حوارات وتحقيقات

ذاكرة المكان وأسرار الجغرافيا حوار مع الباحث والكاتب والتراثي السيناوي محمود حسن الشوربجي

أجرى الحوار: حسن غريب أحمد★
تتفرد أرض سيناء بخزانها الحضاري والتاريخي الممتد، حيث تتلاقى ثقافة الساحل مع عمق الصحراء، وتتشكل ذاكرة المكان من تفاصيل الحياة اليومية، والعمارة التقليدية، ومجاري الأودية القديمة.
وبين تدفق مياه وادي العريش وتفاصيل البيوت الطينية التي تقاوم النسيان، يقف الكاتب والباحث السيناوي محمود حسن الشوربجي حارسًا للذاكرة الوطنية، يجمع ويوثق التاريخ والجغرافيا والتراث المادي واللامادي لشمال سيناء.
وفي هذا الحوار الموسع، نغوص مع الباحث في أوراق توثيقه الميداني، ونستكشف كيف تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة حية، والتراث المادي إلى هوية صامدة أمام تحولات العصر.
نص الحوار
1. وادي العريش بين السيول والتخطيط العمراني
س: تناولتَ في عدة دراسات تاريخ السيول ومجاري المياه في وادي العريش وروافده؛ كيف أثرت هذه الدورة المائية عبر العقود على التخطيط العمراني والنشاط الزراعي في العريش؟
ج: في الواقع، يمثل وادي العريش الشريان النابض للحياة الهيدرولوجية في شمال سيناء. ودراسة تاريخ هذا الوادي تكشف لنا أن الدورة المائية للسيول لم تكن مجرد ظاهرة طبيعية عابرة، بل كانت المهندس الأول الذي شكل ملامح الاستقرار البشري والنشاط الاقتصادي في المنطقة عبر العقود.
ويتجلى هذا التأثير بوضوح في محورين أساسيين:
أولًا: التخطيط العمراني بين التكيف والمواجهة.
تاريخيًا، فرضت مسارات الوادي وروافده خريطة ديموغرافية حذرة؛ فكان التمدد العمراني القديم يتجنب بطون الأودية والمناطق المنخفضة المهددة بالفيضانات. ومع التوسع الحضري الحديث، برزت أهمية دراساتنا لتحديد حرم الوادي ومخرات السيول، وهو ما تنبهت إليه الدولة في مشروعات حماية العريش، لتجنب الكوارث العمرانية وتحويل المسارات إلى محاور تنموية آمنة.
ثانيًا: النشاط الزراعي بين الوفرة والتهديد.
تعد السيول في وجدان إنسان العريش مصدرًا للخير والنماء، وليست مجرد خطر؛ فهي المغذي الرئيسي للمخزون الجوفي من المياه العذبة التي تعتمد عليها زراعات الزيتون والنخيل والمحاصيل الحقلية.
تاريخيًا، تعلم أبناء سيناء كيف يروضون هذه الدورة عبر حجز مياه الأمطار والطمي الخصيب. واليوم، نؤكد أن الإدارة الذكية لهذه التدفقات المائية عبر السدود والبحيرات الاصطناعية هي مفتاح تحقيق التنمية الزراعية المستدامة في شبه الجزيرة.
2. تحقيق أسماء الأماكن الجغرافية في شمال سيناء
س: تعتمد في كتاباتك على تحقيق أسماء الأماكن الجغرافية في شمال سيناء؛ ما المنهج الميداني الذي تسلكه لتأكيد التسميات الشعبية والربط بينها وبين الوثائق والخرائط التاريخية؟
ج: أعتمد في أبحاثي على منهج تكاملي يربط بين التوثيق المكتبي والتحقيق الميداني، لضمان أعلى درجات الدقة الجغرافية.
يبدأ العمل ميدانيًا بالنزول المباشر إلى الموقع، وعقد مقابلات شفهية مقننة مع كبار السن والرواة المحليين من أبناء القبائل، باعتبارهم حراس الذاكرة الجغرافية للمكان.
وبعد رصد التسمية الشعبية ومقارنتها جغرافيًا، أنتقل إلى المرحلة المكتبية لمطابقتها مع الخرائط التاريخية والحجج ووثائق الدير والمؤلفات القديمة، لتتبع التطور اللغوي والدلالي للاسم.
هذا المزج بين الرواية الشفهية الحية والوثيقة المكتوبة يتيح لي تصحيح الأخطاء الشائعة في الخرائط الحديثة، وصون الهوية التاريخية لجغرافيا شمال سيناء من الاندثار، وتقديم مادة علمية محققة تخدم الباحثين وصناع القرار على حد سواء.
3. بين الأسطورة والحقيقة التاريخية
س: وثقتَ قصص العيون والآبار والطقوس التراثية المرتبطة ببعض الجبال والمرتفعات؛ كيف تميز بين الشفاهية الشعبية، ممثلة في الأسطورة، والحقيقة التاريخية أثناء التوثيق الميداني؟
ج: التمييز بين الأسطورة والحقيقة التاريخية يتطلب تطبيق منهج النقد التاريخي الصارم على الرواية الشفهية.
في عملي الميداني، لا أرفض الأسطورة أو القصة الشعبية المرتبطة ببئر أو جبل، بل أتعامل معها باعتبارها مؤشرًا يحتوي في جوهره على نواة حقيقية غلفتها الخيالات بمرور الزمن.
يبدأ الفرز عبر آلية التقاطع والتحليل المقارن، بجمع الروايات من عائلات وقبائل مختلفة وعزل المبالغات المشتركة. بعد ذلك، أخضع النص الشفهي للمطابقة العلمية مع أربعة محددات: الشواهد الأثرية القائمة، والمعطيات الجيولوجية والطبيعية للموقع، والخرائط القديمة، والوثائق التاريخية المكتوبة.
هذا التفكيك العلمي هو ما يسمح لي بتحييد الخرافة واستخلاص الحقيقة الجغرافية الكامنة وراء الموروث الشفهي السيناوي، ومع ذلك، أجد في النهاية مسميات لا يتوافر لها تاريخ أو قصة موثقة.
4. اختفاء البيوت الطينية وأثره الثقافي والبيئي
س: لك طرح متخصص حول تراجع البيوت الطينية والبيوت المصنوعة من طوب اللبن في العريش وسيناء؛ ما الأثر الثقافي والبيئي الذي يفقده المجتمع مع اختفاء هذا النمط المعماري؟
ج: اختفاء المعمار الطيني وبيوت اللبن في سيناء يمثل خسارة فادحة على مستويين متكاملين:
بيئيًا، يفقد المجتمع نموذجًا عبقريًا للعمارة المستدامة المتوافقة مع المناخ الصحراوي؛ فبيوت الطوب اللبن تتميز بالعزل الحراري الطبيعي، حيث تمتص الحرارة نهارًا وتطلقها ليلًا، بما يحقق توازنًا حراريًا دون استهلاك للطاقة، على عكس الخرسانة الحديثة.
ثقافيًا، يتسبب تراجع هذا النمط في طمس الهوية البصرية والتراثية للمدينة، وتفكيك روابط العمارة التشاركية التي كانت تجمع الأهل والجيران للمساهمة في بناء البيوت وصيانتها دوريًا، بوصف ذلك طقسًا اجتماعيًا وتكافليًا.
لذا، نحن لا ندعو إلى الارتداد للماضي، بل نطالب باستلهام هذا الإرث وتطويره هندسيًا ليناسب تقنيات البناء البيئي الحديث.
5. إحياء البيت العريشي القديم والعريشة
س: هل ترى إمكانية لتنفيذ مشروع أهلي أو مؤسسي لإعادة إحياء البيت العريشي القديم أو العريشة، كنموذج متحفي وثقافي للجيل الجديد والزائرين؟
ج: بكل تأكيد، أرى أن تنفيذ مشروع لإعادة إحياء البيت الطيني العرايشي القديم أو العريشة المبنية من سعف النخيل ليس ممكنًا فحسب، بل هو ضرورة ملحة لصون الذاكرة البصرية للمنطقة.
إن إنشاء نموذج متحفي وثقافي حي يعتمد على المواد البيئية المحلية، مثل جريد النخيل والطين وأخشاب الأثل، سيمثل جسرًا معرفيًا يربط الجيل الجديد بجذوره، ويقدم للزائرين تجربة سياحية وأنثروبولوجية أصيلة تعكس طبيعة الحياة السينائية القديمة وطقوسها.
ويمكن أن ينطلق هذا المشروع كمبادرة أهلية بالتعاون مع جمعيات حماية التراث، وبدعم مؤسسي من وزارة الثقافة ومحافظة شمال سيناء، بحيث لا يقتصر على كونه مبنى صامتًا، بل يتحول إلى مركز ثقافي تفاعلي يستضيف الفعاليات التراثية والأمسيات وورش الحرف اليدوية، لضمان استدامة التمويل والأثر.
6. البحر والصحراء في تشكيل الهوية السيناوية
س: كيف تتقاطع أدوات الحياة اليومية بين البيئة الساحلية البحرية في العريش وبيئة البادية والعمق الصحراوي في تشكيل ملامح الهوية السيناوية الجامعة؟
ج: تتقاطع أدوات الحياة اليومية في العريش لتشكل نموذجًا فريدًا للتثاقف البيئي بين البحر والصحراء، وهو ما يمنح الهوية السيناوية عمقها الجامع.
ويتجلى هذا الانصهار في تطويع خامات البيئتين؛ فنجد العريشة، بوصفها بناءً ساحليًا مصنوعًا من سعف النخيل وجريده، تلبي حاجة الصيد والاستجمام على الشاطئ، وفي الوقت ذاته يتقاطع تصميمها ووظيفتها مع بيت الشعر البدوي في الصحراء، من حيث المرونة وسهولة الحشد والتكيف المناخي.
كذلك تمتد خيوط المنسوجات والأدوات النحاسية وحوافظ المياه والخامات النخيلية، مثل القفاصة والخصف، لتعبر الحدود الفاصلة بين الصياد والبدوي.
وقد تشكلت منظومة اقتصادية نفعية تبادلية جعلت من العريش نقطة التقاء بصري ومعيشي دمجت ثقافة البحر بامتداد البادية.
7. الحكايات والأمثال الشعبية والتكافل الاجتماعي
س: يرتبط التراث الشفاهي السيناوي بأمثال وحكايات ترصد الحكمة اليومية؛ كيف تسهم هذه الحكايات في فهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والتكافل بين الأهالي؟
ج: يمثل التراث الشفاهي السيناوي، من أمثال وحكايات شعبية، مرآة عاكسة للمنظومة القيمية والقانونية التي تحكم مجتمع سيناء، وهو بمثابة الشفرة الأخلاقية التي تفسر عمق العلاقات التكافلية بين الأهالي.
هذه الحكايات لا تُروى للتسلية، بل تعيد إنتاج قيم التضامن وإغاثة الملهوف وحق الجوار وإكرام الضيف، وتجعل منها التزامات أدبية صارمة.
فالأمثال المرتبطة بالبيئة والزراعة والترحال تبرز كيف يتجاوز المجتمع الأزمات الطبيعية والمناخية عبر العونة والعمل الجماعي التشاركي.
ومن هنا، تسهم هذه المأثورات في فهم التماسك الاجتماعي؛ إذ تعزز روابط الدم والقرابة، وتوفر آليات لفض النزاعات، وترسخ التعاون بوصفه شرطًا أساسيًا للبقاء والاستقرار في البيئة الصحراوية والساحلية على حد سواء.
8. توثيق السامر والقصيد في مواجهة التحولات الحديثة
س: ما أهمية تسجيل وتوثيق أشكال التعبير الشفاهي الموسيقي والكلامي، كالسامر والقصيد، التي بدأت تتراجع مع تغير الوسائط الحديثة؟
ج: تكمن أهمية توثيق أشكال التعبير الشفاهي الموسيقي والكلامي، كالسامر والقصيد، في كونها صونًا للجينات الثقافية والتاريخ الحي للمجتمع السيناوي، قبل أن يطمسها التحول الرقمي.
فالسامر والقصيد ليسا مجرد فنون ترفيهية، بل هما سجلات تاريخية شفاهية وثقت الأحداث والتحالفات والأنساب والتحولات الاجتماعية عبر الأجيال.
إن تراجع هذه الأنماط بفعل طغيان الوسائط الحديثة يهدد بفقدان الذاكرة الجمعية للمنطقة وخسارة لغة شعرية وتعبيرية فريدة.
لذا، فإن تسجيل هذه الفنون صوتيًا وبصريًا يضمن بقاءها مرجعية معرفية أصيلة للأجيال القادمة، ويمهد لإعادة دمجها واستثمارها في قوالب معاصرة تحمي الخصوصية التراثية لسيناء من الذوبان في الثقافة الافتراضية العولمية.
9. عيش الصاج والفطير وصمود العادات الغذائية
س: كتبتَ عن مظاهر الحياة الاجتماعية والأطعمة التقليدية، مثل عيش الصاج والفطير؛ كيف بقيت هذه العادات صامدة أمام أنماط الاستهلاك الحديثة؟
ج: تعود ديمومة وصمود الأطعمة التقليدية، كعيش الصاج والفطير المعروف باسم «الفراشيح»، أمام موجات الاستهلاك الحديثة إلى ارتباطها الوثيق ببنية القيمة والطقوس الاجتماعية في سيناء، وليس لمجرد قيمتها الغذائية.
فهذه الأطعمة تمثل ركيزة أساسية في قيم الضيافة والاجتماعات العائلية والمناسبات التراثية، مما جعل التخلي عنها بمثابة التخلي عن جزء من الهوية الجماعية.
إضافة إلى ذلك، تتميز هذه المأكولات بالذكاء البيئي؛ فهي تعتمد على مكونات طبيعية محلية تناسب جغرافية المنطقة، وتمنح الإنسان قدرة على التكيف.
هذا البعد الرمزي والمعنوي، إلى جانب التقدير المتزايد حديثًا للقيمة الصحية للأطعمة العضوية والتقليدية، جعل المجتمع يعيد إنتاجها ويتمسك بها باعتبارها وسيلة واعية وصامتة للمقاومة الثقافية وصون الخصوصية المحلية في مواجهة التنميط الاستهلاكي العولمي.
10. الصحافة الميدانية وتوثيق ذاكرة المكان
س: بصفتك تجمع بين التغطية الصحفية والتحقيق التاريخي، كيف يخدم العمل الصحفي الميداني توثيق التفاصيل اللحظية لشمال سيناء قبل أن تطمسها التحولات العمرانية؟
ج: يمثل العمل الصحفي الميداني خط الدفاع الأول في توثيق جغرافية المكان، حيث يعمل أداةً للإنقاذ البصري والتوثيقي، تسجل التفاصيل اللحظية لشمال سيناء قبل أن تطالها يد التحولات العمرانية المتسارعة.
فالصحافة الميدانية تمنح المؤرخ مادة حية وشواهد راهنة لا توفرها الوثائق الجامدة؛ إذ تلتقط الملامح الأخيرة للمباني التراثية والأنشطة الديموغرافية وصور الحياة اليومية في لحظة تحولها التاريخي.
وهذا الدمج بين عين الصحفي الاستقصائية ومنهج الباحث التاريخي يسمح بتحويل التحقيقات الصحفية والمصورة إلى أرشيفات وطنية مستقبلية.
إن رصد تفاصيل الواقع ميدانيًا في ذروة تبدله هو الجسر المعرفي الذي يحمي الذاكرة الجمعية للمنطقة من النسيان، ويصون الهوية البصرية لشبه الجزيرة للأجيال القادمة.
11. تحديات جمع الروايات الشفاهية في شمال سيناء
س: ما أبرز التحديات والعقبات التي تواجه الباحث التراثي أثناء جمع الروايات الشفاهية من كبار السن في قرى ومراكز شمال سيناء حاليًا؟
ج: تواجه عملية جمع الروايات الشفاهية في قرى ومراكز شمال سيناء حاليًا عقبات ديموغرافية واجتماعية معقدة؛ أبرزها العامل الزمني الملح، المتمثل في رحيل كبار السن وعواقل القبائل الذين يمثلون المستودع الأصيل للتراث، مما يتسبب في ضياع حلقات تاريخية غير مدونة.
كما يبرز تحدي صعوبة الاستدعاء الدقيق نتيجة التقدم في السن، أو تداخل الروايات التاريخية بالانطباعات الشخصية والمعاصرة، مما يتطلب جهدًا مضاعفًا في الفرز والنقد.
ويضاف إلى ذلك تحفظ بعض الأهالي والحرج الاجتماعي من الخوض في تفاصيل ترتبط ببعض العادات القديمة أو النزاعات القبلية البائدة، فضلًا عن الصعوبات اللوجستية في الوصول إلى التجمعات البدوية النائية في العمق الصحراوي.
وهذه العوائق تفرض على الباحث امتلاك مهارات تواصلية ونفسية عالية لكسب ثقة الراوي وضمان تدفق المعلومات بنقائها التراثي.
12. الأرشيف الرقمي وربط الشباب بتاريخ أرضهم
س: تقدم من خلال أرشيفك الرقمي ومنصاتك حصيلة أعمالك؛ كيف ترى سبيل استغلال هذا الأرشيف الإلكتروني لربط الشباب والباحثين الجدد بتاريخ أرضهم؟
ج: يمثل الأرشيف الإلكتروني الرقمي الجسر الحتمي لإنقاذ الموروث التاريخي والجغرافي من الجمود، وتحويله إلى مادة حية تتفاعل مع عقول الشباب والباحثين الجدد.
ويكمن سبيل استغلال هذه الوسائط في الرقمنة الواعية؛ أي تحويل الحصيلة الميدانية والوثائقية الجافة إلى محتوى بصري وتفاعلي يناسب أدوات العصر، كإنتاج الخرائط الرقمية ثلاثية الأبعاد للأماكن الجغرافية، والبودكاست الأنثروبولوجي الذي يتناول قصص الرواة.
هذا التحول التكنولوجي يسهل على الباحثين الجدد الوصول إلى المادة المحققة والبحث في الأصول التاريخية لسيناء بيسر.
ومن هنا، يتحول الأرشيف من مجرد مخزن للماضي إلى منصة حية تعزز الوعي القومي، وتعمق ارتباط الشباب بأرضهم، وتدفعهم إلى استكمال مسيرة البحث والتوثيق الميداني بهوية رقمية رصينة.
13. التراث البحري للصيادين في العريش
س: يمتلك مجتمع الصيادين في العريش مصطلحات وممارسات تراثية خاصة بأدوات الصيد والأنواء البحرية؛ كيف وثقتَ هذا التراث البحري المتميز وعلاقته بالهوية العرايشية؟
ج: توثيق تراث مجتمع الصيادين في العريش ركيزة أساسية لفهم الهوية الساحلية للمدينة، التي تمايزت بمعجم لغوي وممارسات ارتبطت تاريخيًا بالبحر.
وثقت هذا الإرث عبر معايشة ميدانية وثيقة، رصدت خلالها أنواء البحر، أي توقيتات هبوب الرياح، ومصطلحاتها المتوارثة، والأسماء المحلية لأدوات الصيد والشباك التقليدية، مثل الغزل، وطرق غزلها يدويًا.
إن علاقة هذا التراث بالهوية العرايشية تتجاوز البعد الاقتصادي إلى البعد الثقافي؛ فالصياد العرايشي طور منظومة قيمية ومعرفية قائمة على الصبر والتنبؤ المناخي وقراءة النجوم.
ويبرز هذا التوثيق كيف شكلت حرفة الصيد ومفرداتها اليومية نمط التضامن الاجتماعي والتكافل بين العائلات الساحلية، مما جعل البحر مكونًا بنيويًا أصيلًا في صياغة الشخصية العرايشية واستمراريتها التاريخية.
14. المالح والفسيخ العريشي في الذاكرة الاجتماعية
س: كيف تشكلت الثقافة الغذائية الساحلية، كالمالح والفسيخ العريشي، بوصفها جزءًا من المأثور الاجتماعي والتضامن الأسري في المناسبات؟
ج: تشكلت الثقافة الغذائية الساحلية في العريش، المتمثلة في أطعمة كالمالح والفسيخ، بوصفها آلية ذكية للتكيف البيئي تحولت بمرور الزمن إلى مأثور اجتماعي راسخ.
تاريخيًا، ارتبطت هذه المأكولات بمواسم وفرة الصيد، حيث ابتكر المجتمع وسائل لحفظ الأسماك بالتمليح، مثل المالح العريشي، لمواجهة فترات الشح أو الأنواء البحرية.
ومع التطور الاجتماعي، انتقلت هذه الأطعمة من سياق الحاجة الاقتصادية إلى سياق الطقس المناسباتي الجامع، خاصة في الأعياد ومواسم الربيع.
إن إعداد المالح وتناوله يمثلان مظهرًا من مظاهر التضامن الأسري؛ حيث تشترك العائلات الممتدة في عمليات التمليح والتحضير، وتجتمع حول مائدة واحدة تكرس قيم صلة الرحم والتكافل بين الجيران.
وبذلك، تحولت هذه الأكلات من مجرد غذاء إلى رموز للهوية الساحلية ومحفزات دورية لتعزيز الأواصر الاجتماعية وبث الحيوية في مأثوراتنا المعيشية الشاملة.
15. الأرشيف الفوتوغرافي وتصحيح الروايات التاريخية
س: تنشر وتعتمد في كتاباتك على الصور القديمة للملامح والمعالم العريشية والسيناوية؛ ما قيمة الأرشيف الفوتوغرافي في تصحيح وتوثيق الروايات التاريخية الشفاهية؟
ج: يمثل الأرشيف الفوتوغرافي وثيقة مادية بالغة الأهمية في جغرافية سيناء وتاريخها، حيث يعمل أداةً للإثبات تسهم في تجسير الفجوة بين المكتوب والمنطوق.
وتكمن قيمة الصورة القديمة في قدرتها على ضبط الروايات الشفاهية وتصحيحها؛ فالذاكرة البشرية قد تقع تحت طائلة النسيان أو المبالغة بمرور السنين، بينما تمنحنا اللقطة الفوتوغرافية دليلًا ماديًا على الملامح الطبوغرافية والتفاصيل المعمارية للمعالم، مثل قلعة العريش ونمط البيوت الطينية قبل تبدلها.
ومن خلال مطابقة الرواية الشفهية بالصورة الموثقة تاريخيًا وزمنيًا، نتمكن من فرز الأساطير وتدقيق الحقائق وإعادة تركيب المشهد التاريخي بدقة ومصداقية علمية.
وهكذا، يحمي الأرشيف الفوتوغرافي التراث العريشي من التشويه، ويمنح الباحثين الجدد مرجعية بصرية مهمة في دراسة الماضي.
16. معايير كتابة سير أعلام سيناء
س: يزخر التاريخ السيناوي بشخصيات أهلية ووطنية تركت أثرًا كبيرًا؛ ما المعايير التي تعتمدها عند كتابة السير الذاتية وتراجم أعلام سيناء القدامى؟
ج: كتابة السير الذاتية وتراجم أعلام سيناء القدامى والشخصيات الأهلية والوطنية تتطلب منهجية صارمة ترتكز على ثلاثة معايير أساسية، لضمان الأمانة التاريخية والأنثروبولوجية.
أولًا: تنوع المصادر وتعددها.
لا نكتفي برواية العائلة أو القبيلة المنحازة عاطفيًا، بل نطابقها بالوثائق الرسمية، كدفاتر النفوس العثمانية وسجلات المحاكم الشرعية والمدونات الحكومية، لضبط التواريخ والوقائع.
ثانيًا: الموضوعية والإنصاف.
نسعى إلى إبراز الشخصية في سياقها التاريخي والاجتماعي الحقيقي، بعيدًا عن المبالغات والتهويل، مع التركيز على الأثر والتأثير الفعلي للشخصية في مجتمعها ووطنها.
ثالثًا: التدقيق التشاركي.
يكون ذلك عبر عرض المسودة على لجنة من الرواة الثقات وعواقل العائلات، لضمان سلامة النسب وصحة الممارسات المنسوبة إلى الشخصية.
وبذلك، نخرج بترجمة متوازنة وموثقة تحفظ الذاكرة الوطنية لشمال سيناء، وتمنح الأجيال قدوات حقيقية مجردة من التزييف.
17. القضاء العرفي والتعايش مع القانون الحديث
س: يعد القضاء العرفي في سيناء من أقدم الأنظمة القانونية الشعبية؛ كيف ترى قدرة هذا التراث الشفاهي العرفي على التعايش مع القانون الحديث وحل النزاعات المجتمعية؟
ج: أرى أن القضاء العرفي في سيناء يمتلك مرونة وعبقرية بنيوية تجعله قادرًا على التعايش الإيجابي مع القانون الحديث، بل والعمل بوصفه ظهيرًا وسندًا اجتماعيًا له، وليس بديلًا عنه.
فالقضاء العرفي ليس مجرد أحكام جامدة، بل هو منظومة شفهية متكاملة تقوم على مبادئ التراضي والعدالة الناجزة والسلم المجتمعي.
وتتجلى قدرته على التعايش من خلال التقسيم الوظيفي للمهام؛ فبينما يختص القانون الحديث بالجوانب الجنائية والسيادية وفرض هيبة الدولة، يتولى القضاء العرفي، بروافده كالمقاعد والدواوين، تفكيك الخصومات الاجتماعية وتصفية النزاعات العائلية والقبلية من جذورها النفسية، عبر المصالحة وجبر الضرر.
وهذا التكامل التبادلي بين ردع القانون الرسمي وتسوية النزاعات عبر العرف الشعبي يسهم في تحقيق معادلة تصون الأمن والاستقرار، وتجعل من العرف ركيزة أساسية لتعزيز نسيج التماسك المجتمعي في سيناء.
18. المرأة السيناوية ودورها في صون التراث
س: تلعب المرأة السيناوية دورًا محوريًا في حراسة التراث، من الثوب السيناوي والمطرزات إلى المأثور الشفاهي؛ كيف رصدتَ هذا الدور الميداني في أبحاثك؟
ج: رصدت في أبحاثي الميدانية أن المرأة السيناوية تمثل عمود الخيمة في صون الهوية التراثية واستمرارها، حيث تلعب دورًا محوريًا يتجاوز مجرد الحفاظ إلى الإنتاج والتوريث الثقافي عبر الأجيال.
ويتجلى هذا الدور ميدانيًا في محورين:
أولهما: المحور المادي والبصري.
يتمثل في الثوب السيناوي والمطرزات؛ فقد حولت المرأة غرز التطريز ووحداته الزخرفية إلى لغة بصرية بليغة ووثيقة جغرافية واجتماعية مشفرة، تكشف عبر ألوان الخيوط ونوع التشكيل عن هوية القبيلة والحالة الاجتماعية للمرأة. وهي حرفة تتوارثها الفتيات بوصفها طقسًا هوياتيًا واقتصاديًا متكاملًا.
ثانيهما: المحور غير المادي.
يتجسد في كون المرأة الحاضنة الأولى للمأثور الشفاهي؛ فهي المستودع الأساسي لأغاني المهد وحكايات الجدات والندب ومصطلحات الحياة اليومية.
ومن هنا، أؤكد في دراساتي أن صمود التراث السيناوي عبر العقود لم يكن ليتحقق لولا هذا الدور الحارس والحيوي الذي تقوده المرأة داخل مجتمعها بصمت وإبداع.
19. مظاهر التراث الأكثر عرضة للاندثار
س: مع التوسع العمراني والتغيرات الديموغرافية في شمال سيناء، ما المظاهر التراثية التي تراها الأكثر عرضة للاندثار وتستوجب التدخل العاجل لإنقاذها؟
ج: مع التوسع العمراني والتغيرات الديموغرافية المتسارعة، أرى أن هناك مظهرين تراثيين هما الأكثر عرضة للاندثار ويستوجبان تدخلًا إنقاذيًا عاجلًا.
الأول: التراث المعماري البيئي.
ويتمثل في بقايا منازل الطين واللبن في حارات العريش القديمة، وكذلك العريشة؛ فقد سميت العريش بهذا الاسم لكثرة عرائشها. ومع تزايد الكتل الخرسانية الحديثة، تتعرض الهوية البصرية الفريدة للمدينة للطمس.
الثاني: المأثور الشفاهي اللامادي.
ويشمل المعجم اللغوي التخصصي المرتبط بالحياة اليومية والحرف، كالصيد التقليدي في مجتمع الصيادين والزراعة الصحراوية الموسمية، فضلًا عن الأهازيج والفنون الشفهية كالسامر.
إن رحيل الرواة من كبار السن وعواقل العائلات دون تدوين ما لديهم من موروث يمثل خسارة تاريخية لا تعوض؛ مما يفرض ضرورة إطلاق منصات رقمية ومشروعات مؤسسية عاجلة لتسجيل هذا الإرث السمعي والبصري وأرشفته إلكترونيًا قبل غيابه التام عن الذاكرة الجمعية.
20. نصيحة لشباب سيناء المهتمين بالتوثيق والتاريخ المحلي
س: بصفتك باحثًا ميدانيًا خاض تجربة التوثيق الميداني والنشر الرقمي، ما النصيحة التي تقدمها للجيل الجديد من شباب سيناء الراغبين في دخول مجال التوثيق والتاريخ المحلي؟
ج: نصيحتي للجيل الجديد من الباحثين تتلخص في الموازنة الواعية بين أصالة المنهج الميداني وعصرية الأدوات الرقمية.
عليهم أولًا إدراك أن التوثيق الحقيقي لا يتم خلف الشاشات، بل بالنزول الفعلي إلى الأرض، والاندماج الصادق مع الأهالي، والاستماع الواعي إلى كبار السن بشغف واحترام، باعتبارهم بوابات إلى التاريخ الحي.
كما يجب عليهم التسلح بالحياد العلمي، ومطابقة الرواية الشفهية بالوثيقة المكتوبة والشواهد الأثرية، لتفادي المبالغات.
وأخيرًا، أدعوهم إلى استغلال التكنولوجيا الحديثة وصناعة المحتوى الرقمي المبتكر، كالأفلام التوثيقية والخرائط التفاعلية، لتقديم تراث بلدهم بلغة عصرية يفهمها العالم.
فالأرض التي لا يوثقها أبناؤها بأقلامهم وعدساتهم تظل مهددة بنسيان تفاصيلها وطمس معالم هويتها الفريدة.
في نهاية الحوار
في ختام حوارنا مع الباحث والكاتب محمود حسن الشوربجي، يتأكد لنا أن توثيق التراث السيناوي ليس مجرد استعادة للحنين أو تقليب في صفحات الماضي، بل هو فعل حقيقي لصون الهوية الوطنية وفهم عميق للترابط التاريخي بين الإنسان والأرض.
ويظل الجهد الميداني الذي يمارسه الشوربجي نموذجًا للباحث الشغوف الذي لا يكتفي بالكتب، بل ينزل إلى الأودية والبيوت ليستمع إلى نبض الذاكرة من مصادرها الأولى.


★ناقد وروائي ـ مصر.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى