رواية

شيماء مصطفى: “الحب على الطريقة العربية” لريم بسيوني.. فخٌ أم ملاذ؟!

 شيماء مصطفى★

يقول چيرار چينت: “العنوان هو العتبة القرائية الأولى لقراءة النص”؛ لذلك يُشكل العنوان جزءًا حيويًا من رواية الحب على الطريقة العربية للروائية المصرية ريم بسيوني، فالقارىء للوهلة الأولى يبدأ في طرح التساؤلات هل للحب وصفة ومكونات مثله مثل الطعام يمكن تتبعها للوقوع به والحصول على النتيجة المرجوة والمذاق المنشود؟!، هل للحب طريقة من الأساس؟!

هل يختلف الحب على الطريقة العربية عن أي طريقة أخرى كالأمريكية مثلًا أو الأوربية؟ وإن كان كذلك أي الطريقة الأنجح؟، هل يمكن أن نكتشف أن للحب خريطة ومسار؟، تساؤلات عديدة يُثيرها العنوان في ذهن القارئ.

” علاقتك بالأشياء مرهونة بمدى فهمك لها” عبارة قالها الروائي الكويتي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل،وتتشبع بها الروائية ريم بسيوني فانعكس هذا على أبطالها، فريم مسكونة بعين فنانة تختار أبطالها بعناية، فهي تجيد تسكين الأدوار وكأنها مخرج متمرس يضع الفرد المناسب في المكان المناسب؛ولأنها تعي وتستوعب ما تكتب فإن أبطالها أصبحوا كذلك فالعلاقات والحب صمام أمانها الفهم والاستيعاب.

تدور أحداث الرواية حول صفاء فتاة الإسكندرية التي تذهب إلى أمريكا في زيارة سريعة لأخيها أحمد،وهناك تتعرف على نبيل نصار متعدد العلاقات فتقع في قبضته.

“لن أترك بيتي وأعود لا أجده، كما يحدث  للفلسطينيين، إذا جاء الأجل هنا، هذا بيتي، وهنا مات من كنت أحب”.

تصفع ريم في روايتها كل كاذب يدعي أن كل  مهاجر لا ينتمي للعرب، فعروبتهم قدرهم أينما رحلوا، والأمة حُلمهم البعيد، ونبيل نصار خير نموذج على ذلك، ووالد زينة رغم وجوده في أمريكا إلا أنه رفض زواج ابنته من صديقها اليهودي.

إذا خالفت الأرض الخريطة فثق بالأرض

مرت صفاء بأوقات عصيبة قضت أغلبها في عصف ذهني كمحاولة لتفسير هوس حبيبها بالخرائط، خرائط في بيته،خرائط في شركته،خرائط في رأسه، خرائط على جسدها.

في عالمنا العربي تتغير الخرائط بشكل جنوني، فما تظنه ملكك اليوم في لحظة قد يسلبه مغتصب لينسبه إليه، وما تظنه ملاذ آمن بفتنة طائفية بسيطة تحول إلى رماد  عصفت به الرياح.

“سكتت قليلًا، ثم قالت: ولكنكم محظوظون في مصر، الحدود لم تتغير  منذ خمسة آلاف سنة، وربما لهذا السبب ربما تشعرون بأنكم مصريون أولًا، ثم عرب ثانيًا”

إذا كانت صفاء بذلت مجهودًا لا يُستهان به من أجل فهم نبيل والوقوف على سبب هوسه بالخرائط، وإن كانت سمر أخته اعتبرت صفاء وأهل مصر محظوظين كون خريطتهم لم تتغير، فإن نبيل بذل مجهودًا مضاعفًا  كي لا تخالف الأرض الخريطة، إيمانه بالوطن الأم جعله يحتفظ بكل هذه الخرائط لا يهم أن تتغير معالم الخريطة فتنتقص قطعة من ضيعة لأخرى، المهم ألا تتغير معالم الخريطة لصالح إسرائيل، ولهذا كان يكره السادات ومعاهدة السلام.

الحب لا يأتي إلا لمكتمل

تعطي ريم بسيوني في روايتها للحب مفهومًا أعمق بكثير مما يردده المراهقون والباحثون عنه، فالحب لا يأت إلا لمكتمل بنفسه، لا يأتي لناقصٍ يبحث عن الكمال، لا ينبع من الرغبة، ولا يعترف بالفوارق، صحيح أن علاقة صفاء ونبيل بدت في أولها رغبة،فالممنوع أو المختلف مرغوب بالنسبة لنبيل،وصحيح أن صفاء دفعها في بداية علاقتهما الانبهار فكان الحب في البداية على الطريقة العربية في أمريكا، فكان الحب بالنسبة لها أن تتزوجه، تنجب منه، تسكن بيته، تعيش كما يرغب أغلب المصريين في سنواتهم الأخيرة في دبي؛ لتأتي إلى مصر كما لو كانت سائحة، أحبته هكذا، أما حين ذهبت معه إلى لبنان فالوضع اختلف تمامًا، فهناك اكتشفت حقًا أنها تحب نبيل، حين انصهرت مع خرائطه، عاشت تجربته، فهمته، حين تفهمت أن للحب مفهومًا آخر غير الوسامة والغموض والزواج، وحين تيقنت أن للحب ينبع من حب أكبر للهوية والوطن الأم، فالحب الحقيقي لايُولد إلا وسط المعارك والأزمات، تمامًا مثلما حدث مع بطلة رواية الباب المفتوح للطيفة الزيات، ورواية شهر عسل مر للروائية اليونانية ڤيوليت وينسبر.

” زينة الأردنية ستتزوج من يهودي،ستنجح، هي وزوجها العربي ما مصيرهما؟ آه من العرب وفتنتهم وقتالهم وحربهم. آه من العرب وحبهم!، حبهم أخطر من أي شيء. الآن تعرف ما هو الحب على الطريقة العربية”

فزينة تزوجت من يهودي في أمريكا، أما هي السنية وزوجها العربي الشيعي ففي جنوب لبنان يواجهان مصيرهما المجهول، هل ستعود زينة الكاثوليكية رفقة زوجها اليهودي للأردن يومًا ما؟

فالحب كما الأخلاق لا بد أن يختبر، فلا يمكن أن نحكم على من يقف على الشاطىء أنه سباح ماهر ، لا يمكن أن نحكم  على إنسان أنه ذو أخلاق إلا بعد اختبار  حقيقي لأخلاقه هذه، ففي مجتمعنا العربي نقول أن فلانة خلوقة، وفلانة عاهرة ساقطة، فتطرح ريم هل الخلوقة هذه وضعت في اختبار لأخلاقها فرفضت، هل دعاها أحدهم للفراش فامتنعت! هل زُينت لها الشهوات ورغم احتياجها ابتعدت!

فكما قالت صفاء: “خذ الحكمة من أفواه العاهرات”  قاصدة عزة، فقد تم اختبارها بشكل ضاغط من قبل نبيل فامتنعت رغم  احتياجها له،لا تريد أن تصبح ساقطة،رغم وجودها في أمريكا،لم تسقط كما سقطت عزة،لم تسقط كما توقعت عزة.

فالعروبة لا تعرف حدود المكان، فعادات العرب في العلاقات تخترق القلوب  لتسكن بداخلهم.

الكاتبة الروائية ريم بسيوني

من منا يدرك من يكون؟

لا أحد يمكنه أن يعرف جذوره الحقيقية فالعرب منصهرون،نبيل يدرك ذلك جيدًا، إلحاحه الدائم على صفاء بأن تحكي له عن أجدادها الفراعنة يؤكد ذلك، معلوماتها الضئلية عن تاريخها واحتفاظها بتمثال توت عنخ آمون فقط وبعض البرديات والجعراين تؤكد ذلك، لغتها العربية الركيكة وهي تقرأ لنبيل الشعر تؤكد ذلك أيضًا، اختيار الشعر تحديدًا اختيار موفق من ريم بسيوني فالشعر أول ما حفظ به العرب تاريخهم، المفارقة الأكبر كونها محامية انتصرت على الدولة في قضية كبيرة، رغم أنها من المفترض أن تكون مُتقنة للغة، فالمحاماة مهنة يتم التلاعب بها وإيجاد الثغرات من خلال إجادة اللغة، فكيف تكون لغتها ركيكة؟

من يدرك فإن كانت هي مصرية فرعونية، فهو لبناني فينقي، وكلاهما أصحاب حضارة وعلى تواصل تجاري وحضاري منذ بداية الحضارات، من يدرك فكلاهما في العصور القديمة تم احتلال بلادهما من الرومان، من يدرك فكلاهما من أبناء المتوسط؟ ولهذا كان نبيل نصار يؤمن بأنه عربيًا أكثر. ثمة رابطة خفية أكثر تكمن في اسمه نبيل نصار تتلاقى مع اسم حسن نصر الله فكلا الاسمين مشتقان من جذر واحد نصر.

الباحث في أدب ريم بسيوني سيجد أنها  تتعامل مع نصوصها بحرفية شديدة، سيجد أيضًا ثمة روابط حقيقية تمزج بين الحب والتاريخ، معبرة عن هذا كله بلغة إنسيابية مرنة، وستُذهل حين تكتشف أن التاريخ بؤرة مركزية يتفرع منه الحب، ويتقاطع معه في الخصوصية الثقافية، فينشأ تواشجًا فنيًا دالًا بين ما هو ذاتي وما هو أكبر من الذات.

_____________

★ كـاتبـة ــ مصــر

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى