إضاءة نقدية

أسماء خليل:هل للنقد التكويني جذور في تراثنا العربي؟!

أسماء خليل

حين نتأمل مسودات القصيدة الحديثة، واشتغال النقاد الغربيين على ولادتها، يخطر سؤال بسيط وعميق لم يخطر في بالنا: أكان للعرب تصورٌ مشابه؟
فحينما طرأت لي فكرة دراسة النص الموازي وبالتالي البحث في المسودات الأولية والكشف عن أسرار ما وراء النص، فلم يكن أمامي سوى بحث منشور في كتاب “بعنوان مدخل إلى النقد الأدبي”  ترجمة رضوان ظاظا به بحث بعنوان ” النقد التكويني” لـ”بير مارك دو-بيازي” ذلك الفرنسي الذي أرسى قواعد النقد التكويني ووضع له مراحل تطبيقه الخاصة به وفرضه كحقل نقدي مستقل لدراسة النصوص الأدبية، ووجدتُ ديفيد بُشبندر قد أطلق على النقد التكويني مصلح “المقاربة الجينية” ووضح بأنها تنظر إلى تكوّن النص، ويقول: “إنها دراسة يسعى لاقتفاء تاريخ النص بمفرده، وإقرار النسخة الصحيحة حين تكون الظروف الملائمة، ويستخدم هذا الشكل التحليلي أيضًا في تحديد المؤلف في الأعمال المشكوك في نسبها، أو في الأعمال مجهولة المؤلف.
وأردفنا ديفيد كارتر في القول أن هذا النقد الذي يسعي إلي أدلة نصية يمكن إثباتها، والتي تتعلق بنيات المؤلف، كما أن هذا النقد يحلل العوامل التي تحدد طبيعة النص النهائي، وكلما تقدم من شكل مخطوطة نحو شكل كتاب، وكما يدرس النقد الجيني تأثيرات الرقابة والتنقيح، فإنه يحاول أن يحدد بدقة ما يمكن أن يقال منطقيًا عن النص.

ومن هنا خرجت بأن النقد التكويني لا يهتم اهتمامًا كاملًا بالنص النهائي المطبوع، وربما لا يأخذ منه سوى صورته النهائية لتوثيق العمل، بل يهتم بالمسودات والسيناريوهات المحررة التي ساعدت في إخراج هذا العمل المطبوع،  بمعنى آخر فهو يهتم بمرحلة تولد النص قبل الطباعة، وليس فقط ينحسر اهتمامه بتلك المرحلة بل يتناولها بالدراسة ويتناول النص في ذهن الكاتب وبداية خطه لفكرته أي فكرة مشروعه الأولى، وينقب في مكنونات النص الأدبي لكشف أسراره ومصادر تكونه من خلال المسودات، ويتناول بالدراسة نفسية الكاتب التي أدت إلى تولد النص وينظم مسودات المبدع ويضع احتمالات لنقطة بدء العمل الأدبي والفترة الزمنية التي تبلور فيها العمل الأدبي، ويظل يتتبعه وصولًا إلى مرحلة ما قبل الطباعة أو النص الصالح للطباعة.
التأصيل العربي للنقد التكويني:
يُعد عبد القاهر الجرجاني (ت 471) من أبرز النُّقاد الذين اشتغلوا بمسألة نظم المعنى في اللفظ، لا بوصفها مجرد إحكام لفظي، بل كفعل تكويني واعٍ يمر بمراحل ذهنية قبل أن يستقر النص على صورته الأخيرة. ففي كتابه دلائل الإعجاز، لا يتعامل الجرجاني مع القول الشعري كمنتج جاهز، بل يقف على المراحل السابقة لظهوره، كاشفًا عن تصور مركب لعملية “التخييل” و”التركيب” بوصفهما حركتين ذهنيتين متعاقبتين تشبهان ما يُعرف حديثًا في النقد التكويني بمفهوم “النواة الأولى للنص”.
ويصرح الجرجاني بأن الشاعر “إذا أراد أن ينشئ شعرًا، ابتدأ أولًا بتخيّل المعاني، ثم عمد إلى الألفاظ يبتغيها لها”.
إن هذا الوعي العربي المبكر بأن النص الشعري يمر بمراحل داخلية من التكوين قبل أن يستقر، يبرز القول بأن للنقد التكويني جذورًا كامنة في تراثنا، حتى وإن لم تتبلور في صيغة منهجية كما عند دوـ بيازي لكنها حاضرة في الحس النقدي والبلاغي للنقاد العرب القدامى.
يقول الدكتور رمضان عبد التواب: “يظن الباحثون المحدثون من العرب أن فن تحقيق النصوص فن حديث ابتدعه المعاصرون من المحققين العرب، أو استقوه من المستشرقين الذين سبقونا في العصر الحاضرـ بعض الوقت ـ في تحقيق شيء من تراثنا ونشره بين الناس .
ولكن الحقيقة بخلاف ذلك، فقد قام فن تحقيق النصوص عند العرب مع فجر التاريخ الإسلامي وكان لعلماء الحديث اليد الطولي في إرساء قواعد هذا الفن في تراثنا العربي، وتأثر بمنهجهم هذا أصحاب العلوم المختلفة، وإن كثيرًا مما نقوم به اليوم من خطوات في فن تحقيق النصوص ونشرها؛ بدءًا من جمع المخطوطات والمقابلة بينهما، ومرورًا بضبط عباراتها، وتخريج نصوصها، وانتهاءً بفهرسة محتوياتها ــ لما سبقنا به أسلافنا العظام من علماء العربية الخالدة”.
فقد كان كثير من الشعراء يرتجلون أعمالهم فكثير من الأدباء قد جربوا الخاصية الشفهية قبل الكتابة مثل أن يلقي الخطاب أو المقال أو القصيدة في مكان ثم يأتي ليلقيها في مكان آخر نراه قد بدل فيها لفظة أو حذف منها كلمة أو غير سطرًا شعريًا بأكمله.
ولما كان النقد هو فن تفسير الأعمال الأدبية، وهو أيضًا محاولة منضبطة يشترك فيها ذوق الناقد وفكره،  للكشف عن مواطن الجمال والقبح في الأعمال الأدبية وبطبيعة الحال أن الأدب سابق للنقد في الظهور،ولولا وجود الأدب لما كان هناك نقد لأن قواعده مستقاة ومستنتجة من دراسة الأدب.
وقد كان النقد الأدبي في العصر الجاهلي نقدًا بسيطًا ومثال ذلك احتكام امرؤ القيس وعلقمة الفحل لأم جندب ووردت هذه الرواية في طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي، ومنها أيضًا تحاكم حسان بن ثابت، والخنساء عند النابغة الذبياني.
أما في صدر الإسلام فقد تطور النقد الأدبي حيث تطور النص الأدبي وانشغل المسلمون بالحروب وبتغير طبيعة الشعر تغيرت أيضًا طبيعة النقد وأصبح للشعر مفهومًا إسلاميًّا يرفض الهجاء وغيره من الأغراض الشعرية القديمة.
أما عن النقد في العصر الأموي فقد اتسعت رقعة الدولة وكثرت الحواضر وأصبحت قصور الأمراء والقادة مراكزَ ثقافيةً تستقطب من يتذوقون الشعر والأدب وتغدق عليهم الكثير من الأموال، وأصبح بذلك العصر الأموي عصر جمع التراث العربي.
ومثلما كان يفعل “فلوبيير” أو “بيير كيوتا” و “أمل دنقل”. هذا ما نسميه إن جاز لنا التعبير “النقد التكويني الشفهي”
ينطبق أيضًا على العروض المسرحية فمسرحيات “بريخت” أو صمويل بيكيت” عُرضت مرات عديدة، وكل عرض ينسخ العرض السابق الأصلي، ومن ثَمَّ فالعرض الأول يصبح نسخه أصلية بينما العروض المتلاحقة تصبح نسخًا معدلة ومنقحة، وهذا ينطبق كذلك على الكتابات الرقمية التي يتم فيها التنقيح والتعديل والمراجعة.

بريخت

والناظر في المعلقات أيضًا يدرك لأول وهلة عدم قيامها على وحدة الموضوع. وإنما تتعدد موضوعاتها وتتداخل أحيانًا مبتدءًا ومنتهيًا. فلا وجود لبنية قادرة تنتظم المعلقات جميعًا بل يختلف اختيار الأجزاء وترتيبها من معلقة إلى أخرى. وإن جاز بشيء من التجوز اعتبار الوقفة الطللية وما يقترن بها من نسيب عرفًا سائدًا لدى شعراء الجاهلية – إذا اتخذنا التواتر مقياسًا – فإنه لا يمكن تصور ما يلي المقدمة من موضوعات، ومعنى هذا أن مقدمة المعلقة تحدد بصفة تقريبية أما خاتمتها فتترك لصدفة الإبداع. ولم نخض في شأن مآل المعلقة ومقدمتها تستعصى على الضبط أحيانًا؟
ألم يستبدل عمرو بن كلثوم بالوقفة الطللية مقطعًا خمريًا يشغل ثمانية أبيات من المعلقة إذا اعتمدنا رواية الزوزني، ومطلعها:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمـور الأنــدرينا ثم إن إرداف هذه المقدمة الخمرية بنسيب يستهل بهذه العبارة “قفى قبل التفرق” يثير استغراب القارئ فهل يتعلق الأمر هنا باستدراك على الاستهلال أم باستهلال جديد؟ .. أم أن ذلك يرد إلى اضطراب الرواية بحيث يجوز اعتبار هذه القصيدة مرقعة من أكثر من قصيدة وهو الافتراض الذي ذهب إليه فان جيلدرvan Gelder.
وإذا تخطينا النسيب لاحظنا حضورًا للناقة يراد وصفها بمقطع مستقل، وهو حضور استقر في نماذج وافرة من القصائد الجاهلية في الموضع الذي يلي النسيب عادة. ونقف في المعلقات على صدى هذا الاختيار الموقعي؛ إذ ظهر وصف الناقة في أربع معلقات فقد وُصفت في معلقة طَرَفَة، ومعلقة لَبِيد، ومعلقة عنترة، ومعلقة الحارث بن حِلِّزَة. وتشهد مناسبات وصفها بوجود تقليد شعري عريق لعله من رواسب الحداء. لقد كدنا نطمئن تمامًا إلى استقرار هذا التقليد، بِيد أن غياب وصف الناقة في ثلاث مناسبات جعلنا نعيد النظر في هذا الحكم فلم غاب وصف الناقة في معلقات امرئ القيس وزهير وعمرو بن كلثوم؟ هل يعد ذلك من باب التمرد على ما اعتبرناه تقليدًا؟ وإن كان ذلك فما مسوغه؟ أم أن غياب وصف الناقة في هذه النماذج لا شيء من ذلك يقتضيه؟ فالمهم أن انتظام الوحدات في المعلقات لا يخضع لقانون جَلي، ومن هذه الناحية ننبه إلى أن النماذج القتيبية كما تحدد في كتاب “الشعر والشعراء”.
وهذه الأحوال تقودنا إلى التزييفات الفعلية فشعراء متأخرون، وضعوا قصائدهم على لسان شعراء جاهليين، لينالوا القبول والحظوة وانتحلت قصائد كاملة وأبيات مفردة إما من أجل الوعظ أو المحاضرة أو الفخر بقبيلة أو ذمها، ثم أضافوها إلى قصائد صحيحة. ولم تكن المنفعة الشخصية هي الدافع الوحيد لهذا الصنيع؛ بل أراد بعض الرواة من ذلك مجرد إنعاش أخباره التاريخية بقطع شعرية وتزيينها بها، فوضعها على لسان الأشخاص المذكورين في أخباره. كما أن بعض رواة الشعر لم يقاوموا إغراء إقحام بعض أشعارهم التي نظموها في قصائد صحيحة، واعتقدوا أن أبياتهم هذه جديرة بأن تحمل اسم شاعر قديم.
وبدلًا من تكثير الأمثلة اجتزئ بمثل واحد. ففي قصيدة النابغة الذبياني المعتبرة من المعلقات، والتي نشرها دي ساسي في “منتخباته” يوجد بيتان من الشعر برقم 22/23 لابد أنهما لشاعر متأخر. وذلك أننا حق لو سلمنا بأن النابغة الذبياني عرف شيئًا عن الملك سليمان بوصفه مؤسس دولة تدمر، فإنه مما يخلف عادة الشعراء العرب تمامًا أن يخاطبوا ملكًا بهذا القول:
ولا أَرَى فَاعِلًا فِي النَّاسِ يُشْبِهُه ولَا أُحَاشِـي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ
إلا سُلَيْمَــــانَ, إذْ قَــالَ الِإلــهُ لَهُ قُمْ فِي البَرِيَةِ فاحْدُوهَا عَنْ الفَندِ
وخيِّس الجِنِّإِنِّي قَدْ أذَنْتَ لَــهُمْ يَـبْـنُـونَ تَدْمُـرَ بالصَّـفاحِ والعمدِ
فمثل هذا الاستثناء، لا يمكن أن يرضى عنه أمير مسلم، فضلًا عن أمير جاهلي. ولو حذفنا البيتين لعاد الارتباط في سياق الكلام سليمًا، كذلك نجد مرات كثيرة وتصورات إسلامية تحشى بها القصائد القديمة، إلى الدرجة التي يبدو فيها كل موضع فيه اسم أسطوري معروف في القرآن، فإننا مضطرون إلى الشك في صحته، وإن كان من المؤكد أن أسماء مثل “عاد” إلخ توجد في أشعار قديمة صحيحة حقًا.
وكل هذه الأقدار أصابت على وجه العموم – كما هو الطبيعي- الشعراء الأقدم أكثر مما أصابت الشعراء الأحدث الذين لم تنقل قصائدهم بالرواية الشفوية زمانًا طويلًا، وحَرَصَ أصحابُها منذ البداية على حفظها. أما كيف تغيرت صورة القصائد القديمة على مدى العصور؟ فهذا يمكن أن يبيِّن على خير نحو من الروايات المختلفة التي وصلنا بها ديوان أشهر الشعراء الجاهليين، امرئ القَيْس. إن الفحص عن رواية واحدة من رواياته تكفي لبيان إلى أي مدى ابتعدت عن الصورة الأصلية؛ إذ نجدها هنا في كل موضع أبياتًا انقلب ترتيبها، ومواضع متساوية في قصائد متعددة، وقطعًا من قصائد مختلفة ضم بعضها إلى بعض، وعلى الأقل في رواية السكري، وقد وصلتنا في مخطوطٍ جيدٍ موجود في لندن، نجد أيضًا كثيرًا من الأشعار المنحولة.
وهنا يبرز دور النقد التكويني للتأكد من مدى صحة تراتبية هذا النص وأيضًا إن كان التباين بين أجزاء القصيدة الجاهلية من حيث الموضوعات وضعف روابطها أمرًا مقبولًا يمكن التخفيف من حدة هذا التباين، ومن خلق مبرر يعول على تباين أبيات النص وبنيته الخارجية والداخلية، وعدم مناسبة بعض الأبيات المنسوبة للشاعر لطبيعته وحسه الشعري أو حقله اللغوي والدلالي.
وأيضًا توجد سبب لحدوث هذا الانتحال – كما ذكرنا سابقًا- من أسباب تجعل الشعراء المحدثين ينسبوا أشعارهم لشعراء قدامى. ومن ثم فعلينا أن نتطرق أيضًا لنفسيات الشعراء المحدثين أثناء كتابة أبياتهم التي نسبوها إلى القدامى لبيان تلبس الحالة، وإلى أي مدى تدروش الشاعر في حالة الشاعر القديم حيث يتبين لنا جينات تخليق نصه المنحول ومردها إلى أصلها الذي هو النص الأصلي.
ويكمل د.عبد الرحمن بدوي في كتابه “دراسات المستشرقين حول الشعر الجاهلي”: إننا إذا أمعنا النظر في الأحوال التي أتينا على ذكرها وحاولنا أن نبحث بعناية في القصائد الجاهلية وخصوصًا في طرائق التعبير عند مختلف الشعراء والقبائل، فإننا سنصل في كثير من الحالات إلى نتائج أكيدة أومحتملة تتعلق بالصورة الأصلية للقصائد التي وصلت إلينا. وقسم كبير من هذه النتائج يمكن أن يكون سلبيًا. بمعنى أننا سنرى أن:” هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، وهذا لا يمكن أن يكون الشاعر قد قاله فعلًا”.
ومن ثم يظهر النقد التكويني بفعالياته ليظهر لنا من هو الحقيقي المطابق لأسلوب الشاعر ومن هو المزيف المنحول، وليس فقط قاصرًا على الأسلوب والألفاظ وإنما يبحث في نفسية الكاتب أثناء كتابه اللفظة واستبدل بها ألفاظًا أخرى.
وهل كانت هذه اللفظة مناسبة للعصر الذي كتبت فيه من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية يعيشها كاتب النص الحقيقي؟! لذا كانت العلاقة بين النقد التكويني وبين تحقيق التراث علاقة تبادلية لا غنى للنقد التكويني عن علم تحقيق التراث خاصة في الأدب القديم، ويعتبر علم تحقيق التراث أداة من أدوات النقد التكويني، وفي الوقت نفسه إذا أردنا أن نحقق إحدى المسودات نستخدم – من حيث لا ندري- المنهج النقدي التكويني وإن كنا قد استخدمنا جزءًا من حيز عمله.
في نهاية القول، أتساءل هل كان هناك وعي عربي بفكرة النص في طور التَكَوُّن؟ فقد رأيت أنه معترف به بشكل واسع عريض في العصر الجاهلي؛ حيث كان “زهير بن أبي سلمى” من قبل ينقح قصائده شفويًا ويثقفها، فيعرضها علي شعراء عصره ونقاده، وكان زهير يتأخر في نشرها وإذاعتها حتى ظنوا أنها تستغرق عامًا كاملًا فأطلق عليها “الحوليات”. وانتشرت بعد ذلك بين العديد من شعراء عصره.
وربما آن الأوان أن نكف عن النظر إلى تراثنا بوصفه مادة للمقارنة فقط، بل كمصدر يمكن أن يقدم أدوات جديدة لفهم النص العربي نفسه.


باحثة في الأدب العربي الحديث.


مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى