من الاغتراب، وللإنسان من خطر أن يفقد ملامحه الداخلية وهو يحاول التكيُّف مع عالَمِه.
وربما كان أجمل ما تقوله هذه التجربة، من دون أن تُحَوِّلَه إلى شعار مباشر، إن الشعر لا ينتصر لأنه يهزم العالم، بل لأنه يرفض أن يتشبه به؛ لا يسمح للقسوة بأن تتحَوَّل إلى طبيعة، ولا للغياب بأن يُصبِح عَدَمَاً، ولا للإنسان بأن يعتاد الحَجَر حتى يفقد قدرته على الإحساس.
“فالمدينةُ قد تتحَجَّر، لكن الإنسان لا ينبغي أن يتحَجَّر، والوجوهُ قد يُغطيها الغياب، لكن اللغة تستطيع أن تستدعيها، والأمكنةُ قد تتغيَّر، لكن الذاكرة قادرة على حفظ أثرها”.
وهنا تبلغ القراءة سؤالها الأخير: إذا كانت المدينة قد تحَجَّرَت، فهل ما زال في وجوهها وجهٌ يمكن أن يبتسم؟
لعل الإجابة لا تكمن في أن القصيدة قادرة على إعادة بناء المدينة من جديد، وإنما في أنها قادرة على حماية ما لم يتحَجَّر في الإنسان بعدُ؛ ذلك الجزء الهَشُّ الذي يُحِبُّ، ويتذَكَّر، ويحلُم، ويتألَّم، ثم يجد في اللغة وسيلةً كي لا يختفي.
في عالمٍ تتكاثر فيه الحجارة، لا تكون مُهِمَّة القصيدة أن تهدمها جميعاً؛ يكفي أن تكشف أن تحتها وجهاً ما زال حيَّاً، وأن تمنح هذا الوجه فرصةً لأن يُرى، وأن تقول للعالم إن الإنسان ليس ما يتركه الزمن عليه من صلابة، وإنما ما يستطيع الاحتفاظ به من قدرة على الحياة.
وهذه، في جوهرها، هي المسافة التي يقطعها (وجوه المدينة الحَجَرية): من الحَجَر إلى الوجه، ومن الاغتراب إلى الذاكرة، ومن قسوة العالم إلى مقاومة الشِّعر؛ مسافةٌ لا تنتصر فيها القصيدة لأنها أزالت الحجارة، وإنما لأنها أثبتت أن الحَجَرمهما اتسع، لا يستطيع أن يكون الكلمة الأخيرة ما دام في الإنسان قلبٌ يتذَكَّر، ولسانٌ يقول، وقصيدةٌ تمنح الحياة فرصةً أخرى.




