أرشيف

الدكتور سيد علي إسماعيل: ريادات الإسكندرية في المسرح.. ( مسرح زيزينيا،159 عامًا من الريادة).

د.سيد علي إسماعيل

للإسكندرية ريادتها في أغلب الأنشطة المسرحية، فقبل 159 عامًا ، وفي مثل هذا الشهر وتحديدًا في 30 نوفمبر من عام 1864م تم افتتاح مسرح زيزينيا، ذكر ذلك «سبيريدون كراجة SPIRIDION KARADJA»، وهو سوري، كان مقيمًا في الإسكندرية، ويعمل مراسلًا لجريدة «La Comédie» الفرنسية؛ حيث كتب عدة مقالات عن افتتاح المسرح وعروضه الأولى، وهي المقالات التي أرسلها لي الصديق تيسير خلف، فله مني الشكر الجزيل! كذلك أرسلت لي الدكتورة وفاء رؤوف – رئيسة قسم إيطالي بآداب حلوان – مجموعة مقالات مترجمة عن الإيطالية، حول عروض مسرح زيزينيا، كانت منشورة في بعض الصحف الإيطالية الصادرة في الإسكندرية، فلها مني جزيل الشكر أيضًا.
ورغم أن جميع الكتابات أكدت على أن الافتتاح تم في القرن التاسع عشر، في عهد الخديو إسماعيل، دون أي تحديد!! فأن التاريخ الذي ذكره كراجة هو التاريخ الحقيقي.
كان الافتتاح بأوبرا «روبيريو إيل ديافولو»، وشارك في العرض المغنيتان بوانسو وبيرالتا، مع المغني التينور فالنتيني كريستياني، وبصوت الباص ديريفيس. وذكر الناقد كراجة معلومات عن هذا التياترو، منها أن الكونت زيزينيا بناه في أملاكه بالإسكندرية، وأطلق عليه اسمه، وهو مسرح يُعدّ مَعلمًا من معالم الإسكندرية، مثله مثل أي معلم في أوروبا، بما فيه من زخارف وديكورات ووسائل راحة.
والحقيقة أن كراجة كتب نقدًا لعرض الافتتاح، يُعدّ أول نقد فني منشور عن أول عرض أوبرالي بمسرح زيزينيا، أو أول عرض فني داخل مسرح في تاريخ مصر بأكملها. ولأهميته سأنقل ترجمته هنا كاملة – كما أرسلها لي تيسير خلف – وكما نُشرت بالفرنسية في جريدة «La Comédie». يقول كراجة: “… وعلى كل حال لاقى العمل تصفيقًا واحتفاءً بفضل المؤدين الرئيسيين، فحافظت الآنسة بوانسو على مستوى أدائها وقوة صوتها وجماله مع وفرة اللكنات التي تتقنها، لا سيما عندما استمعت لصوتها في «الغران أوبرا» في باريس من قبل، فغناؤها هو ذاته، ويمكنني القول إنه أكثر أناقة وأكثر تمكناً مما كان عليه آنذاك، إلا أنه مما يؤسف عليه أن فنانة بحجم الآنسة بوانسو لم تتمكن أبدًا من التخلص من عادتها السيئة بالحفاظ على توازنها بشكل دائم أمام الجمهور في وضعية الثلاثة أرباع، وفي الحفاظ على ذراعيها متقاربين أو في الهواء. والآنسة بيرالتا اضطلعت بدور ايزابيل، وكان صوتها رغم صغر سنها عريضًا وجميلًا رغم صعوبات الإيقاع، فقامت بها بدقة متناهية وقامت خلال ذلك بتقوية أضعف النوتات الغامضة، ومع ذلك فالجهود المبذولة لم تظهر قوة حساسية الجرس الصوتي الأكثر طبيعية لديها. ومن جانب آخر برزت لديها معاناة بالترانيم أما الحبال الصوتية الوسطى، فبدت أكثر ضعفًا مما لو كانت بشكلها الطبيعي. أما فالنتيني كريستياني فهو روبير الجميل، وكان صوته قوياً وجميلاً وكان كامل الأداء طوال العرض دون تناقص بمستواه وهو صوت بالغ الندرة بقليل التينور الذي يملكه. وفيما يتعلق بديريفيس، الذي نعرفه فهو فنان لم يعد صوته بذات السوية النقية أيام شبابه، لكنه فنان كبير يتقن عمله، فبفضل وجوده حضر جمهور الإسكندرية العمل الأوبرالي روبير. وقد نجح الفنان في اختباره المميز لشخصية روبير، وبسبب ذلك يمكننا القول بأنه تحت قيادته للعمل هناك مكان للعروض المتكررة لهذه الأوبرا، وكان للباليه دور مهم في الثناء وإقبال الجمهور. أتوقف هنا لأنني لست مجبرًا على الحديث عن الأوركسترا، فقائد الأوركسترا مالفيجاني أراد لقاء الجمهور مجددًا، وكان وجوده مشجعاً وفاعلاً في النسخة الثانية للعرض، وفيما يتعلق بالزمن للمقطوعات الرئيسية، ربما كان محقًا وبالنسبة لي أفضل الحفاظ على حركات هذه المقطوعات كما صممها مؤلفها مايربي”.
وبهذا الأسلوب النقدي المتخصص، استمر كراجة في كتابة المقالات طوال شهر فبراير 1865، حيث حدثنا عن تفاصيل العروض التي تمت في زيزينيا، مثل: ريجوليتو، أيل باربيير، لوريتا إندوفينا، إرناني ولويا. وروبرت الشيطان «روبرت ديابل»، وهو عمل من قبل جياكومو مايربير، وغالبًا ما يعدّ النموذج الأمثل للأوبرا العظيمة، وقد كتب هذا العمل من قبل يوجين سكرايب وجيرمان ديلافين، وهو مستوحى من أسطورة تعود إلى القرون الوسطى حول روبرتو الشيطان!
وفي ديسمبر 1865، نشر كراجة مقالة نقدية عن عرض افتتاح الموسم الجديد بمسرح زيزينيا، بعد أن ضرب وباء الطاعون مدينة الإسكندرية، وانتهت أزمته، مما جعل أهالي الإسكندرية يبتهجون بافتتاح الموسم التمثيلي، ومشاهدة أول عرض في الموسم الجديد لمسرح زيزينيا، الذي قال عنه كراجة: ” بوليوتو، أول الأعمال التي يقدمها لنا مسرح زيزينيا. لنجد مدام بنداتسي وصوت التينور سيرخيا وصوت الباريتون أنريكو ستورتي، وصوت الباص رويث، وهم المؤدون الشفويون . ومع هذه الأسماء الكبيرة والمعروفة أوروبيًا، ستتعرفون على رباعي هو الأفضل اختيارًا، فكثير من المسارح ستكون فخورة بقدرتها على تقديم أعمال الكاتب الروماني الساخر بوليوتو كشخصية مماثلة. وتمتلك بنداتسي الصوت الظاهرة، فيما يتمتع التينور سيرخيا بالطابع الباريتونالي، فالرائع في كامل فضائه الصوتي أنه يعطي مساحة نادرة جدا ولن أكون مندهشا على الاطلاق بعد وقت ليس ببعيد، إن قرأت اسمه بين أفضل ممثلي المسرح في باريس والبقية كذلك، فالسيدة بنداتسي والسيد سيرخيا هم سادة المسرح من حيث حجم صوتهما الهائل، وهما يغنيان بذوق رفيع لجملهم المكررة ليؤكدا لنا فكرة واضحة عن نجاحهم الباهر. وأذكر لكم إنهما طوال الأمسيات غنيا أشهر حوارية ثنائية للقيثارات الملائكية، وقد أُمطر المغنون بوابل من الأزهار خلال غنائهم طوال أمسياتهم. ستورتي لا يملك صوتاً عظيماً لكنه مغن جيد ومن بين النجاحات على المسارح الكبرى في أوروبا ما يتعلق بموهبة رويث والذي لم يكن له إلا دور صغير في مسرحية بوليوتو لكنه فنان والفنان هو الذي يفرض حضوره كلية أو عدمه. وبعد عمل بوليوتو، كان عمل ماريا دي روخان للمسرح بفريق مغمور، وكان الأداء ضعيفاً ولم يرد الجمهور متابعة الاستماع إليهم إلا مرتين. ثم جاء دور عرض تروفاتوري، والذي لاقى نجاحًا هائلًا، وكان عملًا مكتملًا فأدت بنداتسي دور ليونور وأدى سيرخيا دور مانريكي، فيما أدى ستورتي دور الكونت دي لونا ورويث أدى دور فيرناند والآنسة فيراري بكولوري أدت دور أزوجينا. هذا العمل الذي يعد من بين الأفضل المقدمة، وهؤلاء الفنانون تفوقوا على أنفسهم في تقديم أعظم أعمال فيردي .. وبالنسبة لنا شهدنا فواصل راقصة فيما لم يتفاعل الجمهور، وبقي جامداً تجاه رقصات الباليه لموريسيني، بينما أسفت الراقصة الأولى على غياب دي روسي. وقد قاد الأوركسترا مالفيجاني والذي لم يدع شيئًا مطلوبًا إلا وقام به. وكان الكورس جيدًا والديكور غنيًا جدًا. باختصار قدم السيد مالفيجاني كل ما يتوجب عليه فلاقى الاستحسان والنجاح”.
واستمر كراجة في متابعة عروض مسرح زيزينيا حتى يناير 1866، وهو تاريخ آخر مقالة كتبها – حسب ما بين أيدينا من مقالات – والمقالة حول الكوميديا الغنائية «رجل غيور وامرأة Un geloso e la sua vedova»، لإرنستو ديل برايت؛ تلحين نيقولا دي جيوسا. ورغم أنها آخر مقالة حصلنا عليها من جريدة «La Comédie» الفرنسية، إلا أن الصحف الإيطالية الصادرة في الإسكندرية، استكملت هذا النقص، حيث وجدنا جريدة «صدى مصر L’eco di Egitto» – بتاريخ مايو 1866 – تخبرنا أن المؤسسات المسرحية في إيطاليا، حذرت الفرق المسرحية من السفر إلى الإسكندرية والعرض في مسرح زيزينيا؛ حتى لا يتكرر ما حدث في الموسم الماضي!! وأوضحت الجريدة الأمر، بأن الفرقة الإيطالية التي أحيت موسم زيزينيا في العام الماضي، لم تنجح عروضها، ولم يقبل عليها الجمهور كما كان متوقعًا؛ مما جعل الفرقة تخسر ماديًا، فقام الكونت زيزينيا بدفع رواتب الممثلين من جيبه الخاص، تعويضًا لهم.

الشيخ سلامة حجازي


وفي مارس 1871 أخبرتنا جريدة «مستقبل مصر L’avvenire d’Egitto»، بأن أوبرا «ماسات التاج» يتم عرضها في مسرح زيزينيا، وتقع في ثلاثة فصول من تأليف دانيال أوبر. وفي مارس 1875، أخبرتنا جريدة «La Chitarra» أن جمعية «فكر وعمل» عرضت على مسرح زيزينيا، مسرحية «الزوج في الريف»؛ بوصفه عرضًا خيريًا؛ حيث أسهم الممثلون بالتمثيل فيه مجانًا، لصالح بعض الأسر الفقيرة.
مما سبق يتضح لنا أن مسرح زيزينيا حقق ريادتين: الريادة الأولى إنه أول مسرح قطاع خاص – يملكه فرد، وهو الكونت زيزينيا – يُبنى في مصر بأكملها، وليس في الإسكندرية فقط؛ ويدخله الجمهور!! حيث إننا لم نجد مسرحاً تم بناؤه في مصر قبل عام 1864، سوى مسرح “الجمهورية والفنون”، الذي افتتحه كليبر – داخل أحد بيوت الأثرياء في منطقة الأزبكية بالقاهرة – أثناء وجود الحملة الفرنسية في مصر عام 1800، وتمّ هدمه بعد عدة أشهر في أحداث ثورة القاهرة. علماً بأنه مسرح خاص لجنود الحملة الفرنسية!
أما الريادة الثانية، فتتمثل في المقالات النقدية المنشورة في الصحف الفرنسية والإيطالية، والتي ذكرنا أمثلة منها، حيث إنها أول مقالات تتعلق بالمسرح في مصر على الاطلاق!! فقبل عام 1864، لم نقرأ مقالة واحدة تتعلق بأي شيء يخص المسرح في مصر!! مما يعني أن عروض مسرح زيزينيا، حققت ريادة نقدية غير مسبوقة؛ لأن هذه المقالات هي أول توثيق نقدي وفني لعروض مسرحية في مصر، وذلك بفضل مسرح زيزينيا وعروضه!!
ريادة العرض العربي
متابعتنا للعروض الأجنبية، التي تمت في تياترو زيزينيا، توقفت عند مارس 1875، من خلال مقالة جريدة «La Chitarra». وهذا التوقف، كان تمهيداً لريادة مسرحية ثالثة لمسرح زيزينيا؛ الذي شهدت خشبته العروض المسرحية العربية الأولى، لأول فرقة مسرحية عربية تأتي إلى مصر، وصاحبها يُعد الرائد الحقيقي للمسرح العربي في مصر!! وقبل الحديث عن تلك الريادة، التي ظهرت في زيزينيا، يُفضل التمهيد لها، بقولنا: يجب على القارئ أن يقرأ المقالات الخمس، المنشورة طوال شهر يوليو 2019 بجريدة القاهرة، تحت عنوان «حقائق تُنشر لأول مرة منذ 150 سنة: دور الحكومة المصرية في نشأة المسرح العربي» – والتي نشرتها مجمعة في كتابي الأخير «الجديد في نشأة المسرح العربي في مصر» – وخلاصة ما فيها، أن «الخواجة مستر جيمس سنوا» المعروف باسم «يعقوب صنوع»، هو شخص أجنبي، وليس مصرياً ، ونشاطه كان في شهر أغسطس 1871 فقط، ويتحدد في تمثيله مع شبان من الجاليات الأجنبية لأربع قطع تمثيلية ارتجالية كوميدية وجيزة صغيرة سهلة باللهجة العامية «الدارجة». وتم عرضها في مسرح صغير بحديقة الأزبكية، وعرض ثلاث منها أمام الخديو، ولم ينجح الخواجة جيمس الأجنبي في إنشاء المسرح العربي في مصر، ولم يفتتح التياترو العربي بالأزبكية، كما كان مقرراً. وهذه الحقائق المكتشفة حديثاً – بالإضافة إلى ما كتبته عنه من كتابات وبحوث، ومن أهمها كتابي «محاكمة مسرح يعقوب صنوع» – تنفي عنه ريادة المسرح العربي في مصر.
فشل الخواجة مستر جيمس الأجنبي في إنشاء المسرح العربي في مصر عام 1871، مع حرمان مصر من أي تمثيل مسرحي عربي على الاطلاق، طوال خمس سنوات (1871 – 1876)، دفع الحكومة المصرية لأن تتفق مع سليم خليل النقاش؛ كي يأتي إلى مصر بفرقة مسرحية من بيروت لتعرض أعمالها على مسرح الكوميدي الفرنسي بالقاهرة لمدة خمسة وأربعين يوماً، خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 1875، لذلك حضر سليم إلى مصر، ومكث بها عدة أشهر في رحلة استكشافية قبل تنفيذ الاتفاق، فتعرف على الخواجة أنطونياديس بالإسكندرية، وهو صاحب القصر الشهير باسمه، وما حوله من حدائق أنطونياديس الشهيرة!!
عندما عاد سليم إلى بيروت لتجهيز الفرقة، طبع مسرحيته (ميّ) في بيروت، وأهداها إلى الخواجة أنطونياديس. وهذا الإهداء مطبوع في الطبعة الأولى من المسرحية، وهذا نصه: ” إلى جناب الخواجا أنطونياديس الشهير المقيم فى ثغر الإسكندرية، مولاي، إن في إهداء روايتي هذه إلى جنابكم لفوزاً ورفعة لها؛ فإن ظفرت لديكم بالقبول، وهو أعظم مسئول، كنت بالغاً فوق ما تمنيت. ويكفيني بها نجاحاً أن تروق فى أعين من يعطي الأشياء استحقاقها، ومن حوى من سعة الفضل والمعرفة ما لا ينكره أحد سواه. فأرجو قبولها والالتفات إليها وحسبي ذلك فخرًا. من الداعي لجنابكم سليم خليل نقاش”.
كوّن سليم النقاش فرقته، ودربها على مجموعة مسرحيات عربية تنفيذاً لاتفاقه مع الحكومة المصرية؛ ولكن وباء الكوليرا أصاب بيروت، فتوقفت جميع السفن عن الإبحار، فلم تأت الفرقة إلى مصر في موعدها عام 1875، ولكنها جاءت إلى الإسكندرية في العام التالي 1876. ولسبب ما – لم نقف عليه – لم تذهب الفرقة إلى القاهرة، بل مكثت في الإسكندرية!! وربما إهداء سليم مسرحية (ميّ) للخواجة أنطونياديس، جعل الخواجة يتدخل، لتقوم الفرقة بتقديم عروضها على مسرح زيزينيا!! فنشرت جريدة الأهرام يوم 16/12/1876، كلمة بهذا الخصوص، تحت عنوان «الروايات العربية»، قالت فيها:
” لأمر غني عن البيان، أن تشخيص الروايات يُعدّ من الوسائل الأولى، التي بها أدمجت الهيئة الاجتماعية، وأحكم نظامها. وما نجم عن هذا المبدأ الحسن من الفوائد الجليلة، يقصرنا عن الإسهاب في الشرح لتثبيت ما أوردناه. فضلاً عن أن جميع البلاد المتمدنة، تراعي هذا العمل أتم مراعاة، وتسهل السُبل لإتقانه. وبناءً على ذلك، يسرنا أن نرى من أبنائنا نحن العرب، شباناً أقدموا إلى ساحة هذا المضمار، وخاضوا في جوانبه، وتعلموا جميع أبوابه. فأدركوا ما أدركوا، بحزم أقرن بالثبات. وأحكموا ما أحكموا، بجهاد قومته الفطنة، فرجعوا إلينا فوارس محنكين. وكان ممن نبغ فيهم، وحاز قصب السبق بينهم، ذاك الفتى اللبيب والحاذق الأديب سليم أفندي نقاش، الذي تلقى هذا الفن عن عمه، المرحوم الخواجا مارون النقاش الشهير، مبدع هذا العلم في الأقطار السورية، ثم عاناهُ بعدهُ مُجدّاً، وراجع فيه مدققاً، واطلع على مخباءتهِ ببحثه عنهُ في كتب الأقوام، الذين لهم فيه باع طويل. وما لبث أن برهن عما كان هنالك من اكتسابه، بتقديمه روايات عديدة في مدينة بيروت وخلافها. شهد له بإتقانها، وحُسن استكانها، كل من له إلمام تام بهذا الفن. ويسرنا الآن أن نعلن بأنه حضر في هذه الأثناء إلى مدينتنا الإسكندرية، مع رفقته المؤلفة من رجال ونساء، مُتِمين حقوق التشخيص، ليقدم للجمهور ثمرة تعبه، مؤملاً أن يكون سعيه مشكوراً. أما نحن، فبالنظر إلى ما نعهده من درابته ودرايته، وما نعرفه من مهارة المشخصين، وتعودهم على ذلك، فلا شك بأنه سيقدم ما يسر. فلا يقنعك يا صاح بعدم التصديق ظنك بهم أنهم عرب. وقد قيل: كل من سار على الدرب وصل. فالمرجو من الجمهور أن يتلقى مشروعه هذا بالقبول، ويشجعه بواسطة تشريفه، ويعضده بمسانداته الأدبية. حتى يكون لهذه الجمعية آثار حسنة، تفتح في أقطارنا العربية أبواباً لنجاح هذا الفن المرغوب عن كل أمة. أما المحل الذي يجري فيه التشخيص فتياترو زيزينيا. وسيكون ابتداء ذلك في يوم السبت القادم في 23 الحالي الساعة 8 ونصف أفرنجية ليلاً. لكن ترتيب الدخول وتعيين الدفع ومواضيع التشخيص وخلافها، فسيطبع لها إعلانات خصوصية وتوزع. وكذلك لا نتأخر عن أن ندرج في الأهرام، وفي صداه أيضاً [أي في جريدة صدى الأهرام] كل ما يلزم لذلك، والله الموفق”.
وهكذا نال مسرح زيزينيا شرف الريادة الثالثة بعرض أول مسرحية طويلة باللغة العربية الفصحى، لأول فرقة مسرحية عربية تزور مصر، بفضل رائد المسرح العربي في مصر .. سليم خليل النقاش، الذي واصل عروضه، دون توقف لمدة ثلاثة أشهر، ومنها مسرحيات: ميّ، الكذوب، عايدة، هارون الرشيد، الظلوم، الحسود .. إلخ، ثم قاد الفرقة يوسف الخياط، عندما اتجه سليم النقاش إلى الصحافة. ثم ظهرت فرق مسرحية أخرى، واستمرت العروض المسرحية العربية منذ عام 1876 حتى الآن دون توقف، مما يؤكد على أن سليم النقاش، كان سبب ظهور المسرح العربي في مصر واستمراره!

سليم النقاش

ريادة عرض الطالبات
من خلال اطلاعي على أخبار المسرح المنشورة في دوريات القرن التاسع عشر، لم أجد أي خبر عن أي عرض مسرحي تمّ باللغة العربية داخل أية مدرسة في مصر، أو تم على مسرح ما باسم مدرسة معينة في مصر، وقام بتمثيله الطالبات باللغة العربية!! فكل ما وجدته، كان يتعلق بعروض تمت من قبل الطالبات؛ ولكن بلغات أخرى غير العربية، مثل: الفرنسية والإيطالية!! والاستثناء الوحيد وجدته في «المدرسة الوطنية للبنات» بالعطارين – أمام القره قول «قسم الشرطة» – والتي افتتحتها سيدة لبنانية اسمها كريستين قرداحي في الإسكندرية عام 1877! وفي العام التالي، زاد عدد الطالبات، مما جعل كريستين تنقل المدرسة إلى مكان آخر بالإسكندرية، في أحد بيوت طوسون باشا، وكان البيت قديماً مقراً لقنصلية بروسيا، كما أخبرتنا بذلك جريدة الأهرام، والتي أخبرتنا أيضاً بأول مسرحية عربية تعرضها طالبات هذه المدرسة في ساحة المدرسة، وأمام الأهالي أثناء الامتحانات النهاية، حيث قالت الجريدة في أغسطس 1878، تحت عنوان «امتحان المدرسة الوطنية بالإسكندرية»:
“طالما تكلمنا عن نجاح هذه المدرسة المختصة بالبنات، التي أسستها حضرة السيدة كريستين قرداحي. وأعربنا عن تلك الهمة والغيرة، الصادرتين عنها، رغبة في نيل الطالبات التقدم. فنعلن الآن أن هذه المدرسة قد أجرت في هذا الأسبوع امتحانها السنوي علناً، أمام الأهلين وغيرهم، والطالبات أجبن على ما ألقي عليهن من المسائل خير جواب، وأظهرن براعتهن في الأشغال اليدوية. والخلاصة أنهن أتين بما لم يكن يتوقعه أحد من مدرسة حديثة، ليس لها من الوسائل ما لغيرها من المدارس الأخرى. وقد جملن الامتحان بأن ختمنه بروايتين فرنسوية وعربية. والحق يقال إن الروايتين كانتا على غاية ما يرام، والكل خرج شاكراً مادحاً حضرة الرئيسة المؤسسة السيدة كرستين قرادحي”.
وبهذا الخبر، يتأكد لنا أن إحدى مدارس الإسكندرية، كان لها الريادة الأولى في تمثيل أول مسرحية باللغة العربية في ساحتها من خلال الطالبات!! وربما يسألني أحد، ويقول: ما علاقة هذه الريادة الإسكندرانية بتياترو زيزينيا؟! سأجيب عليه بخبر نشرته جريدة الأهرام في أغسطس عام 1880، قالت فيه: ” في مساء هذا النهار تشخص طالبات المدرسة الوطنية القرداحية بتياترو زيزينيا رواية تليماك العربية، بحضور سمو الخديو المعظم وحضرات الآباء”. وهكذا شهدت خشبة تياترو زيزينيا أول مسرحية عربية تعرضها طالبات المدرسة الوطنية بالإسكندرية، ويحضرها الخديو توفيق بنفسه!! وبذلك تتحقق الريادة الرابعة لمسرح زيزينيا في الإسكندرية. ريادة الفرقة العربية الأولى
من خلال ما سبق – بالإضافة إلى بعض بحوثي في هذا الشأن – يتضح لنا عدم وجود فرقة مسرحية مصرية أو عربية، تمّ تكوينها في مصر حتى عام 1881!! ففرقة الخواجة جيمس سنوا الأجنبي «يعقوب صنوع»، كانت من شباب الجاليات الأجنبية – حتى يظهر عكس ذلك – وفرقة سليم النقاش، كانت فرقة جاهزة تمّ تكوينها وتدريبها في بيروت!! وفرقة يوسف الخياط، كانت هي نفسها فرقة سليم النقاش!! لذلك أراد اللبناني سليمان الحداد المقيم في الإسكندرية، تكوين فرقة مسرحية، أخبرتنا بها جريدة الأهرام في يونية 1881، قائلة: ” في مساء السبت ليلة الأحد يشخص جوق حضرة سليمان أفندي حداد رواية «ميّ وهوراس» بتياترو زيزينيا. وفي اليقين سيكون التشخيص غاية في الاتقان، لما نعهد بحضرة المدير المذكور من المهارة بهذا الفن. فضلاً عن أنه قد بذل عنايته في سبيل تعليم المشخصين، الذين أتقنوا ذلك كل الاتقان. وأننا لنحث الجمهور على الحضور فيرون ما يسرهم”.
والعبارة المذكورة، توضح أن سليمان الحداد – بوصفه مدير الفرقة ومخرجها – ” بذل عنايته في سبيل تعليم المشخصين، الذين أتقنوا ذلك كل الاتقان”، مما يعني أن الممثلين غير محترفين، وهذا يؤكد انتفاء احتمال أن أعضاء الفرقة من بقايا فرقة سليم النقاش أو يوسف الخياط!! وهذا يؤكد أن سليمان الحداد اختار ممثليه من الشوام المقيمين في الإسكندرية، وربما كان منهم بعض المصريين من أهالي الإسكندرية!! والشاهد في الأمر أن جميع الممثلين في هذه الفرقة، لم يمارسوا التمثيل المسرحي من قبل، أي إنها فرقة مسرحية عربية جديدة، تمّ تكوينها في الإسكندرية، وعرضت أول مسرحية لها في مسرح زيزينيا!! وهذه النتائج، يؤكدها هذا الخبر، المنشور في جريدة الأهرام يوم 7/6/1881، وفيه قالت الجريدة: ” في مساء السبت، ازدحم العالم في تياترو زيزينيا لاستماع رواية «ميّ» من جوق حضرة سليمان حداد. ولا سبيل لأن نعلن عن مسرة العالم من جوق لم يظهر في الملعب إلا للمرة الأولى. وقد أتى بتشخيص حسن؛ كأنه متعوّد على ذلك من زمن. وكلهم امتدحوا همة سليمان حداد، الذي انتقى مشخصين، أحسنوا الحركات، وأطربوا الجماد بأصواتهم”.
ومما يثبت وجهة نظرنا، بأن هذه الفرقة، هي أول فرقة مسرحية عربية تم تكوينها داخل مصر، وتكونت من الشوام المقيمين في الإسكندرية، ولم يكن بينهم إلا مصري واحد، هو الشيخ سلامة حجازي .. إلخ، الذي يثبت كل ذلك، ما قاله الشيخ سلامة حجازي نفسه في مذكراته المنشورة في جريدة الأخبار، يوم 3/7/1915، عندما قال: ” حملني على اختيار فن التمثيل، ميل تولد في صدري، وأنا لا أزال منشداً قارئا للـقرآن الشريف. وذلك من ترددي على دور التمثيل الأفرنجية، مع بعض أصدقائي من كرام السوريين الخبيرين بأصول هذا الـفن الجميل، وهم الذين كانوا يزينون لي أن أظهر على مرسح التمثيل، ليلة واحدة على الأقل. فلبيت طلبهم وقمت بتمثيل دورين معا من رواية «ميّ»، مع جوق سليمان الحداد، وهما دور كورياس ودور الملك. وكان مراد الناس بتلذذ سماع صوتي، لا رؤية تمثيلي. فجاء الأمر على عكس ما أرادوا، لأن تمثيلي كان الغالب على صوتي”. وهكذا تحقق لمسرح زيزينيا الريادة الخامسة، كونه احتضن أول عرض لمسرحية عربية، تعرضها أول فرقة مسرحية عربية، تمّ تكوينها في الإسكندرية، وفي مصر بأكملها!

ريادة عرض الطلاب
ما قلته سابقاً في افتتاحية كلامي عن عرض طالبات مدرسة كريستين قرداحي، أستطيع قوله هنا، وأقول: من خلال اطلاعي على أخبار المسرح المنشورة في دوريات القرن التاسع عشر، لم أجد أي خبر عن أي عرض مسرحي تمّ باللغة العربية داخل أية مدرسة في مصر، أو تم على مسرح ما باسم مدرسة معينة في مصر، وقام بتمثيله الطلاب باللغة العربية حتى عام 1881!! فكل ما وجدته، كان يتعلق بعروض تمت من قبل الطلاب؛ ولكن بلغات أخرى غير العربية، مثل: الفرنسية والإيطالية!! والاستثناء الوحيد وجدته في «مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية» بالإسكندرية، لصاحبها عبد الله النديم، الذي نشر إعلاناً في مجلته «التنكيت والتبكيت» بتاريخ يوليو 1881، قال فيه، تحت عنوان «إعلان إلى أبناء وطننا ومحبي التقدم والعمران»:
” عزمنا والعون على الله تعالى، تمثيل رواية «الوطن وطالع التوفيق» بتياترو زيزينيا، مساء يوم الخميس، وهي الرواية التي جعلتها تذكاراً لجلوس مولانا الخديوي حفظه الله. فإني صورت فيها حالتنا، وما كنا فيه من الذل والإهانة، وما تحملناه من المظالم والمغارم، ثم تخلصت بجلوس مولانا الخديو، ومساعدة وزرائه الكرام على أفكاره الحسنة، ومقاصده الخيرية، وما يعانيه رجاله من الاشتغال بحفظ الأمة وصيانة الوطن، وما تنورت به الأفكار، حتى اهتدت لفتح الجمعيات، التي بها تكثر المعارف، وتعود ثروة البلاد. وهي تشخص بتلامذة المدرسة، ليرى الناظر ما وصل إليه أبنائنا من القوة، التي بها يقفون في المحافل العظيمة، يشخصون ما لا يقوم به إلا العظيم من الرجال”.
هذا ما كتبه عبد الله النديم قبل عرض المسرحية في مسرح زيزينيا، وعندما تمّ العرض، كتبت جريدة الأهرام في 15/7/1881 كلمة، تحت عنوان «رواية الوطن وطالع التوفيق»، قالت فيها: “في الليلة الفائتة، ازدان تياترو زيزينيا بتشريف رجال ثغرنا الكرام، لحضور تشخيص هذه الرواية البديعة من تلامذة مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية، تحت إدارة حضرة الفاضل الأديب زميلنا عبد الله أفندي نديم. ولا سبيل لأن نعلن عما كان من حُسن الاتقان، وجودة التشخيص، وبديع الإلقاء؛ فإن ذلك مما لا يحتاج إلى إعلان. ولقد أجاد حضرة المدير المذكور إجادة، استدعت الألسنة إلى الثناء عليه”. وهكذا تحققت الريادة السادسة لمسرح زيزينيا؛ لأن خشبته شهدت أول عرض لمسرحية عربية يقوم بتمثيلها طلاب مدرسة بالإسكندرية، وهي سابقة لم تحدث في جميع مدارس مصر حتى يوليو 1881.

عبد الله النديم


ريادة الفرقة المصرية الأولى
علمنا مما سبق أن سليمان الحداد في عام 1881، نجح في تكوين أول فرقة مسرحية عربية، أغلبها من الشوام المقيمين في الإسكندرية، بالإضافة إلى الشيخ سلامة حجازي المصري الوحيد فيها!! هذا الأمر فكّر فيه سليمان القرداحي بصورة معكوسة!! أي جعل جميع أفراد الفرقة من المصريين، أو على الأقل تكون الغالبية العظمى من المصريين!! وبذلك يصح أن نطلق عليها أول فرقة مسرحية مصرية يتم تكوينها في تاريخ المسرح في مصر!! لأن فرقة يعقوب صنوع تكونت من الجاليات الأجنبية، ولا يصح أن نطلق عليها فرقة مسرحية مصرية!! كذلك فرقة سليم النقاش أو يوسف الخياط، لا يصح اعتبارها فرقة مسرحية مصرية، لأنها تكونت من اللبنانيين!! حتى فرقة سليمان الحداد، لا تُعد فرقة مصرية، لأنها أغلب أفرادها من الشوام المقيمين في الإسكندرية!! وهذا يعني أن مصر لم تظهر فيها أية فرقة مسرحية مصرية حتى إبريل 1882!!
هذه النتيجة، تؤكدها وثيقة اكتشفتها الباحثة إيمان النمر عام 2012، ونشرتها في ملحق رسالتها للماجستير، وعنوانها «تاريخ المسرح المصري وأثره على المجتمع»، والوثيقة عبارة عن خطاب أرسله عبد الله النديم ويوسف الخياط إلى وزير الأشغال العمومية، جاء فيه الآتي: ” في علم سعادتكم أن فن تشخيص الوقائع التاريخية، وغيرها المسمى بالتياتر من الأسباب المنورة للأفكار المروحة للنفوس. وقد اعتنت به الدول العظيمة سعياً في إحياء أفكار الأمة وتصوير عبارات المواعظ والإرشاد بصورة مشهد الأحوال إلا أن كل أمة اجتهدت في وضع روايات من تاريخها بلغة قومها مع بعض وقائع الأمم المغايرة لها لسهولة الفهم وتمكن الأمة من فهم المقصود من الرواية وإلى الآن لم تشكل فرقة مصرية تتقدم بين الأمة المصرية بلغتها المألوفة واصطلاحاتها المعروفة ولهذا عزمنا على تقديم أربعين ليلة في هذا العام نشخص فيها روايات تناسب الزمان وأهل المكان بالعبارة العربية المصرية في التياترو الفرنساوي الصغير، فإذا وافق تصدر لنا الرخصة من الآن للاستعداد في هذه المدة”.
وهذه الوثيقة قدمها النديم والخياط قبل يوم 13 إبريل 1882 – حسب التاريخ المكتوب أعلاها – وهي تؤكد عدم وجود فرقة مصرية مسرحية حتى هذا التاريخ!! بل ولا توجد أية فرقة مسرحية استطاعت أن تقدم مسرحيات باللغة العامية المصرية!! وهذا الكلام مهم جداً، لأن عبد الله النديم على معرفة تامة بيعقوب صنوع، وكان معاصراً له، فلماذا لم يذكر فرقته؛ كونها فرقة مصرية كما قال صنوع؟! ولماذا أنكر النديم عروض صنوع الارتجالية الصغيرة، التي قدمها مع فرقته باللهجة الدارجة أي بالعامية؟! التفسير المنطقي لهذا التجاهل، أن عبد الله النديم يعلم جيداً أن يعقوب صنوع أجنبي، وأن فرقته من شباب الجاليات الأجنبية، لذلك لم يذكرها، لأنها لا تُعد فرقة مسرحية مصرية، لا في مديرها الأجنبي، ولا في أعضائها من شباب الجاليات الأجنبية، ولا في عاميتها، لأنها عامية مكسرة غير مفهومة من الأجانب، ولا ترقى لمستوى العامية المصرية المنطوقة من قبل المصريين أنفسهم!!
كل ما سبق – ربما – كان واضحاً أمام سليمان القرداحي، لذلك أراد أن يشكل بنفسه أول فرقة مسرحية مصرية، وهذا التفكير نقلته إلينا جريدة الأهرام في مارس 1882، قائلة: ” لقد تقدم إلى إحياء هذا الفن الجميل في لغتنا العربية جناب النشيط سليمان أفندي قرداحي، فاختار من الروايات أجملها وألطفها، ومن المشخصين والمشخصات أفضلهم وأبرعهم، وكلهم وطنيون إزدانوا بجمال الصوت ورشاقة الحركات وحسن الإلقاء. وأخذ من مدة في الاستعداد والعمل وقد حضر كثير من كبارنا وأعياننا التجربات التي أتمها في منزله فرأوا استعداداً تاماً وحكموا بالنجاح ولا سيما إذا عضدتهم يد الحكومة خدمة لهذا الفن البديع الواجب الالتفات إليه من حكومة عربية حرة وقد علمنا علم اليقين أن المسيو قرداحي المذكور بذل في شأن هذا المشروع غاية الجهد في اتقانه كما بذل الدرهم الوافر في سبيل الاتمام وما برح على عزمه الأكيد يدرّس ويهذب الجوق الذي أتقن بعض الروايات ويستعد لتشخيصها”.
يهمنا من هذا الخبر وصف ممثلي الفرقة بأنهم وطنيون!! وهذا الوصف – في ذلك الوقت – لا يُطلق إلا على المصريين فقط، مما يعني أن سليمان القرداحي هو أول من كوّن فرقة مسرحية مصرية، وأعلن أن عروضها المسرحية الأولى ستُعرض في مسرح زيزينيا في أبريل 1882!! وللأسف الشديد كان مسرح زيزينيا محجوزاً لفرقة الأوبرا في ذلك الوقت، فاضطر القرداحي إلى تأجيل العروض في زيزينيا إلى شهر مايو 1882. ولكن اهتمام المسئولين بتكوين أول فرقة مسرحية مصرية، جعلهم يسرعوا في إظهارها على خشبة دار الأوبرا الخديوية في القاهرة!! وقد أوضحت جريدة الأهرام هذا الأمر، قائلة: ” تكلمنا منذ عهد قريب عن فن الروايات وعن الجوق الذي نظمه جناب الشاب النبيه سليمان أفندي قرداحي. وكنا على ثقة من استماع رواياته في الشهر القادم؛ ولكن علمنا أن جوق الأوبرا قد استأجر تياترو زيزينيا مدة الشهر القادم، فاضطر جناب سليمان قرداحي أن يؤجل التشخيص إلى شهر مايو، وأن يجيب طلب البعض من أهالي عاصمتنا لتقديم بضعة تشخيصات في مصر بالشهر المقبل”.
وبالفعل استطاع القرداحي بفرقته المصرية أن يعرض أربع مسرحيات على خشبة دار الأوبرا الخديوية، هي: تليماك، وفرسان العرب، وزفاف عنتر، والفرج بعد الضيق. وهذه المسرحيات تاريخياً، تُعد أول مسرحيات عربية يتم عرضها في الأوبرا الخديوية، منذ افتتاحها عام 1869!! وهذا يعني أن أول فرقة مسرحية مصرية، تمّ تشكيلها في تاريخ المسرح المصري، كانت عروضها الأولى في دار الأوبرا الخديوية، بفضل سليمان القرداحي، وهي الفرقة التي تكونت في الإسكندرية، وكان ظهورها الأول سيتم في إبريل على مسرح زيزينيا ليحقق ريادته السابعة، وهي الريادة التي تأخرت شهراً عن موعدها؛ حيث قام القرداحي بعرض المسرحيات نفسها، التي عرضها بالأوبرا، في تياترو زيزينيا في شهر مايو 1882!! وأول عرض، أعلنت عنه جريدة الأهرام، قائلة:
“اليوم مساء يشخص في تياترو زيزينيا جوق حضرة الشاب النبيه سليمان أفندي قرداحي رواية «تليماك بن عولوس» الشهيرة. وبلغنا أن أكثر أوراق اللوجات والكراسي أنفقت، ولعل الجمهور لا يتأخر عن الإقبال إلى ابتياع بقية الأوراق. فالرواية من أتقن الروايات وأحسنها وضعاً، والمشخصون والمشخصات مميزون بحسن الإلقاء والتشخيص ورخامة الصوت. وكفى شهادة لهذا الجوق ارتياح أهل العاصمة إلى حضور الروايات، التي قدموها ومأمولنا أن سيصادف الجوق في ثغرنا النجاح، الذي كان له في المحروسة”.
ونختتم هذه النقطة، بذكر دليل على أن فرقة القرداحي، كانت مصرية في المقام الأول، وذلك من خلال كلمة نشرتها جريدة القاهرة في مارس 1887، قالت فيها تحت عنوان «التياترو العربى»: “من جملة المساعي الجليلة، التي يبذلها الجناب الأكرم الخديو المعظم في جميع ما يتعلق بالمنافع الخيرية الوطنية، أن يرى التياترو المصري حائزاً على الدرجة العليا من التقدم والنجاح، زيادة على سائر أرباب الملاهي الأفرنجية. ولهذا شرّف أمس الأوبرا، وشاهد بنفسه التشخيص العربي، ثم أرسل حفظه الله يشكر سليمان أفندي قرداحي، صاحب الجوق على همته. ووعده بالمساعدة على زيادة تقدم جوقه، فلا بد لنا أن نشكر سمو الجناب العالي، لا سيما أن أرباب التشخيص هم من المصريين الوطنيين، ومنهم من كان فى الخدمة العسكرية، فمساعدتهم هذه أولى من مساعدة غيرهم من الأفرنج”.

ريادات الإسكندرية.
اختيار مسرح زيزينيا ليكون محور هذا الموضوع، راجع إلى كثرة الريادات، التي شهدها هذا المسرح، والتي وصلت إلى سبع ريادات، لا أظنها تحققت لأي مسرح في مصر حتى الآن!! وربما أستكمل الموضوع مستقبلاً، للحديث عن الريادات المسرحية في الإسكندرية؛ لأن زيزينيا أحد مسارحها الكثيرة، والتي يصعب تحديدها في القرن التاسع عشر، لا سيما وأنها تتوزع بين مسارح وقاعات وصالات وفنادق ومقاهٍ، ومنها على سبيل المثال: مسرح روسيني، وقاعة أستوراري، ومسرح الفييري، وتياترو لوكسامبور، ولوكاندة وقهوة البيراميدز، وتياترو البوليتياما، والمسرح العباسي، وقوة سليمان بك رحمي.
ففي هذه الأماكن شهدت الإسكندرية ريادات أخرى، كانت فيها الأسبق من أي مكان آخر في مصر!! فعلى سبيل المثال شهد جمهور الإسكندرية آلة الفانوس السحري، وهي تعرض الصور لأول مرة في قاعة أستوراري عام 1881، وكان دخول الجمهور بتذاكر، وكأن العرض عرض مسرحي!! كما شهد مسرح روسيني عام 1881 أول عروض لفرقة السيرك الجزائري، وهي أول فرقة عربية متخصصة في ألعاب السيرك تزور مصر!! كما شهد جمهور الإسكندرية على مسرح زيزينيا أول آلة فونوغراف تُعرض في مصر بأكملها عن طريق الحاوي بارجون عام 1882. وشهدت قهوة سليمان بك رحمي عروض أول فرقة مسرحية استعراضية غنائية عام 1884، وهي فرقة أحمد أبي خليل القباني. كما أن في الإسكندرية، ظهرت أول مكتبة للاطلاع وبيع النصوص المسرحية المطبوعة، وبيع تذاكر العروض المسرحية لأول فرقة عربية تزور مصر وهي فرقة سليم خليل النقاش، والمكتبة هي مكتبة حبيب غرزوزي!!


★أستاذ الأدب العربي والنقد المسرحي -كلية الآداب-جامعة حلوان.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى