رواية

شيماء مصطفى: “فوق رأسي سحابة” لدعاء إبراهيم.. من كان منكم بلا غراب !

شيماء مصطفى

لكل زلزال تبعاته، ولكل صدمة اضطراباتها، التي تتفاقم ويختلط فيها الحب بالأذى، والذنب بالاستحقاق.
وفي رواية ” فوق رأسي سحابة” الصادرة عن دار العين عام 2025 للكاتبة دعاء إبراهيم ، يتأقلم اليابانيون مع تبعات زالزلهم ،وتخفق البطلة في إدارة صدمتها، فتتحول الضحية إلى جلاد متمرس.

تدور الرواية حول ممرضة تدعى ” نهى ” والتي تعرضت في طفولتها للتحرش الجنسي من قبل الخال، بعد انفصال الأم ، وسفر الأب ليؤسس حياة جديدة في اليابان، تاركًا خلفه الماضي وطفلة .

“فوق رأسي سحابة”
يشكل العنوان علامة سيمولوچية باعتباره إحدى عتبات قراءة النص إن لم يكن أولها، وفي الرواية حمل العنوان عدة دلالات نفسية أبرزها الثقل والعجز فالبطلة التي تحمل فوق رأسها سحابة ، لم تكن السحابة إلا نسختها في الماضي ، تلك الطفلة التي فشلت في الدفاع عن نفسها حين انتهك الخال جسدها ، متجاوزًا مكامن أنوثتها، فحملت ثقل الماضي ، وثقل الإحساس الذي تشبعت به بأنها مذنبة ومشاركة في هذا الجرم، إذا ما حكت، فيظل المسكوت عنه سحابة فوق الرأس يصعب التحرر منها، ولهذا قالت البطلة عن تومودا أيضًا بعدما عرفت قصتها” أدركت أن فوق رأسها ها سحابة”

الغراب بين الإرث الإنساني والصرخة السردية.

في الإرث الإنساني ارتبط الغراب في القصص الديني بقصة قابيل وهابيل، وفي الإرث الشعبي اعتبروه نذير شؤوم، إذ أن نعيقه المزعج بمثابة إنذار بالموت، ولكن في ” فوق رأسي سحابة” حتى وإن تم استدعاء الإرث الإنساني المتمثل في قصص قابيل وهابيل، أو حتى في ارتباط ملازمة الغراب للبطلة قبل كل حادث قتل، إلا أنه تجاوز في رمزيته المباشرة، فالغراب ما هو إلا بؤرة معتمة من الوساوس القهرية التي تهيمن على البطلة إثر تعرضها للصدمات في الطفولة من زيجات الأم المتعددة، وتنقلها بين بيت الأم وزوجها وبيت الخالة وبيت الجدة، وتعرضها للتحرش الجنسي من الخال، وتملص الأب من مسؤولياته تجاهها، وإن كانت الچينيات بيئة خصبة للوساوس ، فإن الغراب هو لسانها الذي عجز عن البوح أو الانتقام.

التعلق الأيروسي واستدعاء قابيل.

لم يكن الغراب وحده الرمزية التي تم استدعاؤها من المروية القديمة، فقابيل أيضًا رمزية مركزية جاءت داخل السرد كحيلة دفاعية لجأت إليها البطلة لتخفف من حدة الشعور بالذنب، ولتجد يدًا تحميها بدلًا من اليد التي تنتهك حرمتها ، ولتتعرف معه لمسات أخرى بعيدة عن اللمسات التي تعرفتها مع الخال، واستدعاء قابيل تحديدًا دون غيره نقطة ذكية لعدة أسباب منها:
-وفقًا للموروث قتل قابيل هابيل من أجل امرأة / أخته التي أراد أن يتزوجها أو دعونا نقول يقوم معها بعلاقة كاملة بمفهوم المتعارف عليها لدينا، وإن كان هذا في تلك الحقبة الزمنية لا يشوبه حرمة ولا يعتبر جُرمًا ، ولا يمكن أن نطلق عليه زنا محارم، فقد كان الهدف بيولوچيًّا خالصًا لاستمرار النسل،كما تم اقتصاره على أبناء آدم وليس سلالته  ، فاستدعت نهى قابيل دون وعي لتتخلص من إحساسها بالذنب الملازم لها جراء علاقتها مع الخال، ورغم أن العلاقة بينهما لم تكن عابرة ، إذ استمر الخال في خسته مرات ومرات، حتى بعدما كبرت نهى وطلب منها الخال الجلوس في فترة تواجده بالبيت دون صدرية إلا أننا لا يمكن اعتباره زنا محارم ، لأن الزنا يتم برضا الطرفين، ولكن لأن مجتمعنا تديره سلطة ذكورية ترسخ لدى نهى ذلك الإحساس فلم تدرك حتى بعدما نضجت أنها ضحية استغلال جنسي، ولهذا كان حضور قابيل طاغيًّا على واقعها المتأزم فإن كان قابيل أقام علاقة مع حبيبته/ شقيقته ، فهي كذلك مع الخال، ولهذا دفعها الفضول لتتساءل عن مصير الفتاة التي أحبها .
ولأن الواقع يشتبك مع الخيال ويتصارع معه، عُقدت موازنة بين الخال وقابيل، فإن كان الخال انتزع صدريتها، وجردها من ملابسها ، فإن قابيل اتخذ من أوراق الشجر كساءً يستر به مكامن أنوثتها ، وإن كان حضور البحر مصدر فزع لها ، لدرجة جعلته حاضرًا في السرد تسع مرات على لسان البطلة ، ثمان مرات منهم أصبح خلالها بؤرة منفرة دثرت أي دليل يثبت جرم الخال، وواحدة فقط مع قابيل لتمحو بها التشوه المعرفي للأماكن والمفاهيم التي ارتبطت بالخال.

” في البحر هناك شيء يعجب الرجال، الماء الذي بللني وأنا ابنة الثانية عشر، جعل خالي يلتصق بي ،في الماء لا أثر للمساته على جسدي”
” لم أتصور يومًا أنا أحب العوم، أنا أدخل البحر بإرادتي”
ـ وقد تم استدعاء قابيل أيضًا لتتحرر من ذنب وثقل القتل، ولتؤكد أن ليس كل قاتل مجرم بالضرورة.
“نحن نرى ما نريد أن نراه”

كما أنه أوشى للقارىء بأن تقنية السرد المستخدمة تتخذًا من ضمير المتكلم أداة للتعبير عن تجربة ذاتية يعلوها الثقل وتحفها المخاوف، ورغم أن السرد اتخذ من ضمير المتكلم أداة للروي إلا أن الراوية تتحرر منه في لحظات الموت حين تلجأ إلى الخطاب، وتورطه حين تثقل رأسه بالعديد من التساؤلات

القتل وسيلة للبقاء


لم يكن القتل لدى نهى فوضويًّا، ليس لأنها لم تترك خلفها أثرًا، بل لأنه كان موجه لكل من يذكّرها بضعفها ، بعضه تعاطف وبعضه انتقام ، وبعضه حقد، فقد قتلت الولد الصغير لأنه حظى باهتمام ودلال من أمه فقدته هي، وقتلت أمها ووالدها لأنهما أول من اغتصبا حقها في حياة سوية يسودها الاستقرار، ويحفها الأمان.
” كنت بتضحكي يومها، يوم كنا في البحر يا ماما”
” كيف لي أنا اليتيمة أن أعرف كيف يكون حنان الأب”
حوار قصير يعج بالألم ، ويكشف زيف واقعها.
فقد تكررت النجاة عشر مرات، خلال السرد في مواضع مختلفة لتؤكد على رغبة نهى في الحياة والنجاة ولكن ولأنها وحيدة تفشل ، فشلت وهي تمتلك جناحًا واحدًا، فشلت وهي سمكة صغيرة، ولهذا كانت القتل وسيلة لتقول به أنا هنا، ليست عابرة كغيمة، أو مخيفة كجاثوم.
“الغابات متاهات لا يعرفها سوى وحش متمرس، أما بخصوص الشاب مريض غرفة 1، فقد كان رغم عجزه، وملازمته للكرسي المتحرك، أكثر حرية منها، وأكثر تمسكًا بالحياة، فلديه أم تجاهد وهي تقوم على خدمته عكسها تمامًا، ولكن رغم إدراكها لهذا، حاول اللاوعي لديها والذي لا يتقبل وجود أم سوية تتمسك بأبنائها إثبات عكس ذلك ، حين توهم المريض بأن الأم تتمنى رحيله لتعجل بالخلاص

“هل الحياة غالية لتعيشها على كرسي متحرك ؟”.

الفقد بوابة عبور وانطلاق

قدمت الكاتبة الإهداء الأول للملاكم إيواو هاكامادا، الذي ثبتت براءاته بعد سجنه  48  عامًا كعقاب على جريمة لم يرتكبها.
” وكثيرين حول العالم ، ممن فقدوا أقدامهم ، فصنعوا من المأساة أجنحة” ، وفي الغلاف صورة لإمرأة تبدو وكأنها يابانية بجناح وحيد فنصفها يريد الحرية، أو بالأحرى التحرر من ثقل الماضي فتعرقلها سحابة، ويراقبها غراب، نصف يقاوم ولديه جناح ونصف مستسلم ومظلم مثقل بالأوهام.
” اكتشفت أن التحليق لا يحتاج لأقدام سليمة”

اليابان كبؤرة مكانية.

كشف العمل عن البؤرة المظلمة داخل المجتمع الياباني، فلكل مجتمع غرابه، ولكن لم يكن الكشف في البداية فنجد على لسان الراوي في البداية
” لا وجود للفوضى حتى في أسوأ كوابيسهم” بدا لها المجتمع من الخارج متكاملًا من الملائكة ، ولم يكن هذا يسعدها بل كان بمثابة ثقل يذكرها بحياتها هناك مع الخال والأم والجدة، فهو نموذج مناقض لواقعها المأزوم .
ثم مع الانخراط التام داخل المجتمع والتعرف على غراب تومودا سان ( بؤرتها) المعتمة.
” الجميع يعمل من أجل الشركة وعائلة الشركة ، متناسين عائلاتهم التي تنتظرهم في البيت”

حتى بعد أن سبها المحقق حين اتهمت بقتل تومودا سان ابتسمت لتؤكد لنفسها أنه لا ملائكة هنا/ اليابان، ولهذا أيضًا جاءت المرأة على الغلاف بجناح وحيد.
ورغم براعة السرد بيد أن هناك بعض الكلمات التي يوضع خلفها علامة استفهام في النسخة الرقمية على أبجد
” برد قارص” مؤلم أم القارس الشديد ص 11 ، قسترة ” (قسطرة) ص 57.

ولكن العمل بمثابة صرخة في وجه كل من ينظر بعين لا ترى ما خلف الصورة،  عين تفتن بالظاهر ، وتعمى عن رؤية ما وراء الكواليس ، وتحسر الشرف فيما بين الفخذين، ودعوة لأن يطرد كل منا غرابه، فلا يترك له بابًا للولوج، بالإضافة لكونه توثيقًا على أن جرح الطفولة يلازم صاحبه مدى الحياة.


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى