أخبار ومتابعات

شيماء مصطفى: ” بلاد جان” لأحمد فريد المرسي.. عندما تكون الرحلة بلا خلاص.

شيماء مصطفى

حين تتواشج المخاوف الذاتية مع سرديات المدن السياسية يُعاد تشكيل العلاقة بين الخاص والعام ، فلا تطرح الأحداث السياسية كحدث مستقل بمعزل عن الفرد، ولكن كخبرة وتجربة أثرت على البنية السيكولوجية والديموجرافية بطريقة أكثر شمولية.

وفي بلاد جان للكاتب والروائي أحمد فريد المرسي والصادرة عن مؤسسة بيت الحكمة ، يخوض سراج رحلته النفسية أو بالأحرى حربه النفسية بالتزامن مع رحلته المكانية وحروب أهلية  ، تحول خلالها الانتماء الجغرافي من معطى اجتماعي إلى آلية إقصاء سياسي، مما أحدث هشاشة في البنية السكانية للمنطقة، وليرى ما إن كان التحرك الجغرافي  سيتبعه تحرك في الوعي ، أم سيظل بلا حراك عند النقطة صفر؟

” الصمت يفكك تعقيدات الحياة ، بينما الوحدة تفرض إعادة تركيب العالم”

السرد باعتباره مقاومة

تعامل أحمد فريد مع السرد باعتباره مقاومة للنسيان من جهة، ومن جهة أخرى كمقاومة لمحاولات الطمس ودثر الحقائق المتعمد، وقد ظهر ذلك بشكل جلي في حديث سراج مع دستان فيما يخص أحداث البوسنة ص 95و ص 97 في النسخة الرقمية، إذ وظف الحوار بين سراج ودستان بشكل متقن حين استخدم سراج آلية العدوان المُزاح فحول الصراع الجمعي إلى إسقاط شخصي ليتحرر من عجزه لحظة معاصرتها.
” انظر إلى كل الحروب والمجاعات حول العالم، ألا تجد أنكم أيها المتحضرون سبب مباشر أو غير مباشر فيها؟”
ولم يكن الحوار المباشر شرارة المقاومة فقد سبقه الراوي العليم مستخدمًا سلطته وسيطرته المعرفية
” عاد بعد انتهاء مهمته الصحفية مرافقًا للقوات المصرية المشاركة ضمن قوات حفظ السلام في البوسنة والهرسك، صحيح نجا من الموت لكنه عاد حطامًا،…”
 فانتهت مهمته المهنية ولكن أثر التجربة لم ينته، فتحول الأثر عبر اللاوعي لمقاومة رافضة للخضوع حتى ولو بدا الخضوع خارجيًا بالعودة بعد انتهاء المهمة المهنية، فما عجز عن توثيقه ورقيًّا أثناء معاصرته للحرب، لفظه أمام دستان في جلسة علاجية.

بين فوكو وأحمد فريد

يتصدر كتاب ” تأويل الذات ” لميشيل فوكو عبارة تحمل تكليفًا لا دعوة ” يجب أن تدافع عن المجتمع” آمن بها سراج بطل بلاد جان حتى وإن عجز عن الدفاع عن نفسه وليس عن المجتمع ، ولأن الجينولوجيا لا تفضح الصراعات والمصالح ، ومن الخاسر ومن المستفيد فتكشف الزيف وتفكك الواقع وتحلله، وقد استخدم أحمد فريد جينولوجيا فوكو ليكشف متناقضات الحرب فلم يقتصر دور الحرب على تغير الأشخاص بعدها وحسب بل تجاوز الأمر ذلك حين غيرت تفسيرهم لماضيهم.
ولم يكتف أحمد فريد بحضور فوكو بطريقة غير مباشرة عبر الجينولوجيا ، لكنه أورده في حوار آخر بين دستان وسراج فيما يخص مفهوم السعادة حين أخبر دستان سراج بأن فوكو اعتبر السعادة تعتمد على أسلوب حياة الشخص وطريقة إدارته لها، مع تأكيد دستان على إيمانه الشديد بمقولة فوكو.
وفي لافتة ذكية تكشف تناقضات النفس البشرية استشهد دستان بفوكو وفولتير، ورغم أن موضع الاستشهاد بهما فيما يخص السعادة وربطها بمفهوم الأمان ، إلا ان لا يتعارض مع الطرح، فثمة رابطة خفية تمزج بينهما ، فالاثنان فرنسيان والحوار في باريس، وكلاهما فضحا السلطة بكل أشكالها،  إذ ذكر دستان هذا وكأنه دفاع مسبق عن نفسه وعن غيره من الأوروبيين المتحضرين” انظر…..”ص 95.

بين بلاد جان ومنروفيا

في سرديات أحمد فريد يتلاعب بالقارىء من خلال دمجه للشخصي بالمكاني فيترك مساحة واسعة أمامه لمزيد من التأويلات ، وإن كان البطل في عمليه يشتركان في فكرة الهروب من مواجهة الذات وكشف تعقيداتها بالتركيز على الآخر ومشكلاته، فإنه في بلاد جان اعتمد بشكل أوسع على الحوار النخبوي كنوع من النقد الاجتماعي والسياسي المضمر، بالإضافة إلى تأكيده على تعددية الأصوات دون استعلاء فكري ، إذ لجأ في بعض الأحيان وفقًا لطبيعة الحوار إلى العامية خاصة فيما تعلق بالحديث عن العلاقات العاطفية.

وإن كانت بلاد جان تفوقت على منروفيا في استخدام الحوار النخبوي ، فإن منروفيا تفوقت على بلاد جان في شاعرية اللغة، وكلا العملين اتفقا في جزالة التشبيهات المنبثقة من الفضاء المكاني للمشهد السردي.

” لا يقبل عقلي أني منهك كعربة القطار هذه ، أو مستهلك كهذا الكرسي الذي أجلس عليه”

ورغم الإسهاب في ذكر بعض التفاصيل داخل العمل دون توظيف كافٍ  إلا أنها لم تكن منفرة لا سيما وأنها كتبت بلغة خصبة أقحمت القارىء داخل بيئة السرد.

ثمة بعض المفردات تضع القارىء المتأمل أمام تساؤل لا يمكن الإجابة عليه إلا بقراءة العمل أكثر من مرة للوقوف على ماهية البنية الحوارية والسردية، من يتكلم بلسان من؟ الراوي ؟ أم البطل ؟أم الكاتب؟ لمن السلطة؟
ففي ص 68 حوار بين دستان وسراج، يتهم فيه سراج دستان بأن الأطباء النفسيين لا يقدمون حلولًا ناجعة (مؤثرة) ، فالمفردة هذه ولأنها غير شائعة الاستخدام تجعل القارىء يسأل هل هذه المفردة تنتمي إلى الكاتب أم لسراج، حتى وإن كان هناك تبرير بطبيعة عمل سراج ، أو باقتنائه لمكتبة ضخمة كونه قارىء نهم، فإن الكلمة لم تكن ملائمة لطبيعة الحوار حتى وإن كان نخبويًّا.
كذلك الأمر في بعض المواضع القليلة في السرد يحاول الراوي التحرر من سلطة الكاتب، فيما يتنافى مع توجه باختين في كتابه” شعرية ديستوفسكي” فيما يخص  تعددية الأصوات داخل العمل الروائي ، ولكنه تحرر من قبضته في مواضع أخرى لاسيما في سرد أحداث 19 سبتمبر.

تنقل الكاتب بمرونة بين الغائب والمتكلم ساعد القارىء على فهم الشخصيات من الداخل ، كما ساعد على إبراز حالة الاغتراب النفسي التي يعاني منها سراج، ولتعزيز تلك النقطة جاءت المفارقة في اسمه “سراج” فتجد الاسم الذي يحمل معنى الهداية يغرق سنوات في التيه والضلال، وللتأكيد على أن الشيء لا يدرك إلا بالوصول إلى نقيضه وظف بعض الفواصل الفلسفية داخل النص نفسه لخدمة هذا الغرض بالإضافة للتحويل الانطباع الشخصي لحقيقة راسخة.
“الحب والأوجاع ترادف كما الهجير والماء”.

طبيب وحالة

أجاد أحمد فريد إيضاح العلاقة بين الطبيب النفسي والحالة، من خلال قدرته على تغطية عدة جوانب كشف الحوار عنها، منها شمولية أسئلته كافة الجوانب، ومرونتها وتدرجها في العمق ، ولكن تبقى النقطة الجوهرية في آليات إدارة الجلسة فإذا كان للحالة الحق في الإسهاب، فإن  الطبيب يحتم عليه أن ينظم ويدير، ولهذا لم يسهب دستان حين طلب منه سراج الحديث عن الخلل الذي يعاني منه.
” أنت تدفع لي كي أساعدك، ربما أحدثك عما بي من خلل في مناسبة أخرى”.

الكاتب أحمد فريد المرسي

المرأة في أدب أحمد فريد

يعكس أدب أحمد فريد في تناوله للمرأة إيمانه بأنها شخص كامل وشريك فعّال له وعيه وتأثيره داخل المجتمع ، ومكان قبل أن تكون صوتًا   ، فرحمة في منروفيا واحته في قفر أجدب، ودرية في بلاد جان ملاذه الآمن، ورجاء واجه من خلالها أحادية المجتمع بتفكيك الوصم الأخلاقي حين أثبت لنا أنها نتاج بنية اجتماعية قاهرة متسلطة لا موضع اتهام، فضلًا عن تحول السرد من التمثيل عنها إلى الإنصات لها.

” قصص لم تكترث رجاء أن تنفها أو تؤكدها، بل كانت تسمع بمزيج من الدهشة والارتياح ، لأن القصة الحقيقية فيها من مرارة الإهانة ما لا تحب أن تتذكره أو تسمعه الأخريات”

يواصل الكاتب توغله داخل القارة السمراء عبر أدب الحروب الأهلية، نابشًا عن سحرها المدفون، وكاشفًا قسوة الواقع بإعادة المهمش لبؤرة الحدث، موضحًا أثر الإبادات العرقية التي لا تندثر مهما حاول المهيمن، وكأنه يحمل سراجًا يرهب الظلام بتقنيات متعددة تنم على وعي كامل بالماضي ورؤية ثاقبة المستقبل فتصبح الرحلة بلا خلاص.


★سكرتيرة التحـرير.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى