شيماء مصطفى: ما الذي يجذب أطفالنا إلى “المانغا”؟


شيماء مصطفى ★
قبل أسابيع قليلة، جاءتني إحدى الأمهات تسألني عن طريقة تثري من خلالها مخزون صغيرها اللغوي، وتدنيه من لغته الأم، بلا أي تريث أجبتُها، القراءة خارج الأطر المنهجية المقررة عليه، بعد سنوات طويلة في عالم التدريس لم أجد أفضل من قراءة القصص وقراءة القرآن في تعليم الصغار دون إلزام، أغلب من وجدتهم يتقنون قواعد اللغة وقراءتهم صحيحة من حيث المخارج ، ولديهم طريقة في الكتابة يعبرون بها عن أفكارهم ومشاعرهم تكاد تخلو من الأخطاء الإملائية والأسلوبية، هم قارؤ القرآن والقصص.
طلبت مني أن أرشح لها بعض الأعمال لتجلبها لصغارها خلال الإجازة الصيفية ، من جهة كما ذكرت ليتقنوا اللغة، ومن جهة أخرى كي لا يقضون أغلب أوقاتهم أمام الهواتف الخلوية.

إن كنت قد أجبتها بلا تردد في سؤالها الأول لي ، فإني هنا وقبل ترشيح أي عمل ، عليّ التريث لمعايير الانتقاء وأبسطها :التركيب النوعي (ذكور/إناث)، المرحلة العمرية ، ميولهم ، وخبراتهم ، كأن أقول هل هذه المرة الأولى لهم في خوض تجربة القراءة أم أنهم يمارسون القراءة بانتظام.
صحيح أن لدينا أدباء متخصصون في مجال الكتابة للطفل إلا أن صغارنا لا يعلمون عنهم شيئًا فحتى حين نصطحب صغارنا لحضور فعاليات معرض الكتاب وهو الفاعلية الأبرز نجد أن أغلب الصغار والأسر حين يرغبون في انتقاء كتاب لا يذهبون وفي رأسهم قائمة مسبقة للكتب، أو أسماء أدباء دون غيرهم يودون شراء أعمالهم.
ولنكون أكثر إنصافًا لا يمكننا أن نلقي بالمسؤولية على الأدباء وحدهم، فبعقد موازنة بسيطة بين الميزانية المخصصة في أغلب دور النشر سواء الخاصة أو التابعة للدولة نجد أنها ميزانية ضئيلة للغاية لا تتسق والقاعدة العريضة للهرم السكاني في بلادنا والتي تضم فئة صغار السن ، ومن جهة أخرى إذا رصدنا قيمة الجوائز التي يحصل عليها كاتب الطفل حين يحصد عمله جائزة نجدها بالمقارنة مع الجائزة التي يحصل عليها كاتب أدب الكبار لا تذكر.
ولأني أعرف صغارها، لم يكن من السهل أن أقترح عليها عملًا قصصيًا، فالكتب التي تناسب مرحلتهم العمرية، عمرهم العقلي يتجاوزها، ورغم أن القيم المجتمعية والأخلاقية لا غنى عنها في بناء شخصية سوية إلا أن فكرة إكتساب هذه القيم من القصص تحتاج جهد أكبر من السرد المتعارف عليه، فلم يعد مقبولًا في هذا العصر بكل تقنياته أن نحمل الأدب عبء إكساب القيم وترويض السلوك، ولا يجوز في ظل توغل ” المانغا ” داخل عقول صغارنا، أن نقنعهم بقصة ذات حبكة تقليدية عن زمن مضى ، أو حتى عن آلة الزمن والروبوتات ، والفتى الذي امتلك مكنسة سحرية، إذا أصبحت قصصًا مستهلكة تم تناولها بالطرح عشرات المرات.

لم أنجذب للـ ‘”المانغا” ولكن عليّ أن أفكر كما لو كنت طفلة لأعرف لماذا يتهافت الصغار واليافعون على اقتنائها، وجدت هذا بنفسي حين أبصرت صغارًا أعرفهم يدخرون لشراء المانغا رغم أن الادخار لديهم ليس بعادة، لدرجة أنهم باتوا يمتلكون نسخًا عديدة منها، وجدت أيضًا شقيقهم الأصغر والذي كان يعاني من تعلق مرضي بالهاتف المحمول وتعثر في القراءة، أصبح يقرأ بصورة أفضل مما كان عليها قبل اتجاهه للمانغا، ولأنني أقدس الفضول، لما أجد سببًا أقوى من الفضول ليجذب هؤلاء الصغار للاستمرار في القراءة، وليجذبني أيضًا للبحث عن أسباب حقيقية وراء هذه الظاهرة.
والمانغا لمن لا يعرفها وسيلة سرد بصري بزغت في اليابان لتشير إلى الرسوم المتحركة والهزلية، وتتنوع لتشمل المغامرة والدراما والتاريخ والرعب والغموض والخيال العلمي وغيرهم، وهي موضوعات لا شك تثير الفضول وتساعد الرسوم الجذابة بها على تعزيز الاستمرار في القراءة، فضلًا عن الحوار داخل الفقاعات، كما أن أبطال المانغا لديهم من الإرادة والتصميم ما يجعلهم يتخطون أي عراقيل تصادفهم، والمحتوى المقدم بها بنيته الحوارية أكبر بكثير من البنية السردية وهو عنصر جعل من القارىء الصغير بطلًا داخل العمل وليس قارئًا، فضلًا عن الرسوم التي يفضلها الصغار.
فإن كانت الدراما التركية قد اقتحمت بيوتنا وأصبح لها مساحة على قنواتنا ، فإن المانغا أصبحت كذلك بالنسبة للصغار، وإن كنا في نسخ المانغا العربية ننتقي ما يتلاءم مع هويتنا وثقافتنا فإن هذا لا يعني أن نظل متجاهلين الأمر، ولتكون نقطة الانطلاق من الدولة نفسها حين تمنح كاتب أدب الأطفال امتيازات تمكنه من الخروج عن النمطية المألوفة ، وحين تخصص جزء من يومها الدراسي للحصص المكتبات بعد أن تزودها بكتب تناسب العصر وقضاياه، حينها يمكن أن نرى طفلًا يرتاد معرض الكتاب وهو لديه قائمة بما يريد اقتناءه ، ونجد آخر قرأ أكثر من عمل لكاتب بعينه ويريد اقتناء عملًا إضافيًا ، حينها يمكن أن نجد كاتبًا على منصة تتويج وهو يتسلم جائزة مماثلة في قيمتها المادية قيمة جائزة تناولها زميل له روائي يكتب للكبار، حينها أيضًا ربما نرى أعمالًا يفضلها صغارنا عن المانغا، فلا شيئًا يضاهي متعة الفضول لديهم حين يتم إشباعه بقراءات متنوعة لا سيما إن كانت عن عوالم لا يعرفونها، إذ تتضاعف مشاعرهم، وتتناسخ أرواحهم، وتتضاءل محدوديتهم حين يلتقون بفكر الآخر وثقافته.
★سكرتيرة التحرير.




