عزيز ريان :قراءة في روايتين: اِفرح يا قلبي لـ”علوية صبح” (لبنان)، وقناع بلون السماء لـ”باسم خندقجي”(فلسطين).


عزيز ريان★
فلسطين ولبنان روائياً بين سلطة الحرب، والإبادة والأزمات الكبرى:
الحيز الترابي للإنسان المعاصر في زمن الحروب، والرقمنة والتماهي مع الحيز السردي
قراءة في روايتين: اِفرح يا قلبي لـ”علوية صبح” (لبنان)، وقناع بلون السماء لـ”باسم خندقجي”(فلسطين)
بطاقة تقنية عن رواية (اِفرح يا قلبي) لـ”علوية صبح”: العنوان:اِفرح يا قلبي.
الكاتبة:علوية صبح.
النوع: رواية.
دار النشر: دار الآداب لبنان.
الطبعة الأولى:عام 2022.
عدد الصفحات:351 (من النوع المتوسط).
عدد الفصول:18 فصلاً.
علوية صبح: هي صحافية وروائية لبنانية ولدت سنة 1955 ببيروت، بكالوريوس الأدب العربي والأدب الانجليزي بالجامعة اللبنانية ببيروت، عملت في الصحافة منذ أوائل الثمانينيات، وفي عدة منابر صحفية، هي مُؤسِّسة ورئيسة مؤسسة مجلة سنوب الحسناء منذ التسعينيات، ومن مؤلفاتها: نوم الأيام، دنيا، مريم الحكايا.
بطاقة تقنية عن (قناع بلون السماء) لـ”باسم خندقجي”
العنوان: قناع بلون السماء.
الكاتب: باسم خندقجي.
والتي فازت بالدورة ال 17 للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) باعتبارها أحسن رواية نشرت في عام 2023.
النوع: رواية.
دار النشر : دار الآداب لبنان.
الطبعة الأولى عام 2023.
الطبعة الثانية عام 2024.
عدد الصفحات:239(من النوع المتوسط).
عدد الفصول:7 فصول، بثلاثة أقسام.
باسم خندقجي: هو كاتب وسجين فلسطيني ولد سنة 1983، درس الصحافة في جامعة النجاح الفلسطينية، سجن سنة 2004، له مجموعات شعرية: 2009 طقوس المرء الأولى،2013 أنفاس قصيدة ليلية…وروايات: نرجس العزلة سنة 2017 ،خسوف بدر الدين سنة 2019، أنفاس امرأة مخذولة سنة 2020
يشتغل النص الروائي العربي عامة على التجريب للتقنيات الجديدة المتداولة في ساحة الابداع الروائي، محاولاً التطلُّع إلى أساليب جديدة تساير الزمن، وتُلَّبي متطلبات المتلقي الذي لا يعترف إلا بالابتكار والتجديد، لمواكبة التيارات الفنية الطارئة عالمياً بشكل متجدد.
والحداثة الروائية تواجه بأشكال تجريبية غير مطروقة في الكتابة، وتجنح لفعل ذلك، وهي مسكونة بقناعة راسخة بأن الأشكال الجمالية، يمكنها إحداث فرق جوهري في الطريقة، التي يرى بها الناس، ويفكرون ويعيشون.
” أكرم ” مسلم من فلسطين يجزم أنه : في حالة الاستعمار المسؤولية أعلى، لأن سرد الحكاية مسألة وجود، وليس “مواصفات” وجود، ولأن مطبخية الجلاد أكثر جبروتاً، ولأن المحو التام، وإبقاء الجماعة المستعمرة خارج “التاريخ” وخارج الجغرافيا هو المسألة، لكن مطلوب من الإبداع تحقيق ذاته بمحدّدات جمالية، فالانحياز الأخلاقي لسرديات عادلة، لا يعفيه من مسؤوليته الجمالية.
وسنحاول هنا قراءة مُنجزَيْنِ من منجزات روائيين عربيين ومن بلدين مختلفين، وذلك بهدف اقتناص بعض التقنيات الجمالية السردية، التي التقت في تشابك آخر بين دولتين مختلفتين، لكنهما متقاربتان ويجمعهما الكثير، وكذا تسليط الضوء على العملين للمطالعة والقراءة النقدية، من جوانب ونظرات منهجية أخرى.
الرواية الأولى هي (اِفرح يا قلبي) للكتابة اللبنانية “علوية صبح”، والتي اشتغلتْ على حيز الموسيقى بمنجزها الأدبي المحتفي بالأغنية الخالدة “اِفرح يا قلبي”
الموسيقى، البطل الذي استولى على العنونة، وأوحى بأجواء الفن والفرح والطرب والسلطنة، وبطبيعة الحال، بطلها عازف عود وموسيقي وأستاذ لمادة الموسيقى ولآلات أخرى بأرض المهجر.
تستَهِلُّ الكاتبة روايتها بأقوال أدوارد سعيد: “الموسيقى تعطيك الجمال لتهرب من الحياة من ناحية، وأن تفهم الحياة بشكل أعمق.” كما لو أنها تهيئك لدخول عوالم الفن البديع.
وأما الرواية الثانية (قناع بلون السماء) للكاتب الفلسطيني “باسم خندقجي”، الذي وظّفَ في عمله التاريخ، وحب البحث عن الآثار، وأظهر رغبة واضحة لبطله (نور) منذ أول صفحة بتقصِّي وإثبات السيرة التاريخية لمريم المجدلية في فلسطين الرومانية، اِنطلاقاً من تطاول كاتب رواية “شيفرة دافنشي” على المجدلية.
هي رحلة قد تبدو مع كاتب رواية، يسعى لوضع آخر أو أول لمسات عن بطلته المجدلية، وبعض التلاميذ والرسل.
فما هي التقنيات الموظفة بالبنية السردية في العملين؟
أو بالأحرى ما يجعل العملين مميزين، ولهما قيمتهما الأدبية على الساحة العربية والعالمية؟
وما هي النقاط المتشابهة بينهما؟ وما هي النقاط المختلفة بينهما؟
أشكال السرد الروائي: اِستعمال ضمير الغائب، وهو شائع، وأكثر تداولاً، ييسر الاستقبال لدى المتلقي.
أهدافه: المواراة.
عدم السقوط في الأنا: مرتبط عربياً بكان، يحمي السارد من الكذب، ويتيح للكاتب معرفة كل شيء عن الشخصيات.
لعبة سارد: كان حقاً بالفعل ، اللهو يوهم بتتابع الزمن عبر ثلاث مراحل: أولاً :الأحدوثة، ثانياً:السارد، ثالثاً:المتلقي.
وحضور هذا الضمير برواية (قناع بلون السماء) يحقق الرؤية من زاوية أخرى، ولقد وظفت الرواتين، التقنية بالخصوص والسرد بضمير الغائب له قيمة مميزة وهي: لإضفاء جانب من الموضوعية عن موضوع ينزلق إلى الأنا، يمنح قدرة على كشف مخبآت الشخصية، ويدفع القارىء للتخمين والالتحام بالحدث الروائي…
ضمير المتكلم: حيث السارد يصبح شخصية مركزية، ذوبان وحاجز زماني، يوهم أن الحكاية شخصية حقاً.
الأنا : رجعية ذاتية تمكن هو خارجية، هو ضمير مناجاة أعماق الذات (رؤية مصاحبة).
ولقد استعمل “باسم خندقجي” هذا الضمير خصوصاً عبر تقنية البطاقة الصوتية المؤرخة، تحضر في البطاقات الصوتية عن البطل نور عند “باسم خندقجي”.
ضمير المخاطب:
ضمير الشخص الثاني، وظيفته سردية، جمالية سردية، هنا غالباً عند فلسطين ولبنان روائيا بين سلطة الحرب والابادة والأزمات الكبرى:
كلما تحاورت الشخصيات ، يعني كلما حضر الحوار بالأخص بين شخصيتي القناع : نور وأور.
وهنا بالخصوص كلما طالعنا التسجيلات الصوتية التي ينقلها كاتب الرواية المحتمل وهو يتوجه بأنت لنفسه غالباً، لكن الغائب هو الطاغي.
لغة السرد الروائي:
السرد لغةً هو: تقدمة شيء إلى شيء تأتي بهِ متسقاً بعضُهُ في أثر بعض متتابعاً (1)، واستعير هذا التناسق والتتابع لنظم الحديد كما في قوله تعالى: وَقَدرْ فِي السَّرْدِ (سورة سبأ: 11)، أي: اجعله على القصد وقدر الحاجة (2)، وورد في اللسان: سَرَدَ الحديثَ يسرده سرداً إذا تابعه، وفلان يسرد الحديث سرداً إذا كان جيّد السياق له.( لسان العرب: ابن منظور، مادة سَرَدَ)
واللغة في الرواية كما هو معروف بمثابة ركيزة أولى، والأهم لبنائها الفني، لأنها تصف الشخصية أو تمكن الشخصية من وصف شيء ما، وتحدد وتبني غيرها من عناصر الرواية كحيزي الزمان والمكان، وكذا تحدد وتبني الحدث الذي يجري في هذين الحيزين.
والباحثون والنقاد لم يُعطوا اللغةَ الروائية حقها من التحليل والدراسة، فإنهم – تقليديّاً – كانوا يقسمون اللغة الروائية إلى شكلين اثنين هما: لغة السرد، ولغة الحوار، فيبسطون الفكرة، ويُسطحونها بالقول إن لغة السرد يجب أن تكون فصيحة، بينما يجب أن تكون لغة الحوار باللهجة العامية، بل إنهم ذهبوا أبعد من ذلك، فكما أنه لا يجوز كتابة السرد بالعامية، فإنه لا يجوز كتابة الحوار بالفصحى على حد ما نقله بعضهم، هازئين بالفكرة من الأساس، فإن هؤلاء النقاد استسهلوها بدعوى أن مستوى الحوار، يجب أن يتلاءم مع مستوى المتكلم، وعلى الروائي – حسب قولهم – أن يستعمل العامية المحلية في كتابة حوارات الشخوص، التي يسرد حكايتها لكي يحقق الواقعية! ويكفينا لدحض هذه المقولات أن نتخيل روائيّاً عربيّاً يريد كتابة حوار في روايةٍ تجري أحداثها في الصين، فأية لهجة عليه أن يستخدم يا تُرى؟ ومن هنا وَجَب النظر إلى اللغة الروائية وفيها، ووجب توجيه الباحثين والنقاد إلى الدخول عمودياً في اللغة الروائية، وعدم الاكتفاء بالمرور الأفقي وحده ، وهذا نقاش يجب أن تُفْرَدَ له مقالات وبحوث متخصصة.
إذن، اللغة الروائية تتشكل بمستوياتٍ متعددة، متغيرة، ذات أبعاد تخيلية، تتصاعد بحركةٍ واعية، أو غير واعية في ذهن الكاتب والمتلقي معاً .
إن لغة السرد عند “علوية صبح” ذات صبغة خاصة، ووظيفة فنية، تسحرالقارىء بعذوبتها وسلاستها، وبساطة تركيبها، وبُعدها عن اللغة الأدبية الرفيعة، والتي تشغل القارىء في كثير من الأحيان عن جوهر القص، وتكويناته المركبة.
تقترب أحياناً إلى البساطة والمعاني الشائقة بمفردات معاصرة “لم يكن يريد أن تودع عيناه أي مشهد، يريد لهما أن تمحوَا كل الصور والمشاهد التي اخترنتها شاشتهما.”ص:8، نرى كيف تصف “علوية صبح” مشهدَ تخزين الذكريات بشكل سلس وبديع.
ولغة “باسم خندقجي” موجهة إلى قارئ معين، لكي يصحح كل مفاهيمه، أو رواياته المغلوطة من فم العدو الصهيوني.
لغة سلسة تقترب من الأسلوب التاريخي، الذي يحتمل الجفاف بمعنى ما، لكنه سهل لكل قارئ.
“ليس ثمة معنى لاسم المخيم الفلسطيني إلا عندما ترتكب فيه المجزرة، ليصبح اسماً من أسماء المآسي في تاريخ الإنسانية، يصبح اسمه مخيم تل الزعتر، أو صبرا، أو شاتيلا ، أو جنين، أو الشاطئ، وأما مخيمه هو فلم ترتكب فيه بعد أي مجزرة تذكر.
” ص:16،هنا يصف الكاتب على لسان بطله “نور” اِرتباط المخيمات الفلسطينية بالإبادة، التي دخل فيها الكيان الصهيوني حالياً بشكل معلن، وأمام مرأى من العالم.
الحوار الخارجي: الحوارات عند “علوية صبح” باللهجة العامية اللبنانية، اِستدعتها المساقات الحكائية، وعند “باسم خندقجي” باللغة الفصحى، وإبعاد اللهجة الفلسطينية، لأن التركيز على الجانب التاريخي العلمي.
الحوار الداخلي (المونولوج): غسان ونور في مونولوجات دورية، لكي ينتصر الواحد على نفسه في كل توترات هذه الحياة والبلاد والهجرة والاحتلال، أو بصحيح العبارة: الإبادة.
المكان: لغة : هو المكان تحت الجذر لكون من الكون(الحدث) كما عرّفه ابن مندور في لسان العرب، هو جمع أمكنة، فعاملوا الميم الزائدة، معاملة الأصيلة، كأنها المكان كما أكد ابن سيده، اِشتقاقه من كان يكون، ولكنه كثر في الكلام حتى صارت الميم كأنها أصلية كما قال ابن مندور، واصطلاحاً : يراه أرسطو ذلك السطح المماس للجسم، وهو نوعان: خاص فلكل جسم مكان يشغله ومشترك يوجد فيه جسمان أو أكثر، والمكان محمَّل بدلالات متنوعة مرتبطة بواقع الانسان المكاني، فيتفاعل كل منهما مع الآخر، لتنشأ العلاقة المزدوجة بينهما، فتكون في اتصال تارة، وفي انفصال تارة أخرى.
يبسط المكان حركته على الشخصيات، ليدلنا على مدى الجدلية التي توليها اللغة في إطار توظيفها داخل النصوص السردية، وبهذا تكون الرواية تراعي اندماج المكونات السردية بعالمه الخاص والمكيف قصد الاحاطة بجميع محتوياتها ومضامينها الثرية، وطريقة انجازها الفذة التي يلقي فيها المتلقي ما يرضيه، بطمس الفوارق في كل الميادين.
للمكان حضورٌ متميزٌ في النص الروائي، لأنه يسهل عملية فهم سلوك الفرد وموقفه الانفعالي، الذي يعبِّر عن الحالات الانفعالية للمكان، ليكون حصيلة للتفاعل بين إشاراته المدركة في المجتمع وبين النفاذ إلى عمق التجربة المكانية.
المكان الذي صنفه الباحثون كسلطان المكونات السردية، التي تمثل أمامه باقي مكونات النص، فتخضع له ولقوانينه ومعاييره ومبادئه، التي يحددها طابع النص.(البلدة عن غسان، المخيم عند نور مثلاً) إن المكان له حدود تحده، ونهاية ينتهي إليها، فإن الخير لا حدود له ولا انتهاء، فهو المجال الفسيح الذي يتبارى في مضطربة كتّاب الرواية، فيتعاملون معه بناء على ما يودون من هذا التعامل؛ حيث يغتذي الحيز من بين مشكلات البناء الراوي كالزمان والشخصية واللغة، فبطل (افرح يا قلبي) يغير مكان اقامته، لكنه لا يفارق مكانه السابق الذي هرب منه، وبطل (قناع بلون السماء) يهرب من مخيمه نحو قدس مشتهاة بكامل استقلالها، وحيز كل بطل مرتبط بأبعاده المتعددة، والتي تنقلنا عبر الأمكنة في لعبة مكانية مميزة، تضفي على المكان حساً وحيزاً إنسانياً حياً.
والعملان يحتويان على البنية المكانية بدلالتها، فضاء البلدة، فضاء المدينة، فضاء المخيم. فضاء القدس، فضاء رام الله، فضاء نيويورك، فضاء لبنان، فضاء السجن، فضاء فلسطين، فضاء الوطن، فضاء المهجر، فضاء المستوطنات.
ونُحِسُّ كما لو أن هذه الأمكنة في حرب باردة، فالبلدة تصارع نيويوريوك مثلاً في (اِفرح يا قلبي)، والمخيم يصارع المستوطنة كما في (قناع بلون السماء) حضرت بالعملين التقاطبات المكانية، أماكن إقامة اختيارية.
وفضاء البيوت، وأماكن اقامة جبرية، فضاء السجن، أمكان الانتقال، فالمكان له سلطة صيغت على شكل ثنائيات، المغلق،المفتوح/السجن،المخيم/غرفة المخيم،غرفة القدس/ غرفة البلدة،غرفة أمريكا..
وكانت الأبعاد الدلالية للمكان في الروايتين، تقترب وتبتعد، تحاصر وتسجن، تحرر وتتيه ، وتضيع بحسب حبال الشخصيات المرتبطة بمكانها، وتخشى مغادرته، أو تتوق لمغادرته وتشتاقه عن المغادرة في سريالية حنينية، مادام للأمكنة بُعداً دلالياً وإيحائياً خلال سرد فصول الحكايتين، ولهما بُعد أسطوري وعجائبي أحياناً في ذات الشخوص، وللذاكرة دلالة تحيل إلى مدلول المكان.
إننا أمام حتمية وفاعلية المكان، الذي يفرضه “باسم خندقجي”على الشخصية، فيتداخل كل منهما مع الآخر، لتصبح حياة وطنا يكمل ما يحمله من حب وعداء ومن ثبات وتغيير، وحتمية المكان عند “علوية صبح” الذي أجج فعل الهروب، أو الهجرة عند أغلب اللبنانيين وليس بطلها.
نجد بالعملين ثنايات مكانية ضدية:
وطن…غربة/ وفاء…خيانة/ وجود…هجرة/ واقع….خيال/ بعد….اقتراب،
تنفتح دلالة المكان على مجموعة ثنائيات:
قريب..بعيد/ ثابت…متحرك/ مغلق..مفتوح/ منخفض…مرتفع/ داخل…خارج
كل هذا يشير إلى حركة المكان وتعالقه مع سير الأحداث في حيز معين، فما هو الحيز؟
الحيز:حاز حوزاً اجتياز الشيء: ضمه وجمعه حصل عليه، الحيز:المكان وهو مأخوذ من الحيز أي الجمع يقال:هذا في حيز التواتر، أي في جهته ومكانه.
الحيز: مفهوم مكاني دون أن يكون على الحقيقة بالمفهوم الجغرافي الضمني، وأنواعه الحيزية الخلقية، أو الحيزية الناشئة عن الإطار المحيط هو مفهوم مكاني، لكن لا يقصد به الدلالة على الحيز الجغرافي للمكان الحقيقي، إلا أنه يبقى أوسع منه وامتداداً وارتفاعاً واتجاهاً ذا فعالية، هو الحركة في اللامحدود.
وبالعملين السابق ذكرهما يمكن استجلاء جماليات الحيز من خلال مركزيته التي يشكلها في العمل الروائي؛ حيث يمكن ربطه بالزمان، والشخصية، والحدث ربطاً عضوياً لما له من أهمية كسائر العناصر المكونة للروايتين.
فهو يقوم بدور فاعل في بنائها وتركيبها، ومنه تنطلق الأحداث وفيه تسير الشخصيات، ويتغير من حال إلى حال بفعل الزمن، ليتجلى ويبدو لنا في نهاية المطاف من خلال اللغة، وقد يشحن بدلالات يكتسبها من علاقاته بها، وعلاقة الشخوص بالعملين يمكن اعتبارها علاقة تقنية الحدث المرتبط بها هو التدرب على مواجهة الأخطار والمواقف الصعبة بشجاعة، وذلك بحسن التدبر والصبر عن الأذى والمكاره (كأم غسان مع زوجها الخائن على مرأى من الجميع في رواية “علوية صبح”)،لإدراك الغايات والمقاصد، فحضرت المرأة نموذجاً للعمل البطولي، ولما ينبغي أن يتصف به المرء من ذكاء وشجاعة في مواجهة التحديات والأخطار والأزمات (كسماء في “قناع بلون السماء” في مواجهة الاحتلال بثبات وأينما كان) وكذا عدم الضعف والركون للواقع، وكسر حاجز الخوف، والتحرر من قيود الذل والهوان.
“تمسك غسان بصداقته مع الأصوات في تراب (دار العز) الرحم الأولى…هذه البلدة التي تلامس أطرافها البحر، ويتسود شمالها الأشجار من كل الأنواع وصولاً إلى شجرة الأرز، يبحث فيها عن الطمأنينة والهدوء والسلام بعيداً عن مشاكل البيت وصخب العالم وضجيجه، وكل أصوات الطبيعة بقيت حية فيه، وما لم يمت أيضاً فيه هو الغضب”
من خلال هذه الفقرة المستقاة من رواية (اِفرح يا قلبي) يظهر لنا الحيز، بأنه حيز يمتاز بحيوية وحركة دائبتين بغض النظر إن كانت هذه الدينامية سلبية أم إيجابية، وذلك من خلال الألفاظ الموظفة (الرحم، تلامس ، يتوسد، أصوات الطبيعة..) وهي ألفاظ تدل على سعة ودينامية وحركة الحيز عند البطل غسان، والمستمرة منذ عهد بعيد حتى اليوم، لتوحي للمتلقي بأن الحيز لم يستقر على حال ، وهو في تغير مستمر إلى يومنا هذا، الذي كتبت فيه الرواية.
ومن جهة أخرى: “لم يفارق غسان في يومه الأول غرفته الضيقة، التي بالكاد تتسع جسده، فلم يخرج إلى الشارع إلا لشراء بعض حاجيات طعامه من السوبرماركت الملاصق للمبنى الذي يسكن فيه، ولم تذق عيناه النوم لأربعة أيام توالت على الرغم من تعبه الشديد من السفر، القلق الذي ينهشه وكأنه يدخل إلى غرفة تعذيب”.
تحمل هذه الفقرة/المقطع ايحاءات ودلالات استعملها الروائي، لتدل على أن الحي الجديد (شوارع منهاتن نيويورك) مختلف، وأن البيت الذي سكنه غسان بالهجرة لا يشبه البيت في بلاده.
البطل على وشك الضياع فهو يسير نحو الهاوية، وهو ما دلت عليه ألفاظ مستعملة (القلق، ينهش، غرفة تعذيب..) فكلمات (اِفرح يا قلبي) عامة تدل على أن هذا الحيز في حاجة إلى إنعاش وإعادة الاعتبار؛ حيث تمارس الألفاظ (اللغة)،سلطتها لتخرج الحيز من دلالة مخصوصة (حي ما ببلد ما، إلى دلالة أرحب يروم فيها السارد والقارىء معاً، توافقات إسقاطية تجلي صور لبنان/ فلسطين كلها.
واستخدم (قناع بلون السماء) سرداً تاريخياً، لتعريف القراء بتاريخ فلسطين، بالإضافة إلى ما تتضمنه أحداث التاريخ من عبر ودروس، وما تصوره من قصص الشجاعة والبطولة، فالكاتب قد اكتفى بذكر الأحداث التاريخية دون الاستغراق في التفاصيل والجزئيات، مع التركيز على الأداء البطولي للمقاوم الفلطسيني، وإبراز القيم النصالية والأخلاقية للشعب، من تضامن وتوحد وتضحية (نور يرافق أم صديقه الأسير)وغيرها من الأخلاق الحميدة، التي نحن في حاجة مُلِحَّة إليها في الوقت الراهن، لبناء أجيال عربية موحدة، وانسان فلسطيني واعٍبما يدسه المستعمر من روايات مزيفة لاستعمار(الحكاية) الأصيلة للبلد.
أعطت الروايتان أهمية خاصة للحيز السردي، لما له من قيمة فنية وجمالية، أضفت على النص جمالية الحيز في الخطاب السردي، من خلال العلاقة العضوية، التي يشكلها مع باقي المكونات السردية.
تمثل اللغة والكتابة: تعد اللغة، مكوناً رئيسياً من مكونات الهوية، لذلك كان لها حضور في أدب السجون، لا بوصفها أداة للكتابة فقط، وإنما لأنها تمثل قيمة نفسية وتاريخية.
فاللغة في هذا النوع تشكيل ثقافي مميز لمجموعة عرقية، أو شعب يحضر في مكان ما، وحين يتحقق النفي تنفى اللغة لنفي أصحابها؛ حيث تتشظى وتتبعثر، فتصبح غير نقية ومستلبة (حضور لغة الاحتلال العبرية).
إذا كان المكان هو الجغرافيا ، والفضاء: هو الأجواء العليا التي هي سيادة لأي بلد، ويعني الفراغ، والمجال: الحيز الذي يقوم فوق وطن ما يكون في متناول الطيران، فالحيز: يشمل كل ذلك أي اِتجاهاً وبُعداً وفضاءً وجواً وفراغاً وامتلاءً، هو مقسم عن بعضهم، حيز مكاني وحيز نصي.
والحيز الأدبي عالم دون حدود، وبحر دون ساحل، وليل دون صباح، ونهار دون مساء، إنه امتداد مستمر مفتوح على جميع الاتجهات، وفي كل الآفاق حيز الرسم والمعمار يصطنع حاسة البصر، فالأدبي ينهض عن استعمال حاسة البصيرة، ملكة الخيال بحركة الذهن جميعاً.
هنا يستحضر “باسم خندقجي” حيز المخيم والقدس وبحر رام الله، ويعطي الاعتبار للحيز المباد بإعادة حكايته ومحرقته، كي تبقى مسجلة على الورق مدى الحياة.
وتعطي “علوية صبح ” للبلدة اللبنانية حيزاً هندسياً مشبعاً بالذكرى، وربطه بمدن ميتروبوليتانية كبرى كنيويورك وغيرها.
المكان الروائي حامل لمعنى غير فيزيقي، ويعتمد على قوة الخيال، وله مقومات خاصة كنوعية الموضع والحوادث التي تجري فيه، وله أبعاد متميزة كالبعد النفسي والاجتماعي.
ومن أوائل التعاريف للمكان لـ” غاستون باشلار” الذي يعتبره المكان الممسوك بواسطة الخيال، لن يظل مكاناً محايداً خاضعاً لقياسات وتقييم مساح الأراضي، لقد عيش فيه لا بشكل وضعي، بل بكل ما للخيال من تحيز وهو بشكل خاص، في الغالب مركز اجتذاب دائم، وذلك لأنه يركز الوجود في حدود تحميه.
بل إن المكان عند “باشلار” عبارة عن كيان اجتماعي، يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي إنتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من أخلاقية وأفكار ووعي ساكنيه.
والمكان في العمل الفني، مهما تشابه مع المكان الواقعي، يظل تشكيلاً فنياً.
ومن خلال تداخل وتعالق هذه العناصر، تظهر بنية الفضاء الروائي، لأن المكان لا يعيش منعزلاً عن باقي عناصر السرد، وإنما يدخل في علاقات متعددة مع المكونات الحكائية للسرد كالشخصيات والأحداث والرؤى السردية، وعدم النظر إليه ضمن هذه العلاقات والصلات، يجعل من العسير فهم الدور النصي، الذي ينهض به الفضاء داخل السرد.
فالبنية الروائية تنطوي من خلال حيز اللغة على إمكانية البنية الروائية ، التي تنطوي من خلال حيز اللغة على إمكانية تفاعل قوى النص، وهي الزمن والشخصيات ووجهات النظر.
لقد أفرط الكاتب في وصف العمارة بتفاصيل قد تبدو صغيرة، وهذا الإفراط في الوصف لم يأت من أجل الزخرفة أو الزينة، وإنما محاولة لتجسيد مشهد من العالم الخارجي ، في لوحة مصنوعة من الكلمات، والكاتب عندما يصف لا يصف واقعاً مجرداً، ولكنه واقعٌ مشكلٌ تشكيلاً فنياً، وإن الوصف في الرواية هو وصف لوحة مرسومة، أكثر من وصف واقع موضوعي.
البطل: لم تعرف كلتا الروايتين بطلاً واحداً، بل تعددت الأصوات والحكايات، وتنوعت الرغبات، كما أن الشخصية فيهما لم تكن شخصية كلاسيكية لها فضائل حميدة، أو لها مشروع واضح بأهداف سامية تسعى لتحقيقها، وتنجح في مسعاها، بل هي مأزومة ومشوهة ومضطربة وتائهة ومحققة في معظم مساعيها، مغتربة عن نفسها وعن أصالتها، تعيش الازدواجية التي سببت لها مآزق كثيرة، وجعلتها تعيش الموت وصمت الاستكانة، مُعَبِّرَةً عن وعي واقعها وفهم اصالتها، فبدت وكأنها ظل لظل آخر، فغسان البطل الذي يموت، ونور البطل الذي يموت بطرق أخرى تحت الاحتلال، وفلسطين ملحمة عالم بدون آلهة كل شعبها أبطال في مواجهة الابادة.
هي رواية اللا بطل واللا بطولة، تغوص في تشوهات بشر، يمعن المكان في تفاقمها، ويتطور الأبطال، ويتكيفون مع التغيرات الاجتماعية والفلسفية والأدبية المحيطة بهم.
فبطلانا يمكن وضعهما بحسب ما نريده دلالياً لكل عمل، فبطل (اِفرح يا قلبي) يجمع بين البطل الفارس والرومانسي المحب لنور، والواقعي الذي يقبل بزواج من اختيار أمه، وحداثي رمى آلة العود كي يركز على آلات أكثر عصرية.
وبطل (قناع بلون السماء) يجمع بين البطل البطولي المضحي بحياته لاختراقه العدو، هو البطل الفردي الذي يحاول مجاراة ظروفه الصعبة للعيش والدارسة، والواقعي الذي يسعى لكتابة رواية ما، ليبرز صراعاً أزلياً، وهو البطل الرومانسي، الذي يعشق سماء في أول نظرة، المثقف البوهيمي، الذي يصرخ ضد النبلاء أو البرجوازيين في وضع سببه الاحتلال الصهيوني، ونظراً لعدم استقرار الشخصية الروائية على حال، باعتبارها كائناً يتحرك ويتفاعل مع مختلف الموجودات، تتأثر وتؤثر فيما حولها، فهي حين تنتقل من حيز (أ)إلى حيز(ب)،عبر طريق محسوس، فهي تنتقل في حيز، ويجب ضبط حركتها الحيزية على أساس تنقلها من الأول إلى الآخر، أو استقرارها، أو عدم استقرارها، أو في أحدهما، فحركة الشخصية من حيز إلى حيز آخر تكون ضمن حيز، كما أن انتقالها يشغل حيزاً.
نرى انتقال غسان من بلدة ووطن وثقافة عربية لبنانية متعددة الطوائف، إلى حيز أكبر هي الولايات المتحدة الأمريكية المختلفة دينياً وإثنياً وسياسياً.
اِنتقال آخر لنور من مخيم فلسطيني إلى القدس ورام الله وإلى أعماق مستوطنة استعمارية للتعرف على العدو أكثر، وصده بالآثار والتاريخ والرواية قولاً.
اِنتقال آخر لأور وهي شخصية محتلة حضرت في شكلها الوثائقي عبر بطاقة تعريف لا ندري عنها تفاصيل أخرى، وهو حيز آخر، اِنتقلت فيه الشخصية من ورقة أو وثيقة مهملة في لباس قديم ما، إلى حيز الواقع بكل تفاصيلها المتخيلة، وحيزها القناعي (المرتبط بالقناع الرمزي والمعنوي).
وانتقال حيز غسان من عش أسرته بامريكا، وحبه لزوجته الأمريكية، التي لا تنجب، إلى حضن زوجة غير منتظرة مختارة من الأم، بدلالات صامتة بين الجميع تموت برصاصة طائشة فوق السطح، لكي نعرف بعض الواقع المؤلم بلبنان من اهدار أرواح عديدة كيفما اتفق.
الزمن:هناك أنواع من الزمان، الزمن المتواصل، الزمن المتعاقب، الزمن المنقطع أو المتشظي، الزمن الغائب، الزمن الذاتي، تداخل بين الأزمنة، فالزمن في اللغة يحمل معنى مقدار معين من الوقت ، سواء كان قصيراً أو طويلاً، كما أنه يحمل معنى الحركية والاستمرار والتتابع.
واصطلاحاً : يمثل الزمن سمة فنية من السمات، التي تضفي على العمل الروائي لوناً إبداعياً، يجعله يمتاز عن غيره من الفنون الأخرى، فهو يعمق الإحساس بالحدث وبالشخصيات لدى المتلقي .
لا غرو، أن المعجميين العرب يختلفون اختلافاً شديداً في تحديد مدى الزمن، بحيث منهم من يجعله دالًّاً على الإبان، فيقفه على زمن الحر، أو زمن البرد فغايته ، في مثل هذا الاطلاق، لا تكاد تجاوز الشهرين الاثنين، ومنهم من يجعله مرادفاً للدهر ، كما يجعل الدهر مرادفاً له ، ولكنهم في معظمهم يجنحون به للأقصر مدى من الدهر، فهو يمثل ” العمود الفقري للوجود كله وصانع أحداثه ومواقفه ” و الزمن من أهم العناصر الأساسية في بناء الرواية الأساسية في بناء الرواية ، لا يمكننا تصور حدثٍ روائي خارج الزمن : ” لأنه يؤثر في العناصر الأخرى ، وينعكس عليها، الزمن حقيقة مجردة سائلة لا تظهر إلا من خلال مفعولها على العناصر الأخرى ” .
مستويات الزمن: تختلف المفارقات الزمنية (النظام الـزمني ) والتي تحدث عندما “يخالف زمن السرد ترتيب أحداث القصة، سواء بتقديم حدث على آخر، أو استرجاع حدث ، أو استباق حدث قبل وقوعه ” ، فالمفارقة الزمنية إما أن تكون استرجاعاً لإحداث ماضية ، لحظة الحاضر، أو استباقاً لأحداث لاحقة .
أو هي التقنيتان اللتان تتعانقان في مستوى النظام الأول، حين لا يتطابق النظام في الزمنين : زمن السرد و زمن الحكاية، مما ينشأ عنه ظهور مفارقتين (أو تقنيتين) سرديتين هما:الاسترجاع و الاستباق.
والاسترجاع :معناه أن يروي القارئ فيما بعد ما قد وقع من قبل ، والاسترجاع “يشكل بالقياس الي الحكاية التي يندرج فيها، ويضاف اليها حكاية ثانية زمنياً تابعة للأولى في ذلك النوع من التركيب السردي ” .
وهو في نفس الوقت :” من أهم الآليات السردية، التي ظهرت في الأنواع السردية كافة ، سواء على مستوى استرجاع القصة كلها ، أو على مستوى إعادة ترتيب الأحداث وفق موقف يتخذه السارد، ويتبناه في خطابه النهائي “. وهي ثلاثة أنواع : ( الخارجي ، الداخلي ، المزجي ).
الاسترجاع: طريقة متداولة بالروايتين وتعني: استحضار أحداث أو مواقف أو أقوال وقعت في الماضي، دورها إضاءة الزمن الحاضر، تفسيره، تبريره، اِستكمال الفجوات الحكائية، التي تقع بفعل عملية السرد.
لها دور رئيسي له في الأحداث الحاضرة، ولها أهمية في الربط بين أحداث متباعدة أو متقاربة زمنياً.
والروايتان بهما هذه التقنية السردية بما يناسب أبعاد الشخصيات وصراعاتها الداخلية، و”علوية صبح” تترك بطلها غسان في استرجاعات متعددة، لكي يوصل الأحداث ويربطها، وغسان عند ” باسم خندقجي” يسترجع بحرقة، حياته، حياة والده، وحياة الأرض ومحتلها..
واسترجاعات الروايتين مكثفة، لكنها السياق العام للحبكة السردية، وخيوط العمل الروائي لإيصال الرسالة المحددة.
نعرف أكثر أن اللبناني تائه ومغترب، كما الفلسطيني في ذروة ما يقع ببلديهما، وسنسرد بشكل سريع، وبمنهج مقارن أهم أوجه الاختلاف وأوجه التشابه بالعمليين:
أوجه الاختلاف:
الاختلاف هو مصطلح يشير إلى التناقض، أو الاختلاف في وجهة النظر، أو رأي بين شخص، أو عدة أشخاص؛ والذي قد يؤدي إلى الاحتكاك، أو التصادم بين طرفين اجتماعيين، أو أكثر، وهذه الأطراف يمكن أن تكون عبارة عن أفراد، أو مجموعات، أو دول.
(اِفرح يا قلبي)
البلد: لبنان.
الأغنية : محور أساسي
العدو: جماعات إرهابية “متأسلمة”
التيمات: تحضر الموسيقى وأغاني مختلفة بصفحات الرواية لمطربين م
التاريخ والآثار والسياحة وذكر تفاصيل القرى والأماكن، التي أبادها العدو الصهيوني، لتبقى في الذاكرة، ولا تمحى مهما اجتهد المحتل في الإبادة، وفنون القتل، والمسح البشري والعمراني والفكري والثقافي..
اللغة السردية: تمتح من الأسلوب الفني المرتبط بالموسيقى وقيمتها العالمية.
مصير البطل غسان: موت رمزي بنهاية ماساوية صادمة في الطائرة.
ذكرت كلمة سماء حوالي 15 مرة
(قناع بلون السماء)
البلد : فلسطين
الرواية والتاريخ والتنقيب
العدو : صهيوني محتل
اللغة السردية تمتح من التاريخ واليومي المعاش بأرض فلسطين السليبة.
بدء جديد وبحث عن أمل مغاير مع سماء التي غيرت لعبة القناع عند نور، حياة أخرى.
ذكرت سماء حوالي خمس مرات
وهي اختلافات تبنى على أسلوب كل كاتب على حدة، وعلى خصوصية بنائه الروائي، ومحيطه الجغرافي المختلف.
اختلاف منهجي، لكنه يتقارب برغم ذلك في مستويات الجوار للبلدين، وتتقاسم نفس الهموم بأشكال ما.
وحتى وإن كان مصير بطل “علوية صبح” غير سعيد، بل انتهى بفاجعة. ومصير بطل “باسم خندقجي” حالمٌ ومدجج بالأمل، وبحياة رومانسية وشيكة بين شخصين انتظرا بعضهما للتلاحم.
فهو مصير يبدو مريحاً لكلا البطلين، وتبقى لفظة السماء الحاضرة الغائبة التي ترمز للزرقة والفضاء الواسع والحلم.
ما بين سماء “علوية صبح” التي تبقى أملاً لمن يرفع بصره نحوها، وبين سماء الاسم الفلسطيني للمرأة المناضلة والمثقفة، والتي لا تخشى الدفاع على قضيتها في أصعب المواقف، وأمام العدو.
أوجه التشابه:
و(المشابه) لغة، مأخوذ من الشبه والتشابه، تقول: فلان يشبه فلاناً، أي: يماثله، وله من الصفات ما للآخر، وعلى هذا، فتشابه الكلام تماثله وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضاً، ولعل نظرية التشابه الرياضية بدقتها تعني التماثل والتميز بنفس العناصر.
نشرا بنفس دار النشر اللبنانية العريقة.
البطل هاجر من مكانه: غسان نحو بلاد العم سام، ونور نحو القدس من مخيمه.
القناع: غسان لبسه في غربته، ونور لبسه في اغترابه، وبطاقة العدو المحتل أور.
حبيبة غسان اسمها نور، وبطل الرواية الثانية مسمى نور.
تفاصيل الحارة، والمحيط حميمية في الحياتين معاً.
البحث عن الذات فيهما معاً وكل بطريقته، بكتابة رواية ودحض الرواية الاستعمارية، وبالبحث عن متنفس فني موسيقي جديد مغاير لما في البلد الأصل، صراعات داخلية متواصلة بعالم البطلين.
حضور الأم: نور برغم وفاتها لكنها تحضر بشكل صريح، وأم صديقه مراد الأسير كذلك، أم غسان حضورها طاغ برغم جبروت الأب.
كلا البلدين يعانيان من آثار الحرب والدمار، وإن كان بدرجات متفاوتة.
حضور الأب فيهما معاً، وبمكانة متشابهة برغم عيوبهما: أب متسلط دركي له الحق في خيانات معلنة أمام مرأى الجميع، وتعنيف الزوجة ينتهي بعجز مؤلم، وأب مناضل أسر وخرج بوجه ، أو قناع آخر سلبي.
حضور الأب في العملين، وقيمته المعنوية والمادية برغم التصارع الأبوي المتعارف عليه.
حضور تقنية الفلاش باك(الاسترجاع) فيهما معاً.
هي تشابهات تلتقي بشكل طبيعي وغير مقصود، لكن تشكل دلالات على تقاسم البلدين لهموم كبرى، وعبر التاريخ.
وخصوصاً في تأثير وآثار الوالدين عند كل بطل، بما لهما من حضور محوري في بناء وتربية وثقافة كل كائن إنساني، وليس فقط شخوص روائية متخيلة، تقترب برغم ذلك من واقع معاش.
وهذا يحيلنا لقيمة الرواية كجنس أدبي، فالرواية تمنحنا امتياز التعمق في الداخل من خلال منحنا نظرة على الحياة الداخلية لشخص ما، وأفكاره، أو مشاعره الداخلية ، التي لن ينطق بها بصوت عال كما الموسيقى.
وختاماً، وفي زمن ما سمى بالربيع العربي، زمن الدمار والإبادة الإنسانية والمكانية والعقائدية والحضارية، وزمن الأوبئة والأعاصير والفيضانات..لم تشأ الروايتان أعلاه أن تخلقا بطلاً حقاً، يعلو بـ’أناه”على الضعف والأوجاع والمفاسد، يأخذ ناسه إلى مطارح الحياة والضوء والحقيقة.
ينقذهم من مستنقع يتخبطون فيه، بل أبقته معهم في النفق نفسه، وكأن لا أمل في خروج الجميع منه.
لم تشأ الروايتان أن تخلق بطلاً يفكر لكي يوجد، لكي يتحرر ويلامس كينونته وأصالته.
هما روايتا اللا بطل واللا بطولة، تغوصان في تشوهات بشر يمعن المكان في تفاقمها، كما أعطى العملان الابداعيان أهمية خاصة للحيز السردي، لما له من قيمة فنية وجمالية، أضفت على النص جمالية الحيز في الخطاب السردي من خلال العلاقة العضوية، التي يشكلها مع باقي المكونات السردية.
★ناقد ـ المغرب.




