رؤى العنزي: ” احتمال ” أعادتني للتفكير!


رؤى العنزي★
المغني اللبناني جورج نعمة، أطلق مؤخراً أغنية بعنوان “احتمال”،لامست الأغنية مكاناً مهجوراً في قلبي، بعد أن كنت نسيت أحلامي، ونسيت هدفي في الحياة.
بعد أن كنت أعيش الأيام فقط لتمر، كأنني في زمن مؤقت لا ينتمي لأي شيء.
أغنية، وحدث كبير، أعادني للتفكير.
كل ما عشناه في العشرينات، من فقد وفرص ضائعة بسبب الحرب والعقوبات… كان مجرد “احتمال”.
وكل ما يتعلق بجيلنا، بعد الحرب وبعد العقوبات… سيبقى احتمالاً.
الجيل الجديد، أشرقت له الشمس حقاً، وفتحت له الأبواب.
أما نحن… فما زلنا نقف عند عتبة الأمل، داخل خانة الاحتمال.
في أحد مشاهد فيديو الأغنية، يظهر المغني جالساً في قارب، مستعداً للسفر،تحيط به قوارب كثيرة… فارغة.
ربما سبقوه، وربما انتهى وقت السفر، وربما لم يُفتح لنا الطريق أصلاً.
لكن الأبشع من كل ذلك: أن النهر جف، وأصبح طريقاً جديداً لأشخاص جدد.
أتحدث هنا عن رفع العقوبات عن سوريا،حدث كبير فرح به الكثير، والشمس أشرقت من جديد على بلد الشمس، وعلى أبنائه…لكن لحظة… على كل أبنائه؟!
هناك من فقدوا حياتهم، ولم يعودوا يرون لا شمساً ولا قمراً.
وهناك أهالٍ انطفأ بداخلهم معنى الحياة بغياب من يحبّون.
وهناك بعض الأشخاص… مثلي، توقفت عندهم الحياة في عمر العشرين.
العمر الذي كان من المفترض أن نؤسس فيه أحلامنا، نرسم ملامح المستقبل، ونبدأ الرحلة… لكن الرحلة لم تبدأ، أو لعلها بدأت ثم انقطعت، وتركَتنا في منتصف الطريق، بلا خريطة، بلا وجهة، وبلا وقت كافٍ للعودة.
في الحقيقة، الشمس بالنسبة لي لم تتغير.
استيقظت صباحاً في اليوم التالي لأرى “التغيير” الذي تحدّثوا عنه، لكنني لم أرَ شيئاً.
كانت نفسها، لم تزدد إشراقاً، لا أكثر دفئاً ولا أقل وجعاً.
كوكب مشتعل، حرق عيوني، وأنزل دموعي، وأنا أحدق فيها باحثةً عن أثرٍ مختلف… عن وعدٍ جديد.
ما هو الشيء الذي يمكن أن يجعلنا نبني مستقبلنا في عمر الخامسة والثلاثين؟
ما الذي يمكنه أن يعيد أحلامنا من تحت الركام؟
يقولون “العمر مجرد رقم”،حسناً… هل بعض الذين يحتفلون بعودة الشمس يطبقون هذه المقولة على جيلي؟
هل ستنهال على الشباب فرص وعروض للعمل أو للفن، هل الممولون فتحوا أبوابهم لمن هم في الثلاثينات؟ هل الشركات والمنظمات ستوظّف بكل حماس أشخاصاً اقتربوا من الأربعينات؟ أم أن مقاييس السوق والعمر ما زالت تُقصي من تجاوز “السن الذهبي للبدايات”؟
قال لي شخص في مقابلة عمل: “لن أسألك ماذا ستفعلين بعد خمس سنين… في عمرك هذا!”
وكأن السنوات تُقاس بالعُمر، لا بالإرادة ولا بالإمكانيات.
إن كان بعضهم يفكرون بهذه الطريقة، فهل تعتقدون أنهم سيمنحون أحداً فرصة لبناء مستقبله، وهو في مرحلة عمرية يعتبرونها “تأخرت”؟
وكأن من لم يبدأ بعد، لم يعد يستحق أن يبدأ.
حسناً، لنفترض أن هناك من آمن بإعطاء جيلي هذه الفرصة، ونظر إلينا كما ننظر نحن لأنفسنا: حين توقف الزمن عند العشرينات.
هل سيكون هناك وقت كافٍ لبناء مستقبل في فترة قصيرة؟ هل نستطيع أن نحقق بعض الأحلام التي تشترط صغر السن؟ هل ما زال البعض منا يستطيع العمل بشهادته؟ أم أن علينا الانتظار، إلى أن تعود الفرص تباعاً، وحينها نكون في الأربعين؟ وهل يحق لنا حينها أن نبدأ؟ أم سيكون الوقت قد فات، بحسب من لا يرون في الأربعين إلا محطة نهاية؟ نحن، الذين تعوّدنا على الماء، لا نعرف كيف نمشي على اليابسة.
وإن حاولنا، سنحتاج وقتاً لنتعلم كيف نخطو، كيف نسافر بأقدامنا، وسنقع في حتمية جملة: “احتمال يضيع الصوت، لو مهما ندهلك”.
أنا، وغيري، ما زلنا نحاول.
نحاول لأننا لا نعرف الاستسلام، لأننا وُلدنا في قلب العاصفة، نحن جيل محارب، نعم…لكن، “احتمال كبير”، مهما حاولنا، الصوت ضاع، ويضيع، واحتمال… سيضيع.
★طالبة بقسم دراسات مسرحية ـ سوريا.




