شعر

شيماء مصطفى: أحمد الملا يحذرك..” إياك أن يموت قبلك”!

شيماء مصطفى ★

بعنوان امتزجت فيه النبرة التحذيرية بالنصيحة الصادقة، وبغلاف يزينه صورة للفنان الأمريكي ” دانيل مارتن دياز” صدرت عن منشورات المتوسط في إيطاليا مجموعة شعرية للشاعر «أحمد الملا» بعنوان “إياك أن يموت قبلك”، متجاوزة الـ70 قصيدة، ومتكون متنها من 128 صفحة من القطع الوسط.

القصيدة النثرية

لجأ الشاعر أحمد الملا في ديوانه إلى قصيدة النثر المتحررة من سلطة النظم الإيقاعية والقافية التي تتسم بها القصائد القديمة، أما عن الصورة فقد كانت صورة مركبة ومتداخلة، إذ نبع هذا التداخل من الخلفية السينمائية التي يتمتع بها ويتقنها، أما عن المعنى فهو مفتوح ويستوعب العديد من القراءات والتأويلات، فقد استطاع من خلال الصور البلاغية التي يعج بها الديوان الإمساك بالحالة النفسية وتجسيدها بشكل بصري مذهل، كما اتسمت القصائد بالاتجاه للحياة العامة من خلال تصوير الهموم والمشكلات والتطلعات والإحساس بالواقع والتعبير عنه، فبدا موقفه من الكون والطبيعة والتاريخ والتراث وقضايا الوطن.

ومن أهم السمات التي يمكن ملاحظتها في قصائد أحمد الملا أن القصيدة تتركب من مجموعة من المقاطع التي تبدو منفصلة ظاهريًّا لكنّ متواشجة بكولاچ لِتُشكّل في النهاية مشهدًا أو فِيلمًا قصيرًا ، يعزز بنية العمل ويجمع بين أجزائه.

أما عن أهم ما يميز الديوان الابتكارات البلاغية في تشكيل نصوصه، بعيدًا عن التقعر اللغوي الذي يرهق القارئ ولا يفضي به في الغالب إلى أية دلالة، بل أنه أحيانًا يحرر النص من ثقل الإرث الأدبي.

ففي قصيدة (تمثال الشاعر) يتناول حقيقة مؤكدة عن هجر الشعر والقصة، في حين أن قراءة الشعر تكسب القارىء مخزون لغوي ثري، كما يشير بعاتب مضمر إلى أؤلئك الذين يقومون بقولبة الشعر وحبسه داخل نظم القوافي والأوزان ليصنعوا منها أغانٍ تخيف الصغار، أو تخدع العاشقات حين تردد على مسامعهم.

ثنائية الموت والحياة

استطاع أحمد الملا تحقيق المعادلة المستحيلة في الجمع بين مفردات الموت والحياة، مدركًا أنّ ثورته الشّعريّة نابعةٌ من جاذبيّة الحياة، ولأنّ الموت والحياة هما محورا الصّراع في فلسفته ، فقد مثّلا حضورًا وجدانيًّا وتراجيديًّا في شعره، فهما لازمته الفكريّة الّتي لم تبرحْ مكانها في إبداعه، وقد سيطرت على رؤيته المستقبليّة حتّى في حياته وموته التنبؤي إذ يقول في قصيدة (موت طائش) :

«سأموت بشعر طويل ، ولحية كثة بيضاء، في مغارة عالية، فلا حاجة إلى كفن أو قبر، سأموت على هيئة قفزة في قطار سريع، أو طلقة صائبة، أكون فيها المقذوف والمهمل، سأموت قابضًا على نخلة صغيرة»

ولم تكن رغبات الموت في ديوانه حالاتٍ مؤقّتةً من المتوقّع زوالها، ورغم ذلك فإن مقترباته الدّلاليّةَ تجاهد لتظفر بالحياة التي عشقها وردد مفرداتها ورموزها رغم الروتين وتشابه الأيام، فنرى الموت والحياة في أكثر من قصيدة : المتجهمون، وساعي الموت وبرهة، وهو نفسه الذي يأمل أن يعقد مع الموت صفقة، ليمنحه ساعة قبل أن يموت لا لينتقم، ولا ليواسي أحبته، أو حتى لينتقم ممن يكره، ولكن ليقطع الأغصان الشائكة لأن صغاره سيقتفون أثره، في محاولة للتأكيد على أن الأبناء يسلكون دروب الآباء، وربما يلاقون نفس مصيرهم.

الهوية وتجليات الانتماء

في ديوان(إياك أن يموت قبلك) تم رصد تجليات الانتماء والهوية، إذ كان للبناء الاجتماعي من معطيات النخيل والمطر والشعر ظهورًا متميزًا داخل الديوان باعتباره ابنًا من أبناء الأحساء، فقد حضر النخل كعنوان لقصيدة، وكضيف في قصيدة أخرى فهي الأنثى في القصائد العربية القديمة، وهي العمة الشامخة المثابرة الأبية في قصائد الملا فيصفها :« قوسها الحنين، تجف ولا تكل من الصعود، إلى أين يا عمة؟»

أما عن المطر فهو عامل لا غنى عنه في الإنبات فبفضله تنبت الشجرة لتقيه قطراته، ويلهم الشاعر ليكتب برومانتيكية عنه ، وباعتبار الإحساء بؤرة تتعدد فيها الحرف فنجد الشاعر بحاجة للمطر ليكتب، والفلاح بحاجة إليه من أجل أرضه، وإن كان الشاعر يستمتع برؤية المطر تحت مظلة الشجر، فإن الشجر يمد ذراعيه ليسحب المطر تجاهه، فيقول على لسان الشجرة « أسحب الغيمة لي»

فقد جلى الانتماء للٱحساء في ديوان الملا بشكل مبهر دون تكلف أو مبالغة.

تجسيد المشاعر

نجح أحمد الملا من خلال الاستعارات والتشبيهات في تجسيد المشاعر : كالألم، الأمل ،الموت، الغضب، الخوف، فنجده يؤمن به دون أن يراه، ورغم أنه يؤمن به، ويرهبه، فلا قرابين ولا الصلوات تمنع هبوطه، فهو الضيف والرسول.

« الخوف هو الوحيد الذي عاد يكبر دون مشقة، عاد يكبر فينا».

كما ظهر الخوف بصورة مرعبة في قصيدة (بيدين ثقيلتين ) بسبب التشتت وتلاشي الأحلام جراء اللهث من عمل إلى آخر من أجل الأبناء، ولكن في زحام السعي يفقد حميمة التواجد الفعلي بينهم.

وأكد على المعنى نفسه في قصيدة (حقيبة) في مباشرة واضحة إلى الرحيل والسفر، والرحيل بالتواجد ، أو الرحيل الأكبر بالموت، وما الخوف عنده إلا على الأبناء.

أما في قصيدة (الغضب) تم تشبيه الأمل بها بالوحمة، وكأنه شعور نخجل منها، ولا نعتادها؛ لذلك يجب علينا أن نتخلص منه.

«حين تخلص مبكرًا من وحمة الأمل» وأكد على ذلك أيضًا في قصيدة تعثرت بيوم طويل.

وفي قصيدة( اختبار الألم) جاءت المحاولة لإيجاد دلائل مادية على وجود الألم من خلال تجسيد أثاره، لأن أغلبية البشر لا ترى ولا تشعر إلا بما هو ملموس.

جماليات المكان

أما عن جماليات المكان في ديوان ” إياك أن يموت قبلك” فجاءت مرتكزةً على ثلاثة محاور هي : علاقة الشاعر النفسية والوجدانية بالمكان ، وجماليات الأماكن المغلقة ، وجماليات الأماكن المفتوحة ، فالمكان يشكل عنصرًا أساسيًّا في بناء القصيدة ؛ يُوظِّفه الشاعر توظيفًا خاصًا، يعكس رؤيته الشعرية للواقع الإنساني بوجه عام ، وللشاعر بوجه خاص، وقد عبّر عن نوعين مختلفين من العلاقة بين الشاعر والأماكن التي ارتبط بها ؛ فكانت علاقته بالأماكن الضيقة علاقة انتماء وتوحُّد وحنين، في حين اتسمت علاقته بالأماكن المفتوحة ، في معظمها ،بعدم الانتماء والنفور والخوف من المجهول، كالحديقة المهجورة، والقطار ، وفرنسا والمقهى والبيت.

صدق التجربة الشعرية

تميزت القصائد بصدق التجربة الشعرية الذاتية لأحمد الملا، إذا بدا مؤثرًا ومتأثرًا في علاقاته سواء بالأصدقاء الذين أهدا لهم قصائده ، أو بالحبيبة ريم، أو بالأبناء، أو بالأم، أو حتى بالأشياء كالبيت وحقيبة السفر والقهوة، والنخلة التي تجسدت في صورة عمة، والشجرة التي تخالفه، أو المطر والكلمات التي تراوغه، فقد تنقل بمشاعره ما بين العتاب والامتان؛ لذا فقد امتزج الفكر بالوجدان، ودعم ذلك الوحدة العضوية حيث وحدة المشاعر، وترتيب الصور والأفكار في القصيدة ترتيبًا منطقيًّا مرتبًّا من بداية القصدية حتى ختامها وأن تترابط أجزاء القصيدة وأبياتها بإحكام حيث يؤدي بعضها إلى بعض بتسلسل الأفكار والمشاعر والأحداث.

أحمد الملا.

لأحمد الملا العديد من الدواوين منها: تمارين الوحش، ما أجمل أخطائي، حفرة على مقاسي، حسن السبع، فهرس الخراب، يوشك أن يحدث.


★سكرتيرة التحرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى