رأي

محمد القلاف: لماذا يتعاطف الجمهور مع الشخصيات الشريرة في المسرح والسينما والمسلسلات؟

محمد القلاف

تُعَدُّ الشخصيات الشريرة عنصراً أساسياً في الأعمال الدرامية بمختلف أشكالها؛ من المسرحيات والأفلام السينمائية إلى المسلسلات التلفزيونية. والمثير للاهتمام أن هذه الشخصيات، رغم ما تثيره من خوف أو نفور، تجذب الجمهور وتدفعه أحياناً إلى التعاطف معها. وهنا يُطرح السؤال: لماذا يحدث هذا؟ وما الذي يجعل الجمهور يرى في الشر جانباً إنسانياً يتألم من أجله أحياناً؟

تعقيد الشخصية: الشر ليس مطلقاً

يرى النقاد والمتخصصون أن الشخصية الخيّرة غالباً ما تسير على خط واضح ومستقيم طوال الأحداث، مع مساحات محدودة لإبراز المشاعر.
أما الشخصية الشريرة فهي أكثر عمقاً وتعقيداً، تتأرجح بين مشاعر الطموح، والألم، والانتقام، والقسوة.
ولهذا يجد الجمهور انعكاساً لذاته في هذه الشخصيات، فيتولد لديه شعور بالتعاطف معها.

مبررات الشر: حين يصبح الشر نتيجةً للألم

تنجح الأعمال الدرامية القوية في إظهار البعد الإنساني للشخصية الشريرة، ليس فقط من خلال تبرير أفعالها، بل عبر كشف جذور تلك الأفعال. ففيلم الجوكر، أو شخصية “عبيد” في المسلسل السعودي أمي، قدَّما نموذجاً للشرير الذي كان ضحية لمجتمع قاسٍ.
في أمي، عانى “عبيد” في طفولته من قسوة والده، قبل أن يتحوَّل لاحقاً إلى رمز للفوضى.
هنا يصبح الشرير مرآة لصراعاتنا الداخلية، وصورة خفية لما نكبت أو نخفي من رغبات ومخاوف، ولهذا، حين يتمرَّد الشرير أو ينهار، نراه جزءاً من ذواتنا المنفية، فنميل إلى التعاطف معه بدلاً من كرهه.

أمثلة مسرحية وسينمائية وتلفزيونية

في المسرح، نجد شخصية “مكبث”
(شكسبير) التي، رغم وحشيتها، تثير الشفقة أكثر مما تثير الكراهية، وفي السينما، يمثل الجوكر مثالاً واضحاً على صناعة الشر من رحم المعاناة الاجتماعية والنفسية.
أما في الدراما التلفزيونية، فتجسد شخصية “عبيد” في أمي العلاقة بين الجمهور والشخصية الشريرة من النفور إلى التعاطف، بعد اكتشاف دوافعها العميقة.
(تركي اليوسف) قدّم “عبيد” بتمكن لافت، مستنداً إلى تجربة سابقة في أداء الأدوار القاسية مثل دوره في دمعة عمر (2003)؛ حيث جسَّد شخصية ألقت بأمها في الشارع من أجل زوجة خدعته.في أمي، أبدع في الغوص في أبعاد الشخصية الشريرة، مع إلمام واضح بعلم النفس والاجتماع، ما مَكَّنه من إقناع المشاهد بصدق الأداء وصعوبة الدور.

الخلاصة:
الجمهور بطبيعته لا يحب الشر من أجل الشر، لكنه يتعاطف مع الشخصيات الشريرة حين يدرك خلفياتها الإنسانية، ويكتشف ما وراء قسوتها من جراح وتجارب. فالدراما العظيمة لا ترسم حدوداً فاصلة بين الخير والشر، بل تقدم طيفاً واسعاً من المشاعر والتجارب، التي تجعل كل شرير صاحب قصة تستحق أن تُروى.


★ باحث مسرحي وناقد فني ـ الكويت.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى