رواية

شيماء مصطفى: “رابعة ثالث” لعلي الشوباشي.. صورة وفصول وزمان مضى.

شيماء مصطفى ★


قراءة أي عمل خارج إطار الزمن الآني، تضع القارىء أمام مقارنة لا مفر منها بين زمن النص الذي يتضمنه السرد وعاصرته الشخصيات ، وبين الزمن الآني الذي يعاصره القارىء، وفي رواية ” رابعة ثالث” للكاتب علي الشوباشي، الصادرة في طبعة جديدة عن دار الكرمة، يجد القارىء نفسه أمام مقارنة بين حال التعليم فترة الأربعينات وبين حاله الآن، بين اتساع الزمن وتمدده حينها، وضيقه وتسارعه الآن، بين التكليف الحكومي بمجرد التخرج هناك ، ونسب البطالة المتزايدة حاليًا.
” العلم والجهل أشياء نسبية”

بين الماضي والحاضر

ولأن أي مقارنة تتطرق لأوجه التشابه والاختلاف ، فإن الزمن الماضي هناك تقاطع مع الزمن الآني هنا في أن وظيفة واحدة لا تكفي للعيش بطريقة آدمية، فنجد محمد أفندي والد فؤاد أفندي مدرس الألعاب اضطر للعمل الإضافي بعد خروجه على المعاش، كذلك فعل الأستاذ وصفي تادرس مدرس الكمياء حين عمل مترجمًا رغم أنه وحيدًا بعد هجرة أبنائه وزوجته لكندا، حتى هاني نجل الأستاذ إبراهيم خليل مدرس اللغة العربية ، اضطر للعمل بجانب دراسته بعد حصوله على التوجيهية لأن معاش والده لا يكفي الأسرة.
وصحيح أن العمل تطرق بصورة غير مباشرة لإنجازات تلك الفترة من قضاء على الاقطاع ، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي بموجبه تحول الفلاح من أجير يعمل باليومية إلى مالك، لكنه في الوقت ذاته نقل لنا الصورة الأخرى والتي تمثلت في تشويه الجمال ودثره بدلًا من الحفاظ عليه عبر شخصية عهدي البيرقدار المنتمي للأسرة الحاكمة ـ أسرة محمد علي ـ فبعد عودته من فرنسا بعد تأميم الفيلا التي كان يقطنها وجد أن الدولة قد تم باعتها لأحد رجال الأعمال ليقوم بهدمها وبناء عمارة سكنية بدلًا منها.

ولأن كما ذكرنا من قبل أن القارىء لن يتوقف عن المقارنات سيجد الاختلاف في التعليم لم يكن في اختلاف المنهج ، ولكن تجد مدرسة واحدة تضمن شرائح مجتمعية مختلفة فهاني ، والراوي، وعهدي البيراقدر رغم أنه قدم للمدرسة من مدرسة مختلفة ورغم أنهم جميعًا من طبقات مختلفة، ومع ذلك جميعهم في نفس المدرسة ، تجمعهم روابط وأواصر يصعب اختراقها.

صورة وذكريات

يبدأ السرد الروائي للعمل من خلال تواجد الراوي داخل مكتبه ، ومن ثم العثور على صورة لبعض معلمي مدرسة المنيرة الثانوية وبعض الطلاب تجعله يشحذ ذاكرته ليتذكر الأشخاص الموجودين فيها، وبآلية تعتمد على العصف الذهني يستعرض كل شخصية بخلفيتها الاجتماعية ، وتاريخها المهني، وسماتها الشخصية والخَلقية، ومصيرها إن استطاع في فصل منفصل، وما يجعل القارىء يضع علامة استفهام ، هو التناقض الفج بين ما يدعيه الراوي بأنه يتذكر أسماء البعض بصعوبة ثم تعنون الفصول بأسماء ثلاثية !
فمن المنطقي أن يشحذ الراوي ذاكرته لتذكر حوارًا بينه وبين زميله فاروق عباس فرج، لكن في الوقت ذاته لم يكن من المنطق أن تذكر الأسماء بالاسم الثلاثي إلا إذا كانت مركبة أو لأنه يستخدم تقنية الراوي العليم بضمير المتكلم للتوائم وطبيعة السرد النوستالچي.

والمتأمل لطبيعة الأسماء للشخصيات يجد أغلبها أسماء للأسرة الحاكمة (عباس، فاروق، حسن، إبراهيم فؤاد) وهي دلالة مضمرة عن انتماءات بعض الشخصيات وتواجهاتهم، مثلما وجدنا مدرس التاريخ حسن حسين عبد التواب الذي سب أسرة محمد علي بعد انقضاء فترة حكمهم، وهو نفسه الذي كان يمتدحهم قبل زوال السلطة.

اعتمد علي الشوباشي في بنية العمل الأساسية على السرد بضمير المتكلم دون الحوار ، فقد كانت الحوارات على استحياء لا سيما في الفصول الأخيرة.

ومثلما كانت الحوارات في العمل على استحياء ، كان التطرق لوجود المثلية بشكل عابر متمثلة في الإشارة إلى الأستاذ فؤاد أفندي مدرس الألعاب دون دليل، وربما يعود هذا كون هذه القضية لم يتم تناولها بشكل أكثر استفاضة في الأدب إلى في العقود الأخيرة.

ولأن العمل يتطرق لبعض الأحداث التي تمت في تلك الحقبة من صفقة الأسلحة الفاسدة، وحريق القاهرة ، وتمصير البنوك والشركات ، والقضاء على الإقطاع ، وغيرها من مكتسبات ثورة يوليو، كان من البديهي أن يتطرق للحديث عن جماعة الإخوان وتأسيسها.

للغائبين حضور

ومن أفضل ما تم تناوله بشكل إنساني هو حديث الراوي في فصل ” الغائبون” عن الذين لم يكونوا من المتواجدين في الصورة كالحديث عن المسيو “مونتي” مدرس اللغة الفرنسية ، والعم سعيد بواب المدرسة والذي ظهر في الصورة واقفًا في طرفها وكأنه يخجل من وجوده.

العمل في مجله جولة سريعة بآلة الزمن لفترة من زمن مضى لا تستغرق سوى خمس ساعات ونصف .


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى