كريمان سالم: “بطاقات بريدية ممزقة” من رحم المعاناة تنبض الحياة.


كريمان سالم★
على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية أُقيم عرض”بطاقات بريدية ممزقة” ضمن عروض “مهرجان المسرح التجريبي”في دورته الحالية لفرقة “زيج زاج دانس” و الممثلة لدولة إسبانيا، من إخراج رامون اولر.
خمس دقائق من طقوس المخاض داخل رداء وردي يتأرجح بقلبه وجهي الحياة، فتولد امرأة يلتصق بها رجل في تلاحم متناغم ليُعلن عن بدأ المعركة ،هكذا بدأ العرض،و هكذا أخذتنا تلك المرأة مصاحبة لعقلها اللاواعي وجانبها الذكوري المتمثل في الرجل ، لرحلتها الخاصة منذ خروجها من رحم المعاناة والتي تشير إلى هجرة الإسبان إلى أمريكا بين عامي ١٨٤٠ و١٩٤٠م..
مائة عام من صدمة فقد الهوية، إلى تحسسها ثم الوصول إليها، لم تكن الرحلة ممتعة للغاية بل كانت مشحونة بالمغامرات والصراعات والمواجهات النفسية، ما بين تخلي وانسياق وتواري، بين التجربة والتحقق ، بين صنع الذكريات والفرز والانتقاء .

“الأنيموس” أو الطاقة الذكورية بالعقل اللاواعي للمرأة رافقتها خلال رحلتها ، فكانت الدليل والموجه لها ،لم تستقل وحيدة ،ولم تعتمد علي حدسها الأنثوي في استكشاف التجربة والمعاناة ، بل اختارت أن تتوكأ على نصفها الآخر ، وتجعل منه معلماً وراسماً لمسارات حياتها..
فبعد أن تخلصت من مخاضها وانطلقت حرة لم تكن تمتلك هوية محددة ،وفي محاولة لتحديد هوية مرضية لها،تنقلت ما بين زي وآخر يختلفون في النمط، ولكن بلون فطرة واحد، حتي وجدت هويتها في عباءة فضفاضة شعرت بحريتها داخلها، فخرجت منها بهوية مستقلة حاملة لحقيبة بنفس لون فطرتها المخبئة،وحين شعرت بحرارة الشمس لم تبحث إلا داخل حقيبتها لتُخرج قبعة الحماية ..إذن الحماية ذاتية المصدر لديها.

بين أحاديث في الخلفية باللغة الإسبانية وبين أصوات الأمواج يصاحبها “الأنيموس” حاملاً لعصايتين يجدف بهما محاولاً تحديد اتجاه آمن لسيدته المطيعة، تتلاطم الأمواج، تعلو وتهدأ والمرأة تسير حتي ترسو علي وجة تظنها آمنة ،فتبدأ في استكشاف حياة جديدة عليها ،بدهشة ورغبة حقيقة في التأقلم ، حتي تتعرض لصراعات وصدامات كانت محتملة الحدوث ، لتصنع ذكريات وأحداث ، وتكون ذاكرة جديدة.

.وفي مشهد من الثورة ودفق المشاعر ،تتقاذف جميع ذكرياتها، دفعات ..دفعات..تشاهد، تتذكر،تفرح وتتألم ،ثم تفرز وتنتقي ما يروق لها من بطاقاتها البريدية، فتمزق وتحتفظ ، ويتطاير ما يتطاير بفعل الأنيموس العقل اللاوعي يرتجل بمهارة حقاً.
ينتهي العرض برغبة حقيقة في زرع ثم حصاد ثم تمرد على وضع لم يعد مريحاً بعد طول معاناة .
وبأغنية ” وداعاً أيتها الجميلة” يختتم العرض برغبة معلنة في العودة إلى أرض الوطن لتعود الزهرة لأرضها لعلها تعلن مخاضاً جديداً ربما يكون أكثر حظاً.
إضاءة العرض تميزت بالتنوع والظهور ببساطة على جانبي المسرح .
خشبة المسرح لم تحمل من الديكور الكثير سوي بعض الكشافات المثبتة على جانبيه واستخدام حر للأزياء و قصاصات الأقمشة بألوان تعبر عن فكرة الأنوثة .
الموسيقى المصاحبة للعرض امتزجت بالمؤثرات الصوتية الطبيعية وبعض أصوات لأحاديث خارجية مسجلة..
انتهى العرض ولم تنتهي الفكرة ،فحقاً..”هذه الزهرة الجميلة، ولدت من جسد المناضل، الذي ضحى بحياته من أجل الحرية”
★ناقدة مسرحية ـ مصر.




