أخبار ومتابعات

حيدر الأسدي: الفقراء يمزقهم المطر .. قراءة إحصائية في المجموعة المسرحية “مطرٌ يابس” .

حيدر علي الأسدي

المجموعة المسرحية (مطرٌ يابس) للكاتب والشاعر البَصْري “جاسم المنصوري” والصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع في العراق 2025 وضمَّت بطياتها ثمان مسرحيات، ومن أجل تقديم قراءة مغايرة لهذه النصوص، التي يبدو أن ثمة هاجس واحد يجمعها على مستوى الدلالات والموضوعات الرئيسة، وأعني هنا قراءة نقدية إحصائية لما تشتمل عليه المجموعة المسرحية، التي امتازت حواراتها بتشعير المفردة المسرحية؛ لتتحول أحياناً إلى مفردة مشحونة بالطاقة العاطفية والشعرية، وليس الدرامية، وذلك بالارتكاز إلى مبدأ مهم تستند له المسرحيات ذات الطابع الديني أو التاريخي، وهو ما جعلنا نخوض غمار قراءة مغايرة لمشهدية هذه المسرحية تقوم على امتداد نافذة نقدية واحدة وعلى شكل مشاهد:
أولاً: الألوان ودلالتها :
(الستارة البيضاء/ الإنارة/ الغربان/ الدماء/ الشمس/ ضوء أحمر)
ثانياً: الثنائيات المتلازمة: (الضوء/ الظلام) ( هابيل/ قابيل) (القاتل/ المقتول) ( الحزن/ الفرح) (الخير/ الشر) (الولادة/ الموت) (الحرب/ السلام).
ثالثاً: التجريب في شخوص المسرحية (صوت/ فتاة/ صوت نسائي/ الفتاة/ الرجل المسخ/ القاضي/ مجموعة من الممثلين/ ممثل1/ ممثل2/ الفلاح / الصوت….)
رابعاً: هيمنة الأجواء السوداوية (مليء بصوت القهر/ الصمت/ الحرقة/ البكاء/ المر/ الجوع/ العوز/ الخوف/ الوجع/ الحروب/ همومنا/ زمن التفاهة والفجيعة والقهر/ ماكينة الجوع/ هموم الدنيا/ قهر الغربة/ المقبرة/ ظلم الناس/ الجدار المثلوم/ حزن النساء/ القضبان تخنقني / ملطختين بالدماء/ الصخرة الكئيبة/ الصدأ/ الهزيمة/ الخذلان/ المسخ/ زمن الفجيعة).
خامساً: الظواهر الطبيعية والطبيعة النباتية: (الهواء/ الضوء/ المطر/ البرق/ السماء/ شفق أحمر/ الطين الأسمر/ أشجار الياس/ أغصان الشجر/ فسيلة نخل صغيرة/ سنابل القمح/ غصن أصفر/ الشجرة/ الصبح / الأوراق الصفراء/ الطوفان/ النهر….)

سادساً: لغة الحوار المسرحي (بعض الحوارات اقتربت من لغة السرد أكثر من الدراما، وسادت بعض الحوارات المطولة، التي تقترب من لغة الوصف السردي الإرشادي / ص22)
سابعاً: رمزية الحيوانات ( العصفور/ الغربان/ الخيل/ كلاب برية مفترسة) .
ثامناً: الإحالات الدينية والتاريخية (المجموعة حافلة بالإحالات الدينية والتاريخية؛ لأن أغلب – إن لم تك كل- مسرحيات المجموعة من نفس الطابع التاريخي المدون في المأثور العربي والديني)
تاسعاً: تحولات الأرض، وهيمنة المفردة على نصوص المجموعة.
وعلى وفق المعطى الفكري والجمالي المتجسد باللغة المسرحية في مجموعة “جاسم المنصوري”، فإن الإحصاء النقدي يقدِّم هذه البيانات في المختبر النقدي القائم على قراءة المضمرات اللا شعورية في المنحى (السيكولوجي/ والسيسولوجي)، التي أثرت النصوص بهذه المعطيات من خلال تدويرها على امتداد المجموعة المسرحية، اِبتداء من العتبة الأولى ( مطر يابس) ولوحة الغلاف، وليس مروراً بالعناوين الفرعية، وتأثيث بيئة العرض، وحتى طريقة النهايات المسرحية، التي يفضلها الكاتب المسرحي “جاسم المنصوري” والإحصاء النقدي عن المعطى اللغوي، يحيلنا إلى لغة الكاتب المسرحي “جاسم المنصوري” بوصفه شاعراً قبل أن يكون مسرحياً، مما جعل المفردة الشعرية هي من تشحن المفردة المسرحية لديه وحتى في مطولاته الحوارية، التي يسودها الوصف السردي، وهذا لا يعني المباشرة الإنشائية أبداً ، بل إن المفردة منسابة لديه ومتسقة مع الحوار المسرحي؛ حتى وإن كانت أحياناً تسهم ببطء الحدث الدرامي، الذي يجب أن يكون ديناميكاً متحركاً إلى الأمام إلا أنها تفرز لنا (ذوات الشخوص المسرحية)، التي يصارع “المنصوري” من أجلها لتبان للعلن من خلال تدوينها على الورق، أو العرض العياني فيما بعد.
والألوان هي بيئة لا شعورية يسودها مظاهر، وتمثلات الخير والشر، عالم النور والضياء، وعوالم الحزن واليأس، وهذه تارة تتجسد في المحيط الدائر للكاتب، الذي عُرِفَ بدفاعه عن قضايا الإنسان الكادح والمظلوم، وتارة أخرى منصهرة في بيئة المسرحية الداخلية، التي يرسمها الكاتب المسرحي بدقة عالية، أما المعطى المنطقي للثنائيات، يتجسد في ذات (مؤلف وشخوص) باحثين عن نقد (واقع موضوعي خارجي) متناقض وهزيل ورث، وأحياناً ظالم وسوداوي، فالثنائيات تتجسَّد من خلال (فعل إيجابي/ منطلق من ذات الكاتب) وفعل آخر سلبي يحاول الكاتب أن يردَّ عليه، أو يناقضه أو يعريه ويحرِّض ضده، ومثلما يسعى الكاتب المسرحي لنقد كل ما يمكن نقده من تناقضات الواقع الحالي، من خلال الاستناد إلى مرجعية تاريخية ودينية، فهو لا يرى في اجترار هذا التاريخ، سوى تبادل الأدوار والتحولات، إنما هي في الفعل الاجتماعي والسلوك الإنساني، لا في الشخوص وحسب، وهو يحاكم الظاهرة أكثر من الذوات، وبالتالي يسعى إلى ترميز شخوصه المسرحية؛ لأن مبتغاه التحول والتغيير من هذه الظاهرة والسلوك، وإن كانت صادرة من ذوات تاريخية مؤشرة ومدونة، وهيمنة الأجواء السوداوية الكئيبة لا يمكن تحليلها إلا ضمن منطوقها السائد، عبر البعد المادي والمعنوي من خلال سيطرة تلك المفردات وتدويرها على امتداد المجموعة المسرحية، والتي أشرنا لها ضمن المعطى، وهو ما يؤشر مهيمنات لا شعورية على الكاتب أولاً، وعلى البيئة المحيطة، التي تشكل أنساق الكاتب ومرجعياته، بما تشمل هذه البيئة من ثقافات ورؤى وتحولات، ضمن واقع المؤلف (البيئي/ الثقافي/ الاجتماعي/ الديني / السياسي) مما يوحي إلى عدم رضا ونقد مستمر من المؤلف لكل تلك الظواهر، التي كانت مهيمنات مركزية في مسرحيات مجموعته، بل وأحياناً المواجهة والتعرية والتحريض، ضد كل تلك المظاهر، وإن كانت غير معلنة، أو بطريقة رمزية سيما تلك النصوص، التي يوحي المؤلف من دلالاتها بالإسقاط (من التاريخ/ للحاضر الراهن) وهذا المعطى يتجسَّر مع المعطى الطبيعي بالموارد والحياة الطبيعية، التي تغطي (المحيط المادي/ المعنى الرمزي) في تلك النصوص المسرحية وحضورها بشيء بالقلق وعدم السكينة والمحاولة المستمرة؛ لإثبات الذات، أو الردِّ على الآخر، أو مواجهة الآخر بقوة الوجود وفقاً لكل تلك المحيطات، التي تصنع المشهد الحقيقي لحيوات شخوص “المنصوري”، وفي معطى رمزية الحيوانات ثمة حضور (الصقور/ الحرية وتحولاتها) ( الغربان/ رمزية الشر وتفرعاتها) (الخيل/ الأصالة والهيبة والشجاعة وثبات الموقف والقوة والصلابة) (كلاب برية مفترسة/ إحالة إلى السيئين من أشباههم من بني الشر).
أما رسوخ المدون الديني والتاريخي؛ لأن “جاسم المنصوري” عُرِفَ عنه التميز بالكتابة في هذا المجال، وله مشاركات واسعة في المسرحيات، ذات الطابع الديني (المسرح الحسيني….) أما الأرض وتحولاتها، فتارة هي الوجود والوطن/ وأخرى هي العذاب وأرض المعاناة، ولكن تبقى هذه الأرض أحياناً تمتاز بالنقاء، فيشير لذلك المؤلف ضمن سياق مدلولاتها في الحوار المسرحي، وأخرى يحاول أن يجعلها بيئة شاسعة لعذابات الإنسان، فيستعرض أمامها ما يجري لهذا الإنسان المعذب في هذه الأرض، إنها شاهد عيان على كل هذه التحولات، التي قدَّمها المؤلف “جاسم المنصوري” في مجموعته المسرحية هذه، والتي تستحق الإشادة والقراءة النقدية من جوانب مختلفة.


★ناقد وأكاديمي عراقي.

مقالات متعلقة

زر الذهاب إلى الأعلى