مسرح

سيف الأمير: “الباروكة” على مسرح الجمهورية.. الكوميديا تتزين بالغناء في المهرجان القومي للمسرح المصري.

سيف الأمير★
في واحدة من أمتع ليالي المهرجان القومي للمسرح المصري، وقف الجمهور على خشبة مسرح الجمهورية، أمام عرض غنائي كوميدي نابض بالحيوية بعنوان “الباروكة”، من إخراج د. مهدي السيد، مستنداً إلى ألحان فنان الشعب “سيد درويش” ، ومعتمداً على نص فرنسي الأصل، صيغ بعربية قادرة على إضحاك المتلقي وإثارته فكرياً، في آنٍ واحد.

يبدأ المخرج بكسر الجدار الرابع بين الجمهوروالخشبة وكسر الحواجز التقليدية، عبر إدخال الممثلين من بين المقاعد، مما خلق تفاعلاً مباشراً مع المشاهدين، وجعل المسرح فضاءً حياً لا منبراً أحادي الاتجاه، وقد كانت رؤية الإخراج واعية بالإيقاع الكوميدي، ومتقنة في ضبط التحوُّلات بين ثلاث مشاهد درامية، تمثل فصول الأوبريت، دون أن يختل التوازن بين الفكاهة والرمز.
ويقتبس النص من أوبريت “La Mascotte” الفرنسي الذي عُرّب في بداية القرن العشرين على يد “محمود مراد ويوسف حلمي”، وأعاد صياغته “محمد عبد القادر” ليصبح أوبريت “الباروكة” بصيغته المصرية، قصة تحمل حظاً ومسؤولية.

تدور القصة حول فتاة ريفية تُدعى “بتينا”، يعتقد أنها تجلب الحظ، فتتغير حياة الأمير، والعمدة، وطبقة من الشخصيات الموزعة بين الريف والبلاط، في قالب فانتازي ساخر، لكنها أيضاً تسأل: (هل الحظ يُعفي من المسؤولية؟ وهل البركة تكفي لإدارة الحكم؟)
وتستحضر الدراماتورجيا الماضي، وتواجه الحاضر؛ حيث جمعت المعالجة بين الروح الأوروبية للنص، واللمسة المصرية في الأداء، لتنتج طبقات درامية زمنية، تتحدث بلغتين تراثية وحديثة، بلغة شعبية موجهة للجمهور من جهة، وفكرية من جهة أخرى.


وقد اكتسب العرض روحاً شبابية ونضجاً أدائياً، بتمثيل شبابي واعد، من خلال مشاركة “ليديا لوتشانو، عبد العزيز سليمان، هاني عبد الناصر، محمد التركي، يوسف طارق، وهاجر البدوي”؛ حيث قدمت “ليديا” أداءً دافئاً وعميقاً في دور “بتينا”، فيما أظهر “محمد التركي” براعة في تجسيد شخصية “روكو” المتخبطة، وحافظ “هاني عبد الناصر” على توازن الأمير المترنح بين الطموح والتردد.


جاءت الموسيقى والأغاني، وكأنها تقول: (حين يتكلم سيد درويش بلغة الفالس والموال)؛ حيث الألحان الأصلية أعاد توزيعها “وجدي الفوي” في معالجة أوركسترالية قادها المايسترو”ناير ناجي”، وجاءت الأغاني متراوحة بين إيقاع غربي ورنين شرقي مؤثر، كأنها تحاور الروح والجسد في آنٍ واحد، ونجحت “دينا الدغيدي” في قيادة كورال يوازن بين الطابع الأوروبي واللغة العربية، رغم التحديات اللغوية والإيقاعية.
وتنطق الاستعراضات بالتعبير من خلال تصميم الرقص لـ”علي يسري” ؛ حيث لم يكن مجرد زينة، بل سرداً بصرياً يخدم الحبكة، ويمنح لحظات تحول الشخصية بعدًا تعبيرياً غير منطوق.

وكانت السينوغرافيا بصرية ثرية، فالديكور من تصميم “عبد المنعم المصري” نقل الجمهور بين الريف والقصر بروح أوروبية ولمسة مصرية، وملابس “هالة حسن” جاءت أنيقة وملائمة، مع احترام للتاريخ البصري للشخصيات، دون افتعال أو تزويق زائد، وقد تم توظيف الإضاءة الديناميكية بسلاسة تخدم التحول الزمني والمكاني داخل العرض، دون أن تطغى أو تتسبب بتشويش بصري أو سردي.

 

كما كانت الإدارة المسرحية محترفة فى كل تفصيلة من العرض، من حركة الدخول والخروج، إلى تنسيق الأصوات والكورال، تُظهر وجود إدارة واعية خلف الكواليس، تعرف كيف تمزج العمل الجماعي والاحترافي في مسرح غنائي معقّد.


★إعلامي ـ مصر.

 

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى